الوطن

لبنان بين «مدنيّة بري»
والحياد الملتبس

} د.وفيق إبراهيم

ينقسم اللبنانيون بين فريق يربط بين تضعضع دولتهم وضرورة تغيير الصيغة التاريخيّة التي أدت الى أعنف انهيار اقتصادي معاصر، وبين فريق آخر يعتقد أن «حياد لبنان» يؤدي إلى إعادة ازدهاره.

رئيس المجلس النيابي نبيه بري من ملهمي الفريق الأول، يطرح فكرة الدولة المدنية إنما على قاعدة احترام الأديان وربما في مجلس شيوخ خاص بها إذا استلزم الأمر.

فيما يطلق الكاردينال بشارة الراعي فكرة حياد لبنان عن الصراعات الإقليمية والدولية، في إطار التمسك الشديد بتاريخيّته التي تأسست على علاقة بنيوية بالغرب وخصوصاً الفرنكوفونية ـ الفرنسية وامتداداتها عبر الأطلسي.

للايضاح فإن الدستور اللبناني الحالي والميثاق الوطني المعمول بهما حالياً، منعا اللبنانيين من الاندماج لأنهما يتعاملان معهم على اساس انتماءاتهم الطائفية والمذهبية، فهناك شيعي أو ماروني وسني أو درزي وكاثوليكي وارثوذكسي وعلوي وسرياني.. لهم حصصهم المحدّدة في الحكومة والوزارة والرئاسات والتعيينات الادارية والعسكرية، كل تعيين واتفاق في لبنان يرتبط بالتحاصص الطائفي..

هذا الوضع أنتج طائفية سياسية حالت دون اندماج اللبنانيين وولادة مواطن لبناني، فنمت سياسات طائفية محمية بالطوائف من الداخل وبحماياتها الاقليمية والدولية من الخارج. فتشكل أكبر فساد معروف في تاريخ الدول.. يتدرّج من السياسة الى الإدارة فالقضاء والتعليم والجيش والقطاع الخاص.

هذا ما دفع الرئيس بري الى اعتبار الطائفية السياسية «رأس الداء اللبناني» ومكمنه.. والقضاء عليها مدخل الى إعادة بناء لبنان الحديث المتحرّر من أثقال الموروث التاريخيّ والقادر على ولوج العصر الحديث.

ولأنه يعرف مدى البعد الديني الطوائفي في تاريخ لبنان، وإمكانات قوى الكهنوت المسيحي والاسلامي في التأثير على الشارع اللبناني المتنوع بالسلب أو بالإيجاب، فحاول امتصاص الرفض الكهنوتي لفكرة الدولة المدنية بتأييد فكرة مجلس شيوخ طوائفي كان اتفاق الطائف لحظة تأسيسه منذ 1990، إلا أن ضغوط الاحزاب الطائفية اللبنانية حال دون ذلك في تلك المرحلة.

لذلك يبدو أن بري مصرّ على مهادنة الاديان، وصولاً الى حدود قبوله بنظام لبنان دائرة انتخابية موحّدة على اساس المحافظة على نصف من عديد النواب للمسيحيين ومثلهم للمسلمين. وهذا ما يؤدي على الفور حسب ما تقول أوساط بري الى حاجة اللبنانيين السياسية لبعضهم بعضاً في الحدود الشمالية الى الجنوبية، دافعاً نحو تأسيس أحزاب لبنانية مدنية فعلية ومتنوعة طائفياً الى حدود ذلك الاندماج المنشود.

ان نتيجة هذه الهندسة تؤدي فوراً إلى استعادة وظيفة الدين الأساسية وهي ربط المواطن بربه في الاعالي، وحصر السياسة في تأمين المصالح المدنية للمواطن في دولة نزيهة وقادرة على الازدهار بعلاقات لا تقوم على الانصياع للخارج والتحريض الطائفي الداخلي المرتبط بمصالح الخارج.

ماذا عن الحياد؟

يطرح الكاردينال الراعي فكرة الحياد اللبناني في الصراع الإقليمي والدولي، معتبراً أن تورط لبنان في حروب الاقليم تسبِّب بإفلاسه، مطالباً باعادته الى ما كان عليه قبل العقد الأخير، فيبدو الكاردينال وكأنه نسي أن المطامع الإسرائيلية بلبنان قديمة، وليس لديه ما يمنع تحقيقها إلا قوته المسلحة.. كما غَفَل عن الإرهاب الذي كاد يفتك باللبنانيين من المسيحيين والمسلمين في شرق البلاد والشمال، كما أنه سها عن الاحتلال الاسرائيلي للبنان حتى عاصمته بيروت في 1982 واستمر في احتلاله للجنوب حتى العام 2000 .. ولولا المقاومة المتمثلة بالاحزاب الوطنية وجهادية حزب الله وحركة أمل لكانت «اسرائيل» في بيروت حتى اليوم ولكان الارهاب أباد كل المكونات اللبنانية منذ 2014.

كما ان فكرة الحياد لا تربط بين الانهيار اللبناني والدولة والاقتصاد.. هذه المرحلة التي بدأت منذ التسعينيات بحلف جمع بين السعودية والاميركيين والسوريين بمباركة من البطريركيات المسيحية ودور الافتاء الإسلامية.

وبعد ثلاثة عقود فقط من المباركة الدينية والاقليمية والدولية لمرحلة الحريرية السياسية تبين أن لبنان الاقتصادي أصبح في قعر الهاوية السحيقة.

لا شك هنا في ان نيافة الكاردينال استمع إلى الاميركيين والفرنسيين يؤكدون أن مرحلة العقود الثلاثة الاخيرة هي التي أوصلت لبنان الى ما هو عليه.

فهل نسي نيافته أن الحريرية كانت مدعومة من الكهنوت الاسلامي والمسيحي داخلياً وخارجياً.

فهناك إجماع دولي على تحميل الطائفية السياسية في لبنان مسؤولية انهياره الاقتصادي، بما يعني ضرورة ايجاد نظام سياسي ينأى عنها متعاملاً مع اللبنانيين بالمساواة في الاقتصاد والاجتماع والسياسة كما فعلت الدولتان الفرنسية بعد ثورتها في القرن الثامن عشر والأميركية في القرن التاسع عشر.

اما المطالبة بحياد لبنان عن سورية وإيران، فالاولى دعمت حزب الله في تحرير الجنوب وحرب تموز في 2006 وكذلك فعلت إيران تسليحاً وتمويلاً، فيما كان الاميركيون ولا يزالون حتى اليوم من أكبر داعمي «اسرائيل» في عدوانها على فلسطين المحتلة وسورية ولبنان.

إن هذه المقارنة تظهر الفارق بين مشروع دولة مدنية بوسعها دفع لبنان الى ازدهار بنيوي فعلي يبتعد عن الارتزاق نائياً عن الانصياع ومؤسساً لاقتصاد فيها حد معقول من الانتاج والبنيوية ولدولة تستطيع الدفاع عن نفسها في وجه الكيان الاسرائيلي المصرّ على إضعاف لبنان دائماً وعينه على توطين قسم كبير من الفلسطينيين على أراضيه وسرقة ثرواته من الغاز ونشر قوات الطوارئ في معظم أنحائه الجنوبية ودفعه ليكون دائماً معادياً لسورية وايران.

فهل تنجح فكرة الدولة المدنية؟

هل الحل الفعلي الذي يضمن إعادة نصب لبنان على الخريطة السياسية لبلاد الشام ومنطقة الشرق، وهي الوحيدة الكفيلة بإنتاج بلد قابل للتطوّر وذلك بالوحدة الوطنيّة الفعلية بين أبنائه وليس بالأناشيد والغناء الفولكلوري ورقص الدبكة.

هذا هو الصراع الحالي الذي ينكشف على وقع رسو عشرات البوارج والسفن الحربية الأميركية والفرنسية والاميركية وتمخر خلفها بوارج إسرائيلية استعداداً للقتال، إن هذا الحشد العسكري متواكب أيضاً مع حشد دبلوماسي سياسي غربي يحاول إعادة انتاج لبنان القديم المستسلم للغرب والرافض للدولة المدنيّة لأنه لا يريد للبنان ان يصبح قوياً وقادراً على الاستغناء عنه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى