آراء ودراسات

في الذكرى السنوية لارتقاء المناضل أبي علي مصطفى

} سماح مهدي*

لم يكد المجاهدالفلّاح علي العلي الزبري يفرغ من قيامه بواجبه الوطني خلال اشتراكه في الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936 متصدّياً لقوات الاحتلال البريطاني والعصابات اليهودية، حتى رزق في العام 1938 بابنه مصطفى .

رضع الطفل مصطفى مع حليب أمه أنيسة حب فلسطين، فنشأ حاملاً في فكره ووجدانه مسؤولية الدفاع عن أرض الآباء والأجداد التي يستهدفها أبناء الأفاعي .

لم يكد يبلغ مصطفى العاشرة من عمره حتى نكب ككلّ أبناء شعبنا الفلسطيني وكلّ أبناء أمتنا بفقدان الجزء الأكبر من فلسطين عام 1948.

على إثر النكبة، وتحديداً في العام 1950، انتقل مصطفى وعائلته للسكن في العاصمة الأردنيةعمّان حيث انتسب هناك إلى النادي الثقافي العربي، فكان الباب الذي من خلاله تعرّف على القائدين جورج حبش ووديع حداد.

لم يكد الرفيق مصطفى يشقّ طريقه في حركة النضال السياسي والتنظيمي حتى اعتقل للمرة الأولى في العام 1958 لفترة قصيرة لم تكن كافية لثنيه عن متابعة طريق كفاحه. فاعتقل مجدّداً في سجن الجفر لمدة خمس سنوات كانت كفيلة بصقل شخصيته النامية لتصبح في المستقبل واحدة من أهمّ الشخصيات القيادية في الثورة الفلسطينية .

في العام 1964 عاد الرفيق مصطفى مع عائلته إلى فلسطين ليتابع عمله النضالي داخل الأرض التي أحب، فكان نصيبه اعتقالاً جديداً في العام 1966 استمرّ ثلاثة أشهر ، توجّه بعدها مجدّداً إلى عمّان التي ما لبث أن استقرّ فيها حتى كانت نكسة حزيران 1967 .

شكلت هزيمة حزيران دافعاً أساسياً للرفيق مصطفى لمشاركته كلا من الحكيم جورج حبش والرفيق وديع حداد في تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين جبهة مقاومة في سبيل تحرير كلّ أرض فلسطين .

بنتيجة طبيعية للجهد الاستثنائي الذي بذله الرفيق مصطفى في قيادة المقاومين من أبناء الجبهة الشعبية، ولنشاطه المميّز على الصعيدين السياسي والثقافي، تولى أبو علي بعد المؤتمر الثالث للجبهة في العام 1972 مسؤولية نائب الأمين العام إلى جانب الحكيم حبش حيث تميّزا بقرب فكرهما من فكر مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي أنطون سعاده .

إذ يسجل للمناضل حبش أنه قال «أهدرنا خمسين عاماً من النضال ونحن نصرّ على صوابية رأينا، وكان من الممكن أن نختصرها ونعود إلى الإقرار بأحقية وراهنية أنطون سعاده حول وحدة الهلال السوري الخصيب وأولوية العمل لها».

ومن هذا المنطلق كان الأنموذج الأرقى من رفقة السلاح بين الحزب السوري القومي الاجتماعي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي لم تكن عملية نهاريا البطولية سوى واحدة من نتائج وحدة الهدف والرؤية .

ففي 10/07/1986 قامت مجموعة مشتركة من أبطال الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (مجموعة الشهيد غسان كنفاني) ضمّت الشهداء خليل خطاب وعبد الإله شهاب وعبد الهادي كاظم إلى جانب نسر من نسور الزوبعة الشهيد محمد قناعة، بتنفيذ عملية شكلت أنموذجاً يُحتذى لوحدة الدم بين أبناء الأمة الواحدة، وإسقاطاً غير مسبوق للحدود الوهمية التي وضعتها اتفاقية سايكس بيكو. فعبرت المجموعة الاستشهادية من لبنان إلى فلسطين بقارب مطاطي اخترق كلّ وسائل الأمن والحماية لجيش الاحتلال الإسرائيلي. واشتبكت في ملحمة بطولية لساعات مع قوات النخبة في جيش العدو ملحقة بهم خسائر كبيرة بين قتيل وجريح .

هذه العملية وغيرها الكثير، كانت جزءاً من نضال متواصل اتصف به الرفيق أبو علي مصطفى إلى جانب حركته الدائمة والفاعلة في المجلس الوطني الفلسطيني، وفي اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.

كلّ تلك الجهود الجبارة، ألقت على عاتق أبي علي مسؤولية جديدة تمثلت بقرار المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في أيلول من العام 1999، الذي طلب منه العودة إلى الأرض التي عشق، إلى فلسطين ليقود من داخلها مرحلة جديدة من مراحل النضال.

على إثر استقالة الحكيم جورج حبش، وبنتيجة انعقاد مؤتمرها السادس في العام 2000، ثقلت المسؤولية على كتفي الرفيق مصطفى بانتخابه أميناً عاماً للجبهة الشعبية .

تزامن الانتخاب مع انطلاقة انتفاضة الأقصى، التي جاءت واحدة من نتائج الانتصار الكبير الذي حصل بانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي مهزومة ذليلة تحت ضربات المقاومة من جنوب لبنان في أيار من العام 2000 .

بطبيعة الحال، اشترك المناضلون من أبناء الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في فعاليات الانتفاضة البطولية، فكان قرار الاحتلال تصفية قادة المقاومة. وكان أوّلهم الشهيد القائد أبو علي مصطفى الذي ارتقى بتاريخ 27/08/2001، نتيجة استهداف مكتبه في مدينة رام الله بصاروخ أطلقته إحدى مروحيات جيش الاحتلال .

رغم تعاقب السنين، لم يتمكن عقل الاحتلال من استيعاب قاعدة أساس اختطتها لنفسها كلّ قوى المقاومة في أمتنا، وهي أنّ اغتيال القادة لم ولن يؤدّي إلى انكفاء العمل المقاوم أو تراجعه. بل على العكس تماماً، فدم الشهداء ما هو إلا زيت يسرج في قناديل حركة صراع مع العدو اليهودي، صراع لم يكن يوماً صراعاً حدودياً إنما هو صراع وجودي بكلّ ما تحويه العبارة من معنى .

لروح الشهيد القائد أبي علي مصطفى تحية رفقاء السلاح في الحزب السوري القومي الاجتماعي، الذين كلما علت أصواتهم بالهتاف «لتحي سورية» تجذر أيمانهم أكثر أنّ هذه التحية لا تكتمل إلا ومن ضمنها حكماً «تحيا فلسطين».

*عضو المجلس الأعلى في الحزب السوري القومي الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق