أولى

من مظاهر الانهيار الأميركي: المناظرة الرئاسية

 زياد حافظ _

في لبنان كما في الدول العربية هناك من يستمرّ بالرهان على دور وفعالية الولايات المتحدة في المعادلات الدولية والإقليمية والعربية. فنظرية السائدة تقول إنّ الولايات المتحدة تملك 99 بالمائة من الأوراق وبالتالي هي ركيزة الخيارات والسياسات التي تتبعها النخب العربية الحاكمة وحتى تلك التي تطمح بالحكم. فجاءت هزالة المناظرة الرئاسية الأميركية لتضرب في الصميم ذلك المعتقد لأنّ ما شهدناه من أداء من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومنافسه الديمقراطي جو بايدن فاق كلّ التصوّرات عن انحدار المستوى في أعلى قمة النخبة الحاكمة والطامحة للحكم. فالمواطن الأميركي أمام خيارين أحلاهما مرّ: أما أن ينتخب الأقلّ سوءاً وليس الأفضل، بغضّ النظر عمن هو أسوأ، أم الانكفاء عن عملية التصويت. كما أنّ سلوك الرئيس والمرشح على حدّ سواء لا يوحي بأنّ نتائج الانتخابات ستُعلن في ميعادها مساء الثلاثاء من تشرين الثاني بل قد تتأخر إلى وقت طويل. وهناك من يعتقد أنّ الشكوك بالنتائج ستتحكّم بمواقف المتنافسين ما يجعل احتمال دخول البلاد مرحلة فراغ لا يستطيع أحد التنبّؤ بنتائجها. لكن ذلك يعني أنّ الولايات المتحدة ستكون خارجاللعبةالدولية في المدى المنظور وعلى النخب العربية واللبنانية أخذ ذلك بعين الاعتبار.

مشاهدة المناظرة الرئاسية الأميركية مساء يوم الثلاثاء في 29 أيلول/ سبتمبر كانت بمثابة معاقبة جماعية لمن شاهد المناظرة! كانت مؤلمة ومخجلة لأنّ مستوى الرداءة الذي وصلت إليه لم يتوقعه أحد وإنْ لم يفاجئنا. المناظرة كانت مخصّصة لمقاربة الملفّات الداخلية فقط وخاصة في ما يتعلّق بالمحكمة الدستورية العليا، وبالضمان الصحّي، وجائحة كورونا، والاحتجاجات وأعمال العنف، والعنصرية، والاقتصاد، وقضايا الأمن. لكن تحوّلت المناظرة منذ اللحظات الأولى إلى مقاطعات متبادلة من الطرفين وإنْ كان الرئيس ترامب مفرطاً في المقاطعات ما أثار استياء بايدن ومدير المناظرة وبطبيعة الحال المشاهدين. لكن هذه المقاطعات كانت في إطار فوضوية مبرمجة من قبل ترامب لمنع بايدن من التعبير بشكل هادئ ولزعزعته لعلّه يقع في مطبّات لفظية تخسّره أمام الرأي العام. الرئيس الأميركي كان منسجماً مع الشخصية التي أظهرها كرجل لا يحترم الغير ويقول ما يريد ولا يكترث لرأي آخر. أما أنّ صلافته تساهم في تكريس صورته كـرجل قويعند قاعدته الانتخابية الصلبة فهذا أمر كان متوقّعاً.

في المقابل لم يستطع بايدن إبداء وجهة نظره ولا حتى خطّته السياسية والاقتصادية بل كانت الاستراتيجية ترتكز على إبراز إخفاقات ترامب السياسية وحتى الأخلاقية. استطاع بايدن في الجزء الأخير من استعادة بعض التوازن والتماسك لكن لم يستطع حشر ترامب في زاوية الإخفاقات العديدة. أبدى بايدن بعض الارتباك في الكلمات والجمل ما عزّز المخاوف عن مظاهر التناقص في الإدراك كتكراره لبعض الجمل كلّما أراد إدخال فكرة جديدة. وفي المقابل الرئيس اتهمه بالغباء بينما بايدن اتهم ترامب بالكذّب والتهريج. هذا بعض منالتبادلالذي حصل.

لم تظهر عند كتابة هذه السطور استطلاعات الرأي العام كي تدلّ على مدى تأثير المناظرة على الناخبين. لكن من تابع تعليقات المحلّلين على المحطات الرئيسية وجد حالة الاستياء من المناظرة. كبيرة المعلّقين في محطةأن بي ٍسياندريا ميتشل، وهي زوجة رئيس الاحتياط الاتحادي السابق الوني غرينسبان، لم تخف ازدراءها من ترامب. أما على محطّةسي أن أنقال كبير المقدّمين في المحطة جاك تابر إنّ المناظرة كانت الأسوأ في تاريخ المناظرات بينما كبيرة المعلّقين دانا باش تلفّظت بكلمات نابية. وأجمع المعلّقون في المحطّة على تحميل مسؤولية الفشل في المناظرة للرئيس الأميركي وهذا لم يكن مفاجئاً نظرا للعداء المعلن والمتبادل بين المحطة والرئيس الأميركي. صحيح أنّ الإعلام الأميركي المهيمن كان منذ اللحظات الأولى لانتخاب ترامب معادياً له وطيلة السنوات الماضية روّج كلّ النظريات التآمرية ضدّه. وبالتالي مصداقية ذلك الإعلام معطوبة بشكل جدّي. لكن حتى المعلّقين على محطةفوكس نيوزكانوا مذهولين من عدوانية ترامب.

لكن بغضّ النظر عن تقييمات المعلّقين والمراقبين في الإعلام الأميركي هناك عدّة ملاحظات يمكن استخلاصها. الملاحظة الأولى هي أنّ رداءة المناظرة كانت متوقّعة لمن يعرف شخصية المتنافسين والمزاج المصيطر في المشهد السياسي. الحقد والكراهية والازدراء المتبادل بشكل علني منذ فوز ترامب في 2016 لم يكن ليولد إلاّ ذلك النوع من التبادل. فترامب يتهم إدارة أوباما وبالتالي بايدن بالتجسّس عليه خلال حملة 2016 والتشجيع في تلفيق الاتهامات لترامب بالتواطؤ مع الروس في تلك الحملة. وإذا أضفنا إلى كلّ ذلك حالة اقتصادية واجتماعية متردّية مصحوبة باحتجاجات عنيفة من قبل مناصري ومناهضي ترامب فإنّ المناخ المضطرب ينذر بعواقب وخيمة إذا تعثّر إعلان نتائج الانتخابات وفي حال إعلانها هناك نقاط استفهام حول قبولها.

الملاحظة الثانية هي أنّ الفشل كان نتيجة الرداءة الذاتية والموضوعية للمتنافسين. وتلك الرداءة المزدوجة هي نتيجة النظام السياسي القائم حيث المصالح المالية هي المتحكّمة بمفاصل العملية الانتخابية في مرحلة البداية كما في الانتخابات العامة. وبالتالي تصبح نوعية النخب الحاكمة في منتهى الرداءة وخادمة لمصالح المراكز المالية وغيرها. أما الشخصيات المحترمة الموجودة في الحزبين فلا تستطيع الوصول إلى المراكز إلاّ عبر الخضوع وإعطاء الولاء المطلق لتلك المصالح المالية واللوبيات وفي طليعتها اللوبي الصهيوني. لا مرشح لأيّ منصب يستطيع الوصول إلاّ عبر إعطاء الولاء الكامل لذلك اللوبي وإنْ كنا نشهد مؤخّراً تحوّلاً في ذلك الاتجاه عند الشباب الذين يخوضون الحراك السياسي فيتمرّدون على القبضة الصهيونية من أمثال الكسندرا اوكازيو كورتيز وإلهان عمر ورشيدة طليب على سبيل المثال.

الملاحظة الثالثة كان غياب البرامج السياسية عند الطرفين وهذا أمر غير مستغرب. فالحزب الديمقراطي كرّس فترة الولاية الأولى لمحاربة ترامب وإسقاطه بكلّ الوسائل، بينما ترامب كرّس ولايته في التصادم مع الجميع في الداخل والخارج بسبب أسلوبه الفجّ. أما الخطط الاقتصادية والسياسية فلم تتجاوز إلاّ الخطوط العريضة دون الدخول في التفاصيل التي قد تصطدم مع مصالح المجمع العسكري الصناعي المالي والإعلامي. من هنا كان لا بدّ للمناظرة أن تنال شخصَي الرئيس والمرشح لأنّ المادة الموضوعية لم تكن موجودة، وإنْ كانت موجودة لا يمكن مناقشتها في إطار الدقيقتين المخصّصة لكلّ ملف. فمبدأ المناظرة مبدأ ملغوم منذ البداية وهدفه فقط من نشرحه في الفقرة اللاحقة.

الملاحظة الرابعة هي أنّ المناظرة كانت موجّهة لاكتساب رأي المتردّدين لأنّ القاعدة الصلبة للرئيس كما للمرشح بايدن لا ولن تتأثر بتلك المناظرات. حجم تلك الكتلة الناخبة المتأرجحة محصور في ست ولايات وهي بنسلفانيا وفلوريدا وميشيغان وأوهايو ووسكنسن ونيفادا. لم تظهر استطلاعات الرأي العام في تلك الولايات مدى تأثير المناظرة علماً أنّ شكوك عديدة تواكب تلك الاستطلاعات المدعومة في معظم الأحيان من مراكز ومواقع معادية للرئيس الأميركي كما حصل إبان الانتخابات في 2016. المعركة ستكون حول استقطاب الخمسة أو السبعة بالمائة من إجمالي الناخبين.

الملاحظة الرابعة تخصّنا بمعنى أننا شاهدنا تلك المناظرة بعد ساعات قليلة من خطاب السيّد حسن نصر لله الأمين عام لحزب الله. استطعنا أن نقيس الفارق بسنوات ضوئية بين المستوى الراقي فكرياً وسياسياً وأخلاقياً للأمين العام والمهزلة المبكية التي تمّ عرضها في دولة تزعم قيادة العالم. فلبنان رغم المآسي بألف خير بوجود قيادات مثل الأمين العام، والولايات المتحدة في حالة يُرثى لها مع تلك القيادات التي تحظى بها، عسى النخب اللبنانية أن تفهم ذلك.

*كاتب وباحث اقتصادي سياسي والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى