أولىكتاب بناء

القرصان الهائج سقط! لا أسفَ عليه!

 د. عدنان منصور*

 قبل أيام، قال الشعب الأميركي كلمته. أسقط رئيسه دونالد ترامب، ورفض إعادة انتخابه .

هو دونالد ترامب، الذي لم يختزن العالم كرهاً في داخله، مثل ما اختزنه من كره ومقت شديد حيال رئيس لم يترك لدى دول العالم وشعوبها المقهورة، إلا آثار وقذارة قراراته المسيئة، الظالمة، المستبدة، المتوحشة، التي عبثت بالقوانين والأعراف والإتفاقيات الدولية، والأصول واللياقات المتعارف عليها في العالم.

فهو مع زعماء وحكام الدول الصديقة له، كان عنجهياً، فظاً، انتهازياً، غليظ الطبع، يملي، يأمر، يبتز، يفرض قراراته التعسفية عليها، لتصبّ في خدمة سياساته، دون الإكتراث الى حقوق الآخرين والأخذ بمصالحهم.

فإن تلكؤوا، صبّ عليهم غضبه، وكان لهم بالمرصاد. أما سلوكه تجاه الدول الرافضة لسياساته فواضح، حيث كانت بين خيارين: إما ان ترضخ وتتحمّل قراراته الشرسة المجحفة بحق شعوبها، وإما أن تنتظر منه الكثير من العقوبات، والحصار والعمل بكل الوسائل على الإطاحة بحكامها وأنظمتها.

هو ترامب الذي عمد إلى انتهاك ميثاق الأمم المتحدة وتجاهل قراراتها، وتجاوز القوانين الدولية، بإجراءاته الأحادية الجانب، التي انتهكت حقوق شعوب، وسيادة دول، وفرضت حظراً مالياً، وحصاراً اقتصادياً، وتجارياً عليها، ولجأ الى تطبيق سياسات صارمة بحقها، أدّت إلى تداعيات ونتائج إنسانية خطيرة، انعكست مباشرة على حياة المدنيين من مختلف جوانبها.

 هو ترامب، نموذج الانحطاط الأخلاقي، وعديم الضمير الإنساني، الذي منع يوماً تصدير الدواء الى إيران وسورية اللتين كانتا بأشدّ الحاجة إليه، لعلاج المدنيين من رضع، وأطفال، ومسنين، وهما في ذروة مكافحتهما لجائحة كورونا. غير مكترث، وغير عابئ بأيّ شعور أو موقف إنساني أو واجب أخلاقي، أو مسؤولية رجل دولة عظمى، تتشدّق كلّ يوم بالحرية والعدالة وحقوق الإنسان.

هو ترامب الذي أحصت له وسائل الإعلام آلاف الأكاذيب التي طبعت شخصيته وهو في السلطة. هو المتمرّد وناكث العهود، ومنتهك الإتفاقيات الدولية، والمنسحب منها، ضارباً عرض الحائط التزامات الولايات المتحدة وتواقيعها عليها، واحترامها لها.

 هو ترامب الذي انسحب من إتفاقية باريس لتغيير المناخ بعد ثلاث سنوات من بدء نفاذها، والتي أقرّت في 12 كانون الاول 2016.

هو ترامب الذي قرّر الانسحاب من المنظمة الدولية للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، حيث دخل الانسحاب حيّز التنفيذ في 31 كانون الأول 2017.

هو ترامب الذي فرض يوم 17 حزيران عام 2017، قيوداً اقتصادية جديدة على كوبا، وأعاد النظر في ما اتخذته إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، من إجراءات من شأنها تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع هافانا .

هو ترامب الذي انقض على الإتفاق النووي الدولي

وانسحب منه عام 2018، بعد أن وقعت عليه دول مجلس الأمن الخمس وألمانيا مع إيران، والذي حظي بموافقة ودعم الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، والذي اعتبر إنجازاً كبيراً في حينه من قبل دول العالم، وكلّ الموقعين عليه، ويصب في خدمة الأمن والسلام العالمي.

هو ترامب الذي اتخذ يوم 2 شباط 2019 قراراً بإنهاء التزام واشنطن بمعاهدة القوى النووية المتوسطة المدى، التي أبرمت مع روسيا عام 1987، ليتسبّب بفتح الباب مجدّداً أمام سباق تسلح خطير.

هو ترامب، الذي أطاح بالقرارات الدولية، والإتفاقيات ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، وكشف عن انحيازه السافر للكيان الصهيوني المحتلّ، وعن عدائه البغيض حيال الشعب العربي الفلسطيني، والشعوب العربية برمّتها وحقوقها المشروعة، من خلال سلسلة من القرارات والإجراءات التي اتخذها ونفذها، تمثلت بنقل السفارة الأميركية الى القدس، والاعتراف بها كعاصمة لدولة الاحتلال الصهيوني، وبوقف الدعم المالي للسلطة الفلسطينية، وبالتوقف أيضاً عن دعم وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، بالإضافة الى قراره بإغلاق السفارة الفلسطينية في واشنطن.

هو ترامب الذي أقرّ بسيادة سلطة الاحتلال الصهيوني على القدس، وعلى الجولان، وأيّد ودعم قراراتها وممارساتها في بناء المستوطنات ومصادرة الأراضي، منتهكاً ومتجاهلاً بشكل وقح وفاضح القرارات الأممية ذات الصلة.

هو ترامب، الذي أمر الاتحاد الأوروبي بزيادة موازنته العسكرية داخل حلف الناتو، وتحت التهديد والتلويح باتخاذ إجراءات ضدّ بعض دوله، ان لم تستجب، حيث لم يكن أمام الاتحاد الأوروبي إلا الرضوخ والاستجابة الى طلباته.

هو ترامب، الذي فرض عقوبات قاسية دون الأخذ بالمعايير الإنسانية التي تركت آثارها السيئة على أكثر من دولة. فكانت عقوباته اللاأخلاقية واللاإنسانية ضدّ إيران وكوريا وسورية وفنزويلا وكوبا وروسيا والصين، لتطال مسؤولين، وهيئات، ومؤسسات، وشركات، وأفراد، ومرافق اقتصادية، وصناعية وعلمية، وطبية، وشخصيات روسية وصينية وهندية وعراقية وسورية ولبنانية وفنزويلية وكورية وغيرها.

هو ترامب، الذي تحدّى دول العالم، باتخاذه قرارات أحادية الجانب، خارج إطار المنظمة الأممية والمجتمع الدولي، ضدّ دول رافضة للتسلط والهيمنة، ليفرضها على دول العالم رغماً عنها، وإنْ رأت في هذه القرارات عدم قانونيتها، وعدالتها وشرعيتها. فرضوخ هذه الدول لمشيئته، وطاعتها له، ومهما علا شأنها، كانت ظاهرة للعيان. لأنها تدرك جيداً، أنه في حال رفضها لقراراته، سيضعها تحت مقصلة العقوبات الأميركية. فالعديد من القرارات الأميركية حجمت، وأصابت بالصميم كرامة، ومكانة، وهيبة دول كبرى حليفة له، حيث كبّلها، وكشف عن مدى «سيادتها» وحرية قرارها، والتزامها واحترامها للاتفاقيات الدولية، وعن رضوخها المكشوف لقراراته. ولعلّ الاتفاق النووي الـ 5+1، هو المثل الحيّ، ليبيّن للعالم كله مدى تحرّر دول كبرى مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا وغيرها من النفوذ والإملاءات والقرارات الأميركية، حيث لم تستطع هذه الدول، حتى اللحظة الالتزام بالاتفاق النووي نصاً وروحاً، وتطبيقه عملياً، والتعامل مع طهران بموجب بنوده، بسبب عدم تمكّنها من الإفلات من ضغوط ترامب وتجاهل الإستجابة لإرادة، خشية من غضبه وتفاديا لعقوباته.

هو ترامب، العنصري الذي امتلأت مواقفه الكثيرة، واتسمت تصريحاته، وتغريداته العديدة بالكراهية والاستعلاء، التي من خلالها شتم وسبّ يوماً المكسيكيين الذين اتهمهم بجلب الجريمة والمخدرات إلى بلاده، بالإضافة الى وصفه لدول أفريقية ومعها هاييتي والسلفادور على أنها حثالة، ومليئة «بالأوكار القذرة»، ما ولد موجة غضب عارمة ضدّ تصريحاته العنصرية في دول العالم، وبالذات داخل الاتحاد الأفريقي .

هو ترامب، الكاوبوي الداشر، الذي كشف في شهر أيلول الماضي أثناء مقابلة له، أجرتها معه قناة «فوكس نيوز»، من أنه كانت لديه فرصة لاغتيال الرئيس السوري بشار الأسد، لكن وزير الدفاع آنذاك متيس، كان ضدّ ذلك! وهو أيضاً الذي أمر باغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، ونائب قائد الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس يوم 3 كانون الثاني من هذا العام.

هو ترامب، الذي انتهج سياسات عدوانية، سالت من جرائها دماء آلاف الشهداء والجرحى في العراق وسورية وليبيا واليمن وفلسطين وغيرها. سياسات غذت قوى الإرهاب نتيجة الدعم الأميركي العسكري، والمالي، والإعلامي، واللوجستي لها.

هو ترامب، قرصان المال والمواقف، الذي بعرف من أين تؤكل الكتف، وكيف يستغلّ، ويبتز، وينهب «أصدقاءه»، من خلال التهديد المبطن الناعم، والتخويف، والترغيب والتهويل، بحجة توفير الرعاية لهم، وتأمين الحماية والاستمرارية لوجودهم وحكمهم وكراسيهم، مستخدماً تجاههم، مفردات العنجهية والاستخفاف، أحياناً، والصلف، والاستهزاء، والاحتقار أحياناً أخرى، وحين تدعو الحاجة، ما مكنه من سحب مئات المليارات من الدولارات من جيوبهم، والسطو «الظريف» على خزائنهم.

هو ترامب، الذي ستظلّ الشعوب العربية، ومعها غالبية شعوب العالم الحرة، تختزن في ذاكرتها أقذر وأسوأ سياسة أتبعها الرئيس الأميركي بحقها، الذي ما عرف يوماً سياسة الأخلاق، ولا الضمير الإنساني الحيّ حيالها، وهو الذي قذفته الأقدار ليكون يوما على رأس دولة عظمى، لم تر منه إلا المرارة، ولم تلمس منه إلا الخيبة في تعاطيه معها، حيث لقيت سياساته عندها المزيد من السخط، والتنديد،

والغضب

اليوم، مع شعوب العالم الحرة المقهورة، المعذبة بسياساته المدمّرة لها، التي تلاحقه بلعناتها وأنينها، وبعد سقوطه، نقول بصوت عال: دونالد ترامب! أيها الرئيس الذي لفظه الأميركيون، إن لعنات الشعوب الحرة التي عانت على يديك سياسات الإذلال والحصار، والعقوبات الظالمة،

 والدمار، والقتل، والنهب «المنظم» ستظلّ تلاحقك أينما كنت، وأحرار العالم يصرخون بصوت عال ونردّد معهم: دونالد ترامب، أيها الكاوبوي الهائج الذي ترنح وسقط، ولم يذق أحرار العالم على يديك غير الحنظل، إرحل، ولا أسفاً عليك…!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*وزير الخارجية والمغتربين الأسبق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق