الوطن

فريق بايدن… عودة لسياسات أوباما في ظلّ تحديات داخلية وموازين قوى دولية واقليمية جديدة

 حسن حردان

بات من الواضح أنّ فريق إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، المنتخب حديثاً، يشكل امتداداً لإدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما.. فمعظم أعضاء الفريق في الخارجية والدفاع والأمن القومي كانوا جزءاً من الإدارة التي شاركت في اتخاذ قرارات:

أولاً، الانسحاب من العراق، ووضع خطة الانسحاب التدريجي من أفغانستان.. لإخراج أميركا من مستنقع الاستنزاف الذي أدى إلى تكبيدها خسائر قدّرت بأكثر من ستة تريليونات من الدولارات وعشرات آلاف القتلى والجرحى من الجنود الأميركيين.. إلى جانب تراجع مكانة وسطوة وهيبة الإمبراطورية الأميركية على الصعيد العالمي

ثانياً، المشاركة في مفاوضات الاتفاق النووي الإيراني وصولاً إلى خروجه إلى النور والتوقيع عليه.. بعد أن وجدت إدارة أوباما انّ الاتفاق إقلّ الخيارات سوءاً بالنسبة لها، لأنّ خيار شنّ الحرب دونه مخاطر وتداعيات سلبية كبرى على الولايات المتحدة ومصالحها وقواعدها الاستعمارية في المنطقة وعلى أمن ووجود الكيان الصهيوني القاعدة الإستراتيجية المتقدّمة لها في قلب الوطن العربي.. في حين انّ خيار العقوبات والحصار الاقتصادي المفروض على إيران منذ انتصار ثورتها التحررية عام 1979 لم يحقق أهدافه في احتواء إيران وإخضاعها مجدّداً للتبعية، بل أدّى إلى نتائج عكسية تجلت في تحقيق التنمية الاقتصادية والتطور العلمي والصناعي وبناء المشروع النووي للأغراض السلمية وإنتاج الطاقة النووية بقدرات إيرانية ذاتية كسرت احتكار الغرب للمعرفة والتقنية

ثالثاً، شنّ الحرب الناعمة التي شملت الحروب الإرهابية بالوكالة والحرب الإعلامية والحصار والعقوبات الاقتصادية، لتغيير حكومات تابعة استهلكت بحكومات تابعة أخرى قادرة على تجديد نظام التبعية للولايات المتحدة على غرار ما حصل في مصر وتونس، والعودة إلى محاولة فرض الهيمنة على العراق بعد الانسحاب منه عام 2011 تحت غطاء محاربة تنظيم داعش الإرهابي الذي صنعته ودعمته الاستخبارات الأميركية، وكذلك العمل على إسقاط أنظمة مستقلة، مثل سورية، تقف عقبة أمام استكمال وتعويم مشروع الهيمنة الأميركية في كلّ المنطقة والعالم

رابعاً، العمل على إيجاد حلّ نهائي للصراع العربي الصهيوني على قاعدة حلّ الدولتين، دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، والانسحاب الإسرائيلي من الجولان العربي السوري المحتلّ وما تبقى من أراضي لبنانية محتلة، في مقابل تكريس الاعتراف بالكيان الصهيوني ودمجه في المنطقة في إطار تحقيق الشرق الأوسط الجديدالذي تهيمن فيه أميركا عبر تمكين الدولة الصهيونية من أن تشكل المحور والمركز فيه

هذه كانت الاستراتيجية التي اعتمدت في عهد إدارة أوباما وشارك أعضاء فريق بايدن في ترجمتها

الواضح من خلال المواقف والتصريحات التي صدرت على لسان بايدن وفريقه الجديد انّ التوجه إنما هو للعودة إلى الاتفاق النووي، ودعم حلّ الدولتين، وتطبيق عقيدة أوباما لناحية عدم التورّط في حروب برية جديدة.. لكن ما هو جديد على هذه المسائل، سلسلة من التحديات التي استجدّت خلال عهد الرئيس دونالد ترامب، وابرزها:

1 ـ تحدّ داخلي ويتجسد بتحديين كبيريين:

{ النهوض بالاقتصاد الأميركي الذي يعاني من تراجع كبير في معدلات النمو نتيجة انتشار وباء كورونا على نطاق واسع في الولايات المتحدة بفعل تلكؤ واستهتار إدارة ترامب في التصدي للوباء.. الأمر الذي أدى إلى تراجع كبير في معدلات النمو الاقتصادي التي باتت معدلاته سالبة، وانتشار الفقر والبطالة إلى جانب إصابة أكثر من 14 مليون أميركي بالوباء وموت أكثر من 200 ألف.. وبالتالي بات هناك ترابط بين النهوض بالاقتصاد والتعافي من الوباء عبر تلقيح الأميركيين باللقاح الذي تمّ إنتاجه أخيراً في الولايات المتحدة

{ إعادة توحيد الشعب الأميركي الذي يعاني من انقسام حادّ نتيجة عودة ظهور سياسات التمييز العنصري التي غذاها ودعمها ترامب.

2 ـ تحدّ خارجي ويتجسد بالأمور التالية:

الأمر الأول، استعادة الدور الأميركي القيادي على الصعيد الدولي الذي يعاني من التصدّع والعزلة الدولية، نتيجة انسحاب ترامب من الاتفاق النووي مما افقد أميركا صديقتها عالمياً بسبب عدم احترامها الاتفاقيات الدولية التي توقع عليها وصادق عليها مجلس الأمن الدولي، وبسبب الحروب الاقتصادية والتجارية التي شنها ترامب ضد معظم دول العالم بما فيها الدول الاوروبية الصديقة والحليفة لأميركا، والانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ، ومن منظمات الأمم المتحدة، والتوقف عن دفع المساهمات الأميركية في منظمة الصحة العالمية ووكالة الأونروا لتشغيل اللاجئين

الأمر الثاني، مواجهة واقع دولي وإقليمي جديد أضاف تعقيدات جديدة في مواجهة الإمبراطورية الأميركية التي تعاني أصلاً من التراجع في منظومة هيمنتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية.. هذا الواقع الدولي يتمثل في العناصر التالية:

العنصر الأول، عودة روسيا إلى لعب دور قوي على الساحة الدولية وخصوصاً في ساحات الصراع الأساسية في العالم، على نحو كرّس موازين قوى عسكرية في مواجهة القوة الأميركية ووضع حداً لطموحات أميركا لاستعادة هيمنتها الأحادية وأحبط مخططاتها على هذا الصعيد، وهو ما عكسه الحضور العسكري القوي لروسيا في سورية ومشاركتها إلى جانب الجيش السوري وحلفائه في محور المقاومة في إلحاق الهزائم بالإرهابيين.. الذين شكلوا أدوات أميركا في شنّ حربها بالوكالة.. وكذلك استعادة روسيا جزيرة القرم، ووضع حدّ لتمدّد النظام التابع للغرب في أوكرانيا من خلال دعم حقّ سكان المناطق المحاذية لروسيا في الحكم الذاتي.. الى جانب تعزيز علاقات روسيا الإستراتيجية مع إيران وإجراء مناورات بحرية مشتركة روسية إيرانية صينية في المحيط الهادي.. وأخيراً نجاح روسيا في التوسط بين أرمينيا وأذربيجان والاتفاق بينهما على حلّ النزاع ونشر القوات الروسية في إقليم كاراباخ من دون مشاركة أيّ دولة أخرى مما قطع الطريق على المخططات الغربية التركية الإسرائيلية في القوقاز لنشر الفوضى وتهديد الأمن القومي لروسيا

العنصر الثاني، تقدّم الصين اقتصادياً لتصبح في زمن كورونا الدولة الأولى عالمياً حسب تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي، متقدّمة على الولايات المتحدة، حتى أنّ الصين الوحيدة عالمياً التي نجحت خلال شهرين في السيطرة على وباء كورونا وعودة اقتصادها للنشاط وسجل معدلات نمو ناهزت الـ 5 بالمئة، الى جانب لعب دور عالمي أساسي في مساعدة الدول التي عانت من تفشي الوباء، حيث انكفأت أميركا وعجرت عن ذلك داخلياً وخارجياً، في وقت تئن فيه اقتصاديات الدول لا سيما أميركا من تراجع كبير.

العنصر الثالث، تمخضت الحروب الإرهابية والاقتصادية عن الفشل في تحقيق أهدافها في سورية والعراق واليمن وإيران والجزائر، وتنامي واتساع جبهة المقاومة مما أوجد موازين قوى جديدة في غير مصلحة أميركا وكيان العدو الصهيوني والأنظمة الرجعية التابعة لواشنطن..

من هنا فإنّ هذه التحديات سوف تجعل إدارة بايدن أمام واقع جديد أكثر صعوبة من الواقع الذي واجه إدارة أوباما.. ما يعني انّ هامش المناورة لتحقيق مكاسب في ساحات الصراع الأساسية بات ضيقاً، ويضع واشنطن أمام خيار التسليم بالوقائع الدولية والإقليمية الجديدة اذا كانت تسعى الى التقليل من الخسائر والخروج من أزماتها الداخلية، ووضع حد لعزلة أميركا الدولية.. طالما انّ خيار شنّ الحرب لم يعد وارداً بالنسبة للحزب الديمقراطي، وخيار الحروب الناعمة وبالوكالة لم يحقق أهدافه في دول محور المقاومة

على أنّ أسرع طريق لجعل إدارة بايدن أمام خيار وحيد وهو الإقرار بالتوازنات والمعادلات الإقليمية والدولية إنما هو تصعيد المقاومة ضدّ القوات الأميركية المحتلة في سورية والعراق.. فأميركا، الجمهورية او الديمقراطية، لا تفهم إلا لغة المقاومة سبيلاً لإجبارها على التراجع والتسليم بفشل حروبها الاستعمارية الصلبة والناعمة على السواء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق