آراء ودراسات

أفريقيا بين تهميش ترامب واهتمام بايدن

} د. علي سيّد *

تجاهل ترامب أفريقيا تماماً، فهو لم يقم بزيارتها، على العكس من باراك أوباما وجورج دبليو بوش اللذين زارا أفريقيا خلال الولاية الأولى، غير أنّ ترامب لم يقرّر إيجاد وقت لذلك في جدول أعماله، فهو يعتقد أنّ هذا لا يستحق اهتمامه.

 كانت الولايات المتحدة أكبر مصدر للاستثمار المباشر في أفريقيا، لكن مساهمتها تراجعت، فقد تراجعت العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وأفريقيا بشكل كبير خلال السنوات القليلة الماضية، ورغم حقيقة أنّ العديد من الاقتصادات الأسرع نمواً في العالم تقع في أفريقيا جنوب الصحراء، فإنّ المنطقة لم تكن ذات أولوية بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية.

 قال تيبور ناغي، مساعد وزير الخارجية الأميركي للشؤون الأفريقية في عهد ترامب: «منذ فترة طويلة، يطرق المستثمرون الباب، ويفتح الأفارقة، ويكون الصينيون الأشخاص الوحيدين الذي يقفون هناك». فقد أدّت تجارة الصين في القارة الأفريقية إلى خفوت نجم أميركا خلال العقد الماضي، وسجلت الصين في عام 2018 أكثر من ثلاثة أضعاف حجم تجارتها في أفريقيا.

فقد ظلت بعض المناصب الدبلوماسية الأميركية الأكثر أهمية في العواصم الأفريقية شاغرة منذ تولي الرئيس السابق دونالد ترامب مهام منصبه، وتثاقلت خطى تعيين سفراء أميركيين في العواصم الأفريقية خلال العامين الماضيين، وظلت بعض المناصب الرفيعة المستوى في بعض الدول، بما في ذلك جنوب أفريقيا ونيجيريا، شاغرة بعد تغيير الرئيس ترامب جميع السفراء الأميركيين في جميع أنحاء العالم بعد تنصيبه في عام 2017.

وأعلنت الصين في عام 2018 عن استثمارات إضافية بقيمة 60 مليار دولار (بعد 60 مليار دولار تعهّدت بها في عام 2015)، والتي شملت مشاريع البنية التحتية كجزء من مبادرة الحزام والطريق الصينية لبناء طرق تجارية عالمية.

كما تسعى القوى الصاعدة الأخرى، مثل تركيا والهند وإيران، إلى توسيع نطاق وجودها الدبلوماسي في أفريقيا، وقد وافقت الحكومة الهندية مؤخراً على خطط تهدف إلى فتح 18 سفارة جديدة في أفريقيا.

لكن بالنظر إلى المنافسة المتزايدة من جميع أنحاء العالم بغية إطلاق أعمال تجارية مع الدول الأفريقية، سيتعيّن على الولايات المتحدة إظهار اهتمام متجدّد في علاقاتها مع القارة الأفريقية، إذا كانت تريد حقاً التعاون مع الدول الاقتصادية الصاعدة فيها.

بايدن وتنشيطالعلاقات الأميركيةالأفريقية

أكثر ما يردّده الأفارقة هذه الأيام هو أنّ دونالد ترامب لم تطأ قدماه القارة الأفريقية، كما يتذكرون، ما عدّوه إهانة لهم بإقالته وزير خارجيته، ريكس تيلرسون، خلال جولة أفريقية في آذار 2018 إلى عدة دول هي إثيوبيا، وتشاد، وجيبوتي، وكينيا، ونيجيريا، كانت بغرض إصلاح وتطوير العلاقات الأميركية الأفريقية، ومناقشة قضايا مكافحة الإرهاب وتنمية السلام والحكم الرشيد والتنمية

وبحسب المؤشرات الراهنة، وزيادة التحديات التي تواجهها القارة الأفريقية، يتوقع البعض تغييراً في السياسة الخارجية للرئيس الجديد جو بايدن، ولكن التزامه سياسة سلفه دونالد ترمب في عدد من القضايا التي حظيت بدعم الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الكونغرس من قبل، ستكون هي الفاصلة، وما عداها قد يكون مبنياً على تحوّلات موضوعية وجيوسياسية داخل أفريقيا التي من المرجح أن تكون من أولويات اهتمامه طبعاً بالتزامن مع أوروبا وشرق آسيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط.

 من المقرّر أن تكتسب العلاقات بين أفريقيا والولايات المتحدة نمطاً جديداً بعد انتهاء تنصيب جو بايدن في البيت الأبيض قبل أيام. لقد وعد ساكنه الجديد بإقامة علاقة تقوم على «الاحترام المتبادل» مع القارة السمراء.

 تعتزم إدارة بايدن الانفصال عن لامبالاة دونالد ترامب بأفريقيا. وهذه بداية جديدة سوف تترجم بشكل ملحوظ في تنظيم قمة مع رؤساء الدول الأفريقية من قبل واشنطن.

كما ستتمّ إزالة قيود السفر المفروضة على المواطنين النيجيريين والسودانيين والصوماليين من خلال «حظر السفر» الذي فرضه ترامب. بالإضافة إلى جميع القوانين الأخرى لسياسة الهجرة التي وضعها الرئيس الخامس والأربعون للولايات المتحدة.

كما تعهّد النائب السابق للرئيس باراك أوباما (2008-2016) بالحفاظ على برنامج مبادرة (يالي) وهي مبادرة أطلقتها وزارة الخارجية الأميركية في عام 2010 من قبل الرئيس باراك أوباما، وتهدف إلى دعم القادة الأفارقة الشباب في جهودهم لتعزيز النمو والإزدهار، وتعزيز الحكم الديمقراطي وتحسين السلام والأمن في القارة، من خلال أنشطة تشمل الزمالة للدراسة في الولايات المتحدة لمدة ستة أسابيع، ومتابعة الموارد، وبرامج تبادل الطلاب.

أعضاء فريق بايدن الجدد وأفريقيا

 بالإضافة إلى نائبة الرئيس الأميركي الجديد كامالا هاريس ذات الجذور الأفريقية، اختار الرئيس جو بايدن لمنصب وزير الدفاع الجنرال المتقاعد من أصول أفريقية لويد أوستن، الذي قاد القوات الأميركية لدخول بغداد عام 2003، وترأس القيادة المركزية (سنتكوم). وعمل بايدن مع أوستن في عهد باراك أوباما، حين أشرف على عملية سحب 50 ألف عسكري أميركي من العراق في عام 2011، ليصبح بذلك أول وزير دفاع من أصول أفريقية في تاريخ البلاد.

 كذلك اعتمد جو بايدن الذي كان يشغل منصب نائب الرئيس باراك أوباما، على أعضاء فريق مستشاريه من الإدارات السابقة لبناء فريق حملته الانتخابية، لا سيما في مجال الشؤون الخارجية، وعلى الأغلب سوف يقدّمون له المشورة بشأن سياسته الأفريقية المحتمَلة في المستقبل.

 ومن أبرز هؤلاء، أنتوني بلينكين مستشار بايدن الرئيسي للشؤون الدولية، والذي كان عضواً سابقاً في إدارة كلينتون، وعَرف بايدن لفترة طويلة. قام الرجل برحلات رسمية إلى المغرب وجيبوتي ونيجيريا وجنوب أفريقيا، ويُعبِّر دوماً عن دعمه لقيام شراكة أميركية أفريقية قويَّة.

 الاسم الثاني الأبرز في فريق بايدن هو سوزان رايس التي كانت هي المفضَّلة لتصبح رفيقة جو بايدن في الإنتخابات، قبل اختيار كامالا هاريس. شغلت منصب مستشار الأمن القومي من 2013 إلى 2017 في عهد الرئيس أوباما، كما عملت قبل ذلك كمساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية من 1997 إلى 2001. وتولَّت ملف الأزمات في دول أفريقية عدة مثل الكونغو الديمقراطية وسيراليون وملف العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا، من بين أمور أخرى.

لقد مارست سوزان رايس دوراً رئيسيّاً في تمرير قرار التدخل الدولي في ليبيا في مجلس الأمن، بمساعدة مستشارة الأمن القومي سامانثا باور التي خلفتها في الأمم المتحدة، وتحت قيادة هيلاري كلينتون. وعليه فمن المتوقع أن تعود إدارة بايدن لتبنِّي نهج السياسات النيوليبرالية في تعاملها مع القارة الأفريقية.

ويعتمد بايدن كذلك على ميشيل جافين، سفيرة الولايات المتحدة السابقة في بوتسواناوسط أفريقيا (2011-2014)، وممثلة الولايات المتحدة السابقة في مجموعة التنمية للجنوب الأفريقي (سادك)، وهي واحدة من أبرز المتخصصين الرئيسيين في أفريقيا لدى بايدن.

أخيراً، هناك ثوابت في السياسة الخارجية الأميركية تجعل من قضايا التجارة والوصول إلى الموارد الطبيعية في أفريقيا، ومواجهة النفوذ الصيني والروسي المتزايد، ومحاربة الإرهاب أهدافاً رئيسية للحركة والدبلوماسية الأميركية تجاه القارة.

 لا تتبدَّل هذه الأهداف بتبدُّل الرؤساء، ولكن يتمّ تعديل الأولويات ومناهج الحركة، لم تبالغ حملة بايدن في وُعُودها تجاه أفريقيا، ولا توجد إشارة إلى زيادة الإنفاق الفيدرالي الأميركي على ‏المساعدات والتنمية الأفريقية. كما لا توجد التزامات بمشاركة الولايات المتحدة بشكلٍ أعمق في التحديات ‏الأمنية لأفريقيا بشكلٍ يُمَثِّل تحوّلاً فارقاً عن إدارة ترامب.

ومع ذلك، فإنَّ الأهداف العريضة الموضّحة في وثيقة حملة بايدن الانتخابية، إلى جانب ‏الاهتمام بالأدوات الدبلوماسية والمتخصصين في الشؤون الأفريقية، من شأنها أن تُحْدِث تحوُّلاً أفضل في علاقات واشنطن مع أفريقيا.

* باحث في الشؤون الأفريقية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق