أخيرة

من ذاكرة طرابلس… مكتبة ميخائيل فرح

 

} يكتبها الياس عشّي

يحتلّ الشاعر ميخائيل فرح جزءاً هاماً من ذاكرة طرابلس في الستّينات من القرن الماضي، وخاصّة عند الذين تعوّدوا أن يتحلّقوا في مكتبته إمّا لمناقشة أدبية، أو لشراء كتاب، أو لاستعراض الوضع العربي الآخذ في الانحدار، أو للاستماع إلى رأي في كتاب قرأه واحد منّا، أو للانطلاق من المكتبة للمشاركة في الندوات الشعرية والمحاضرات التي كانت تعقد في أماكن كثيرة من مدينة العلماء طرابلس، أو لاكتشاف صداقات جديدة أو كتاب جديد.

وإذا كان للثقافة مسالك متعدّدة تبدأ في المدرسة وتنتهي في الجامعة، فإنّ مكتبة الشاعر فرح كانت المسلك الأهمّ في تجربتي الثقافيّة، لا بالمجالس الأدبية التي كانت تٌعقد في ظلال الكتب فحسب، بل بالحصول على أهمّ المراجع الثقافية والفكرية والأدبية وتكوين مكتبتي الخاصة التي أفاخر بها اليوم.

وإذا ما تردّدت في شراء مرجِع من المراجع لارتفاع في السعر، كان الصديق ميخائيل يلاحظ ذلك، فيبادر في تسليمي إياه وهو يردّد: آخر الشهر منتحاسب، وإذا بدّك ادفع بالتقسيط.

بهذه الروحية كان الشاعر ميخائيل فرح يتعامل مع الأساتذة والكتّاب والشعراء الذين صاروا من أصدقائه ومن روّاد مكتبته ومن الغيورين عليها. علاقة وجدانية دافئة وحميمة لا تجدها اليوم في أيّ مكتبة لا في طرابلس ولا في لبنان كلٍّه.

وفي عام 1975 وقعت الحرب الأهلية في لبنان، وبرزت الطائفيّة بكلّ بشاعتها في مخطّط واضح لإقامة دويلات مذهبية، فهُجّر من هٌجّر، وغادر من غادر، وبقي ميخائيل فرح مواظباً في مكتبته غير عابئ بتحذيرات الأصدقاء. ولمَ يهتمّ فهو علماني ومنفتح على كلّ الأديان والمذاهب والعقائد، وهو يؤمن بالرأي الآخر؟

لكنّ ذلك كلّه لم يشفع به، ففي صباح من صباحات الخريف توجّه من «تولا» قريته إلى طرابلس التي تهيّئ نفسها لاستقبال رائحة الليمون، وعلى مدخلها الشمالي فاجأه حاجز حاقد، وأنهى حياة رجل وقف حياته في محاربة الطائفية. فكم من آخر لاقى المصير ذاته، ومن كلّ الطوائف، نتيجة ردّود فعل غريزيّة عرف المتآمرون كيف يسوّقونها بساديّة وبراعة!

أتذكّره اليوم بعد مرور ستة وأربعين عاماً على استشهاده، وأتذكّر رقّته في قصيدته التي غنّتها فيروز: «وقّف يا أسمر في إلكْ عندي كلام». وأسجّل:

لقد انتهى الزمن الذهبي للمكتبات المفتوحة بموت الشاعر ميخائيل فرح.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى