أخيرة

المتوكل وابن الجهم

} يكتبها الياس عشي

البيئة هي المكوّن الأول للفكر والأسلوب، فقصيدة الشاعر «علي بن الجهم»، الخارج لتوّه من البادية، في الخليفة العباسي «المتوكل» شاهدة على ذلك، ففي أحد أبياتها يقول:

أنت كالكلب في حفاظك للودّ

وكالتيس في قراع الخطوب

وهمّ الحرس بضربه، فمنعهم الخليفة الذي عرف حسن مقصده، وفهم خشونة لفظه، وأنه ما رأى سوى ما شبّهه به، لعدم المخالطة وعدم تركه البادية، فأمر له بدار على ضفاف دجلة، ولم تمضِ ستة أشهر حتى طلبه المتوكل، فمثُلَ بين يديه، ومدحه بقصيدة رقّت ألفاظها، واستوى إيقاعها، وحسن معناها، وجنح خيالها، ومنها هذا البيت الذائع الصيت:

عيونُ المها بين الرصافة والجسر

أثرْنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري

ببساطةعندما خرج ابن الجهم من حظائر البادية إلى رحاب القصور والضفاف، وعاشر أهل بغداد، وأدهشه عمرانها، تغيّر أسلوبه، ورقّت تشبيهاته، وانسابت حروفه كانسياب الأشرعة فوق مياه دجلة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى