آراء ودراسات

مناورات عسكرية أميركية في مواجهة الصين وروسيا لاسترداد الهيبة

} د. منذر سليمان وجعفر الجعفري

 انطوت تركيبة الفريق الانتقالي السياسي والأمني للرئيس المنتخب جو بايدن على تجديد واشنطن لغة «الحرب الباردة» في ما يخص الصين وروسيا، بدءاً بتشكيل فريق أمني استشاري من «صقور الحرب الباردة»، وليس انتهاء بتصعيدها الراهن منسوب التوتّر قرب المياه الإقليمية لكلّ من روسيا والصين.

 أولى رسائل الرئيس المنتخب بايدن كانت طبيعة قائمة المدعوين إلى مراسم التنصيب في 20 كانون الثاني/ يناير الماضي، إذ شوهدت ممثلة تايوان في الولايات المتحدة السيدة شاو بايكيم ضمن الوفود الرسمية، كمؤشر على أولوية بلادها في سياسة الرئيس الجديد، وهي المرة الأولى التي تحضر فيها تايوان مراسم التنصيب بدعوة رسمية. وقد اعتبرتها «اختراقاً جديداً منذ 42 عاماً»، ودليلاً على إقلاع الإدارة الجديدة عن توجهات سابقاتها جميعاً التي اعتمدت سياسة «صين واحدة» منذ زيارة الرئيس الأسبق نيكسون إلى بكين، وقطعت علاقاتها الديبلوماسية مع تايوان في العام 1979.

 بعد بضعة أيام من تولي الرئيس الجديد مهامه، مثُل مرشح وزارة الخارجية طوني بلينكن أمام مجلس الشيوخ لنيل مصادقته على توليه منصب وزير الخارجية، مؤكداً في كلمته رؤية الإدارة الجديدة أنّ «الصين تمثل التحدي الأخطر بالنسبة لواشنطن» مقارنة بأيّ بلد آخر. تتالت الدراسات والنصائح من النخب السياسية والفكرية الأميركية للإدارة الجديدة. وفي ما يخص الصين، نشر مركز «أتلانتيك كاونسيل» تقريراً مطولاً من 2.600 كلمة، دون توقيع موجّه إلى صناع القرار، بعنوان «نحو استراتيجية أميركية جديدة للصين»، يؤيد سياسات الصقور السابقة في «تغيير الأنظمة»، معتبراً أنّ «التحدي الأشدّ أهمية الذي تواجهه الولايات المتحدة في القرن 21» هو نموّ الصين كمنافس قوي، مناشداً الإدارة «استخدام قوتها العسكرية»، بالإضافة لعناصر اقتصادية وتقنية أخرى، لمحاربة الصين.

 ومضى التقرير باستخفاف الصين، مطالباً الرئيس بايدن بـ «رسم عدد من الخطوط الحمراء» التي ينبغي لبكين الا تتعدّاها، منها عدم التوسّع في بحرها الجنوبي أو الاعتداء على تايوان، مما يفسح المجال أمام «تدخل مباشر»، بل ذهب إلى مدى أبعد، باعتباره أنّ «أيّ ردّ عسكري من كوريا الشمالية في الإقليم سيستدعي رداً أميركياً ضدّ الصين».

 أما الرئيس الصيني شي جين بينغ، فمن المرجح، بحسب التقرير، «استبداله بقيادة حزبية أكثر اعتدالاَ، ونجاح محاولات شعب الصين في تحدي سيطرة الحزب الشيوعي» على مقاليد البلاد. يُشار إلى أنّ مجلس إدارة المركز المذكور يضمّ هنري كيسنجر وكولين باول وكونداليسا رايس، إضافة إلى مديرين سابقين لوكالة الاستخبارات المركزية.

أعلنت وزارة الدفاع الأميركية، قبل بضعة أيام عن إجراء مجموعتي حاملات الطائرات «نيميتز» و «ثيودور روزفلت» مناورات مشتركة في بحر الصين الجنوبي، بالتزامن مع إعلان تايوان عن «توغل كبير لقاذفات ومقاتلات صينية» في مياهها المجاورة. وأوضح البنتاغون أنّ حاملتي الطائرات يرافقهما طراد «بنكرهيل»، والمدمرتان «راسل» و «جون فين» بحمولة صواريخ موجّهة.

 وإمعاناً في استهداف الصين، أعلنت واشنطن عن مناورات حربية مشتركة في بحر الصين الجنوبي، «حملة كوب نورث 2021»، بمشاركة استراليا واليابان، وتستمر لغاية 19 من شباط/ فبراير الحالي. وستنضمّ أسراب من أحدث مقاتلاتها الحربية «أف-35» المرابطة في قاعدتي ألاسكا وجزيرة غوام، وتسهم استراليا بنحو 95 طائرة في مهام متعددة.

 كما أنّ دول حلف الناتو تعكف على إعداد وتجهيز خططها لإجراء مناورات عسكرية في المنطقة، إذ أعلنت بريطانيا عن مشاركة سفينة «الملكة اليزابيث» وقِطع ومقاتلات حربية أخرى في مناورات تجريها خلال فصل الربيع المقبل بالقرب من مياه الصين الإقليمية.

 وبرّرت قيادة الأسطول السابع الأميركي دخول قطعه بحر الصين الجنوبي بأنه «برهان على مدى التزام الولايات المتحدة بحرية الإبحار وإبقائها مفتوحة بين المحيطين الهندي والهادئ»، إضافة إلى تأكيدات واشنطن استمرارية تزويدها تايوان بالأسلحة. بدورها، أكدت الصين أكدت حقّها «بالردّ على جميع التهديدات والاستفزازات، وكان من المأمول أن تؤدّي الولايات المتحدة دوراً بناء في السلام والاستقرار الإقليميين، وليس العكس».

 السياسة الأميركية الراهنة لمحاصرة روسيا هي أيضاً امتداد لسياسات صقور الحرب الباردة، وهي تقوم بتعزيز قواتها في سورية ودول أوربا الشرقية سابقاً، وخصوصاً في أوكرانيا وبولندا ودول البلطيق.

وقد تعهّد كلّ من وزيري الخارجية والدفاع لأعضاء الكونغرس بمواجهة شرسة مع روسيا خلال جلسات مصادقة مجلس الشيوخ على المنصبين. وزير الدفاع لويد اوستن دعا إلى زيادة المساعدات العسكرية الأميركية لقوات حلف الناتو في أوروبا، إذ إنّ «من المهمّ جداً ردع روسيا ودعم القوات التقليدية والنووية لتوفير الردع الأكثر فعالية».

 وتجسيداً لعقلية المواجهة مع روسيا، تعرّض الموقع الإلكتروني التابع للحرس الوطني الروسي لهجوم «سيبراني من داخل الأراضي الأوروبية»، يوم 7 شباط/ فبراير الحالي، واستمرّ 3 ساعات قبل التصدي له بنجاح، وسبقته هجمات على الموقع ذاته يومي 23 و 31 من الشهر المنصرم.

أما ساحة المواجهة بين البلدين فقد تكون إحداها دولة النرويج، في أعقاب نشر القوات الأميركية 4 قاذفات استراتيجية من طراز بي-1 في قاعدة جوية قرب «تروندهايم»، رافقها وصول نحو 200 عنصر من سلاح الجو الأميركي إلى قاعدة «أورلند» الجوية النرويجية، بحسب بيانات القيادة العسكرية الأميركية في أوروبا، تجسيداً لاستراتيجية واشنطن في بسط نفوذها على منطقة القطب الشمالي.

 تستضيف النرويج قاذفات أميركية استراتيجية لأول مرة على أراضيها. وقد التزمت حكوماتها السابقة بسياسة عدم نشر طائرات استراتيجية تحمل قنابل نووية في أراضيها، فيما كانت القيادة العسكرية الأميركية تطلق قاذفاتها الضخمة من قواعدها في بريطانيا أو من داخل الأراضي الأميركية، مع الأخذ بعين الاعتبار مدة الطيران والحاجة إلى التزوّد بالوقود جواً.

 تكتسب منطقة القطب الشمالي أهمية بالغة بالنسبة للولايات المتحدة، لما توفره من حيّز مناورات بحرية لغواصاتها في أقرب نقطة من الأراضي الروسية. وقد أصدر سلاح البحرية وثيقة قبل أيام من مغادرة الرئيس ترامب البيت الأبيض، دعا فيها القيادات العسكرية إلى «ديمومة تواجد البحرية الأميركية في منطقة المحيط الشمالي، خشية تهديد روسيا والصين لقضايا السلام والازدهار».

 من جانبه، أكد وزير سلاح البحرية الأميركية، كنيث بريثويت تلك الاستمرارية قرب الأراضي الروسية قائلاً: «في مواجهتنا لنشاطات معادية متزايدة في أقصى الشمال، من روسيا والصين، ينبغي لنا في الولايات المتحدة الحفاظ على توازن قوى لصالحنا وصالح حلفائنا في المنطقة».

 من ميزات القطبين الشمالي والجنوبي صفاء الاتصالات مع ترسانات الأقمار الاصطناعية، وخصوصاً تلك التي تضطلع لمهام التجسّس، خلال دوران المجسّمات حول كوكب الأرض بزاوية حادة مائلة من خط الاستواء. وفي عقد الثمانينيات من القرن الماضي، إبان ولاية الرئيس الأسبق رونالد ريغان، عكف سلاح البحرية الأميركية على بلورة استراتيجية مواجهة تمنحه القدرة على إغلاق الموانئ الشمالية أمام القوات السوفياتية، لا سيما في ميناء ميرماسك الذي كان يستضيف قيادة الأسطول الشمالي السوفياتي وغواصاته القادرة على إطلاق صواريخ باليستية.

استمراراً للمواجهة الأميركية مع الصين، وخصوصاً في البعد التجاري والتقني، تنبغي الإشارة إلى قطاع إنتاج شرائح الكمبيوتر المتطورة المتناهية الصغر، والذي كانت شركة «إنتيل» الأميركية تحظى بمرتبة الصدارة فيه، لكنها تعثرت لفرط ثقتها بإنتاج شرائح تقاس بـ 7 نانومتر، وتخلفت بنحو سنتين عن مثيلاتها في آسيا، بل إنّ شرائحها الأدنى سرعة لم تعد الطلب الأول لدى شركات الحواسيب.

وإضافة إلى معامل «إنتيل»، هناك معامل في كوريا الجنوبية لشركة سامسونغ، وأخرى في تايوان، أبرزها «شركة تايوان لتصنيع أشباه الموصلات»، والتي تعاظمت أهميتها الاستراتيجية بعد خروج «إنتيل» من خطوط الانتاج الدقيق.

محاباة الرئيس السابق دونالد ترامب لتايوان ومحاصرته الصين اقتصادياً كانتا تجسيداً لسياسته بتوظيف سلاح الاقتصاد الذي تسبّب بمقاطعة شركة الاتصالات الصينية الضخمة «هاواوي» من الأسواق الأميركية، حاثاً الشركة التايوانية على تقليص مبيعاتها في الصين الأمّ، مشترطاً عليها إنشاء معمل تصنيع على الأراضي الأميركية. ولتأكيد عزمه على محاربة بكين، سمح بتسليح تايوان بأسلحة أميركية متطورة كانت بعيدة المنال خلال الرئاسات السابقة.

رغم زعم بايدن أنّ الدبلوماسية الأميركية عادت الى الصدارة، فلا يبدو أنه في وارد التخلي أو التراجع عن نزعة استعراض القوة العسكرية كوسيلة لتعزيز طموحات الهيمنة الأميركية، ومحاولة طمأنة حلفاء واشنطن القلقين من تنامي التحدّي والمنافسة النشطة من روسيا والصين في المسرح الدولي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق