الوطن

انتفاضة القدس تعيد تصويب البوصلة
وفرض أولوية مقاومة الاحتلال
بدلاً من ملهاة الانتخابات…

} حسن حردان

تشكل انتفاضة القدس ضدّ الاحتلال ومستوطنيه، تطوّراً لافتاً في توقيتها نتيجة عوامل عديدة:

أولاً، التمادي الصهيوني في اعتداءاته على الأرض والشعب في القدس المحتلة المستهدفة منذ فترة بهجوم صهيوني استيطاني تهويدي منظم تجسّد في الآتي:

1 ـ ازدياد اعتداءات المستوطنين على حرمات المسجد الأقصى، بهدف تقسيمه زمانياً ومكانياً على غرار التقسيم الذي كرّسته سلطات الاحتلال في الحرم الإبراهيمي في الخليل اثر الَمجزرة التي نفذها غولد شتاين احد عتاة المستوطنين المتطرفين…

2 ـ الاستيلاء الممنهج على منازل وأراضي المقدسيّين في أحياء المدينة القديمة، لا سيما تلك القريبة من المسجد الأقصى.

3 ـ التعدي الصهيوني في عمليات القمع والإرهاب واعتقال الشباب الفلسطينيين..

ثانياً، إعادة توجيه البوصلة نحو الأولوية والمهمة الرئيسية الملحّة للنضال الوطني، ألا وهي مواجهة ومقاومة الاحتلال ومشاريعه التي تهدّد بتهويد القدس بكلّ ما فيها من شعب وأرض وَمقدسات إسلامية ومسيحية.. وانّ هذه الأولوية هي التي يجب أن تشكل القضية الأساسية لكلّ القوى والفصائل الفلسطينية، وليس الانشغال والتلهّي بانتخابات لا تعدو كونها ملهاة، تثير التناقضات والانقسامات والصراعات الثانوية بعيداً عن الصراع الرئيسي مع العدو الذي يحتلّ الأرض ويعمل ليل نهار لتصفية القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، فيما السلطة الفلسطينية، التي يُراد ان تجري انتخابات مؤسّستها التشريعية، لا تملك حرية قرارها، وهي أسيرة الاحتلال، ومكبّلة بقيود اتفاق أوسلو وفي مقدّمها التنسيق الأمني مع أجهزة الأمن الصهيونية لملاحقة واعتقال المقاومين والمناضلين..

ثالثاً، التأكيد على انّ الواجب الوطني والقومي يقتضي بأن يكون في رأس جدول الأعمال أولوية توحيد كلّ القوى والطاقات الفلسطينية لمقاومة الاحتلال وحماية عروبة القدس وكلّ فلسطين وجعل انتفاضة المقدسيين محطة ونقطة انعطاف في النضال الوطني التحرري، عبر العمل لتحويلها إلى انتفاضة شاملة كلّ أرض فلسطين المحتلة، وما يعنيه ذلك من إعادة توجيه البوصلة فلسطينياً وعربياً وإسلامياً نحو مواجهة الخطر الأساسي، وهو العدو الصهيوني… وإسقاط رهانات حكومة العدو بأن تؤدّي اتفاقيات الذلّ والعار مع بعض الأنظمة العربية إلى إطفاء جذوة الصراع ودفع الشعب العربي في فلسطين المحتلة إلى اليأس والإحباط والتسليم بواقع الاحتلال…

رابعاً، تثبت انتفاضة المقدسيّين مجدّداً فشل الاحتلال في كسر إرادة شعب فلسطين في مواصلة مقاومته وانتفاضته دفاعاً عن عروبة القدس وكلّ فلسطين، وأنّ الاحتلال مهما مارس من قمع وإرهاب وارتكب من جرائم لا يمكنه إخضاع هذا الشعب وفرض الاستسلام عليه، كما أكدت التجارب على مدى عقود الاحتلال…

انطلاقاً مما تقدّم فإنّ انتفاضة القدس إنما توفر فرصة حقيقية للتأكيد بأنّ ما يجب التركيز عليه فلسطينياً إنما هو العمل لملاقاة نضال المقدسيين والبطولات التي يسطرونها في مواجهة وحشية جنود العدو وعتاة المستوطنين، بالعمل الجدّي لإحياء وتجديد حركة التحرر الوطني الفلسطيني من خلال إعادة بناء مؤسسة منظمة التحرير على الأسس التي قامت عليها، منذ تأسيسها، لتكون الإطار النضالي الناظم والجامع لكلّ الحركات والقوى والفعاليات الوطنية الفلسطينية بدون استثناء، بعيداً عن منطق الهيمنة والاستئثار، وعلى قاعدة التنافس في مقاومة الاحتلال التي وحدها تعطي المشروعية والشرعية الشعبية الحقيقية لأي تنظيم أو حركة… فعندما تكون الأرض محتلة فإنّ مهمة تحريرها هي التي يجب أن تشكل محور الصراع والنضال، واليوم تأتي انتفاضة القدس لتعيد التأكيد على ذلك وتقول.. ماذا تفيد انتخابات تحت الاحتلال تقسم الشعب الفلسطيني وتشتت جهوده وطاقاته، فيما العدو ومستوطنيه يواصلون سرقتهم للأراضي الفلسطينية ويعملون على تهويدها وطرد سكانها الفلسطينيين منها.. لا سيما أنّ التجربة أكدت انّ مشاريع العدو الاستيطانية التوسعية في أرض فلسطين تنتعش وتنمو في ظلّ الركود في الانتفاضة والمقاومة، وتتراجع وتتوقف عندما تشتعل الانتفاضة وتتأجّج شعلة المقاومة.. انطلاقاً من أنّ العدو ومستوطنيه لا يفهمون إلا لغة المقاومة، أما لغة المسالمة والمهادنة فإنها تشجعه على التمادي في عدوانه.. كما برهنت التجربة بعد توقيع اتفاق أوسلو…

من هنا فإنّ انتفاضة المقدسيين يجب ان تشكل فرصة لصحوة حقيقية تعيد تزخيم الانتفاضة والمقاومة ضدّ الاحتلال ومستوطنيه، والعمل لإعادة تجديد حركة التحرّر الوطني الفلسطيني… على الأسس التي انتهجتها كلّ حركات المقاومة والتحرر في العالم والتي أثبتت انّ تحرير الأرض واستعادة الحقوق لا يمكن أن تتمّ إلا عبر خوض الكفاح الشعبي المسلح بأفق استراتيجي وبلا هوادة ضدّ الاحتلال لإلحاق الهزيمة به.. على الطريقة الفيتنامية والجزائرية واللبنانية إلخ…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى