أولى

… وانتصرت المقاومة في لبنان في الحرب السياسيّة

 العميد د. أمين محمد حطيط _ 

أما وقد انتهت الانتخابات النيابية في لبنان وأسفرت عن تشكّل مجلس نواب جديد وبدأ ينجلي غبارها ودخانها. ونظراً للطبيعة الاستثنائية لهذه الانتخابات التي حوّلتها من مجرد عمل سياسي دستوري روتيني في لبنان الى حرب ومواجهة بين معسكرين، حرب لها هدف استراتيجي هو رأس المقاومة فإنّ السؤال يطرح الآن من انتصر في المواجهة ومن حقق أهدافه؟

وقبل الإجابة فإننا نذكر بالقاعدة العامة في تحديد الانتصار حيث إنّ المهاجم ينتصر إذا حقق في هجومه الهدف الذي حدّده لهذا الهجوم والمدافع ينتصر إذا منع المهاجم من تحقيق هدف الهجوم، فما هو هدف المهاجم وهل حققه؟

للإجابة على السؤال نعود للعام 2019 حيث بدأ لبنان يتعرّض لهجوم خارجيّ تقوده الولايات المتحدة الأميركية ومعها دول في الإقليم، هجوم وضعت له الخطط وسخرت له الإمكانات واستبيحت فيه الحدود والحقوق والقيم وقواعد الأخلاق من أجل تحقيق هدف مركزي استراتيجي هو النيل من المقاومة وإسقاطها ثم نزع سلاحها وتفكيكها، وكانت خطة بومبيو التي أعلن عنها حينذاك ووضعت موضوع التنفيذ في آذار من العام 2019 هي خريطة الطريق التي اعتمدت لتحقيق هذا الهدف.

نعم لقد اعتمدت خطة بومبيو بمراحلها الخمس المركبة من سياسة ومال واقتصاد وأمن ووجود، اعتمدت لإسقاط لبنان وإسقاط المقاومة فيه بعدما عجز المعسكر الصهيو أميركي مع كلّ مكوناته الدولية والإقليمية من النيل من هذه المقاومة في الميدان الحربي العسكري، ولم تتمكّن الحروب والفتن من تحقيق أهداف العدوان ولم يتوصّل الحصار والتجويع لتحقيق المبتغى. وبالتالي فشلت القوة الصلبة ثم القوة الناعمة ثم القوة الناعمة الذكية ثم القوة الإرهابية في تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي. نعم فشلت كلّ تلك القوى وفشل العمل بها وفشلت كلّ الاستراتيجيات المستندة إليها في تحقيق الهدف وهو رأس المقاومة في لبنان وتالياً محور المقاومة بكلّ مكوناته العربية والإسلامية، وبقيت المقاومة ثابتة وصامدة تراكم مصادر القوة.

بعد الفشل ذاك لم يبقَ في جعبة المعتدي إلا سهم الانتخابات النيابية التي عوّل عليها وأرادها أن تكون مبكرة تجري في ظلّ انهيار متعدّد الوجوه وتجويع للشعب وشيطنة المقاومة وتحميلها مسؤولية الانهيار من أجل عزلها ودفع جمهورها الى الانفكاك بشكل يضمن محاصرتها وإسقاطها وتالياً نزع سلاحها، لذلك دفعوا أزلامهم وأدواتهم في مجلس النواب للاستقالة ليفرضوا هذه الانتخابات المبكرة التي أرادوها أن تكون نسخة عن انتخابات 2005 التي جرت في ظلّ دخان أحدثه انفجار إرهابي أودى بحياة رفيق الحريري، فكان نجاحهم في الانتخابات يومها وامتلاكهم أكثرية نيابية قادتهم للاستئثار بالسلطة ما مكنهم من اتخاذ قرارات ضدّ المقاومة أحدث الكثير من الأضرار والندوب.

لكن المحاولة هذه المرة بانتخابات استثنائية الظروف فشلت ولم يستجب لهم في الانتخابات المبكرة كما لم تجر الانتخابات الفرعية لملء الشواغر في مقاعد من استقال من النواب لأكثر من اعتبار فانتظروا موعد الانتخابات في أجَلها القانوني في العام 202 وراحوا يحشدون ويحضّرون الميدان ليجهزوا على المقاومة فيه، وحوّلوا الانتخابات من انتخاب أشخاص يُعاد بهم تشكيل السلطة الى استفتاء استراتيجي حول هوية لبنان ووجود المقاومة فيه.

نعم، لم تكن انتخابات 15 أيار 2022 في لبنان انتخابات عادية وشأناً داخلياً لبنانياً، بل كانت مواجهة بين معسكرين معسكر أجنبي مهاجم تقوده أميركا ومعها السعودية، ومعسكر وطني مدافع تقوده المقاومة المستهدفة دوراً وجوداً وسلاحاً، حيث توخى المهاجم سقوط هذه المقاومة بحرمانها من شبكة الأمان السياسي والشعبي التي تحميها وتمنحها الحصانة والمناعة. ولكن جرت الرياح على عكس ما اشتهت أميركا ومن معها ومن يعمل بإملائها،

لقد أسفرت الانتخابات عن تشكّل مجلس نواب لبناني جديد تتوزع قواه على عناوين أربعة: أوّلها قوى التمسك بالمقاومة ورفض المسّ بها باعتبارها حاجة استراتيجية لبنانية لا يُستغنى عنها من أجل حماية لبنان والدفاع عن حقوقها. وهذا القسم تقدّم الجميع في حجمه وتمدّده الجغرافي. وصحيح أنه لم يبلغ سقف الأكثرية العددية المطلقة من عديد مجلس النواب أيّ 65 من 128 نائباً، إلا أنه جاء الأكبر بين جميع التكتلات فتشكل من 61 نائباً. في حين أنّ القوى المناهضة للمقاومة والعاملة بإملاء أميركي من أجل نزع سلاحها لم يتعدّ عديدها الـ 39 نائباً أما الآخرون وعديدهم 28 نائباً فإنهم يتوزعون بين نائب مستقل وممثل للمجتمع المدني بحيث تكون مواقفهم على القطعة حسب الموضوع وإذا ألزموا بالاختيار بين المعسكر الأول والثاني فإننا نجد 9 منهم يتجهون الى معسكر المقاومة و8 الى معسكر أعدائها ويبقى 11 على الحياد، أيّ في المحصلة لا توجد أيّة إمكانية في مجلس النواب الجديد لاتخاذ أيّ قرار او موقف ضدّ المقاومة بينما تستطيع المقاومة ان تفرض بشكل او بآخر مواقف وقرارات نيابية لصالحها وهنا يتجسّد الفشل الاستراتيجي الأميركي الذي يتوّج عمل 3 سنوات من الجهد المتواصل لأميركا وأتباعها.

أما من ناحية التمثيل الشعبي بعيداً عن حساب المقاعد النيابيّة وحساب الأغلبية البرلمانية التي لها قواعد حساب خاصة بقانون الانتخاب الغريب العجيب المعتمد والذي لا يراعي المساواة بين المواطنين. هنا أيضاً كانت فضيحة المعتدي أكبر حيث أظهرت صناديق الاقتراع انّ الأغلبية الشعبية وبما يتجاوز الـ 62٪ من مجموع المقترعين هم في خندق المقاومة ومؤيديها ويشكلون على حدّ قول الأمين العام السيد حسن نصرالله يشكلون «شبكة الأمان السياسية والشعبية للمقاومة» التي تغنيها عن استعمال سلاحها للدفاع عن نفسها.

وفي النتيجة نقول إنّ المعتدي شاء هدفاً من اعتدائه ففشل في تحقيقه، ولذلك نقول بأنه هُزم، وإنّ شعب المقاومة دافع عن مقاومته وهزم أعداءها فانتصر لنفسه ولمقاومته، نصر يعززه أيضاً ما يفرضه النظام الطائفي القائم على الديمقراطية الميثاقية المعمول بها حيث انّ المقاومة هي من سيحدّد رئيس مجلس النواب الذي لا يكون إلا شيعياً، وليس هناك أيّ نائب شيعي اليوم إلا وهو في معسكر المقاومة الذي اشتمل على مجموع النواب الشيعة الـ 27 الذين هم أيضاً يفرضون تمثيل المقاومة في أيّة حكومة تشكل اثر هذه الانتخابات ولا يمكن تجاوزهم، وبالتالي لا يمكن تجاوز المقاومة في تشكيل السلطة وإلا كان خرقاً للدستور واهتزازاً سياسياً يطيح بكلّ شيء.

والخلاصة أنّ المقاومة عرفت نية المعتدي ووقفت على أهدافه ومنعته من تحقيقها وأفشلت العدوان وأكدت من خلال صناديق الاقتراع أنها الأكثر تمثيلاً في لبنان وأنها الأقوى في السياسة كما أنها الأقوى في الميدان، وأنها الرقم الصعب في المعادلة اللبنانية، كما أنها الرقم المؤثر في المعادلات الإقليمية، وأنّ الحرب التي استهدفتها بالسياسة فشلت كما كانت قد أفشلت الحروب السابقة، وها هي المقاومة تنتصر مجدّداً لتضيف رصيداً جديداً لها في زمن الانتصارات…

*أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى