أولى

مفاوضات الترسيم البحري على وقع عرض قوة المقاومة

 العميد د. أمين محمد حطيط*

 

 

قبل عامين توصّل لبنان وبوساطة أميركية الى تفاهم مع العدو «الإسرائيلي» لإجراء مفاوضات غير مباشرة لترسيم حدوده في المنطقة الاقتصادية البحرية الخالصة في ضلعها الجنوبي، وقد شهدت جلسات التفاوض غير المباشر التي عقدت في الناقورة تنفيذا لهذا التفاهم الذي راجت تسميته بعنوان «اتفاق إطار التفاوض» أو «اتفاق الإطار»، شهدت تلك الجلسات تبايناً جذرياً في منطلقات كلّ من الوفدين اللبناني و«الإسرائيلي» فضلاً عن انحياز كلي من المسمّى «وسيط أميركي» إلى جانب «إسرائيل»، وضع أدّى الى وقف المفاوضات بصيغة الناقورة وإبدالها بمفاوضات مكوكية يجريها الوسيط الأميركي الذي تولى مهام وظيفته الأميركي/ «الإسرائيلي» عاموس هوكشتاين.

ومنذ تعيينه في مهمته تصرّف هوكشتاين بذهنية الاستعلاء المجانب للقانون مفترضاً انّ لبنان الواقع تحت وطأة الحرب الاقتصادية الأميركية والحصار المفروض عليه بشدّة منذ آذار ٢٠١٩ تاريخ إطلاق خطة بومبيو العدوانية ضدّه، انّ لبنان هذا مضطر للقبول بأيّ فتات يلقى إليه، وانّ الحديث من قبله عن حقّ يحدّده القانون الدولي إنما هو مضيعة وقت، وقد ساهم تصرف بعض المسؤولين اللبنانيين في تشجيع هوكشتاين على هذا السلوك الذي أفضى في نهاية المطاف الى نجاح هوكشتاين في إرساء معادلة مفادها «العمل مع الإنتاج لإسرائيل والمماطلة مع الإحراج للبنان»، وبموجب هذه المعادلة أدار هوكشتاين الظهر للبنان ومطالبه وأعطى «إسرائيل» كامل الطمأنينة التي جعلتها تبرم العقود لإنتاج الغاز والنفط من مناطق كان لبنان أعلنها أنها متنازع عليها وحظّر العمل فيها قبل تسوية النزاع، كما وتبرم الاتفاقات مع الأوربيين لتزويدهم بما تنتجه من تلك المناطق.

أما لبنان الرسمي فإنه وبعد رسالته الى الأمم المتحدة في مطلع السنة الجارية والتي نشرت في 2/2/2022 وحدّد فيها موقفه من العمل في مناطق متنازع عليها، بعد هذه الرسالة لم يقم بأيّ شيء ملموس يمنع «إسرائيل» وأميركا من إهمال حقوقه او الاستخفاف بمطالبه، هذا الأمر حمل المقاومة على التدخل في الموضوع تدخلاً لا يعني أنها تريد الحلول مكان الدولة في عملية التفاوض والترسيم، بل تدخل يعطي الدولة قوّة تجعل الآخر يصغي الى مطالبها، وبالتالي كان تدخل المقاومة والذي عبّر عنه بوجوه شتى إعلامية وسياسية وميدانية، كان من شأنه دعم المفاوض اللبناني بعناصر القوة الميدانية التي لا تهتمّ أميركا و«إسرائيل» إلا لها في التعامل مع الآخر، فأميركا و«إسرائيل» لا تنظران الى حقّ ولا تحترمان قانوناً يحدّد حقاً لآخر بل انّ همّهما الدائم ينصبّ على القوّة التي يمكن ان تحدث لهما الألم والضرر ليس أكثر.

وفي مجال التلويح والتهديد بالقوّة كان إرسال المُسيّرات المقاومة الثلاث فوق حقل كاريش، ثم كان تهديد المقاومة على لسان أمينها العام، ثم كان أخيراً الحدث ـ القنبلة الذي شكله تعميم فيديو يبيّن ما تملكه المقاومة وتحضّره وما تستعدّ له في مواجهة العدو «الإسرائيلي» الذي يعمل في حقل كاريش حفراً وتنقيباً ويستعدّ لإنتاج الغاز والنفط منه في أيلول المقبل، وأظهر الفيديو الذي جمعت الصور فيه من كاميرا حرارية متطوّرة، وتضمّن تفصيلات دقيقة لمنطقة الأهداف وبنك الأهداف البحرية التي تحتويها، أظهر أنّ المقاومة تملك استحواذاً استعلامياً كاملاً على مسرح العمليات، كما أنها تملك اقتداراً عملانياً كافياً يتمثل بالسلاح المناسب والملائم والقادر على مشاغلة تلك الأهداف بفعالية وتأثير، وأخيراً أوحى الفيديو بأنّ كلّ التحضيرات العسكرية والميدانية اللازمة لتلك المشاغلة قد أنجزت ولا يتطلب تنفيذ المهمة النارية أكثر من إصدار أو النطق بعبارة «أطلق النار» أو «افتح النار»، عبارة إذا لفظها المقاوم المسؤول ستنتج دماراً للمنصات البحرية وتعطيلاً لعمليات الإنتاج ووقفاً لتنفيذ العقود مع أوروبا وتداعيات هامة على ملف الطاقة الموعود بها للتصدير لأوروبا،

لقد أحدث فيديو المقاومة صدمة فذهولاً «إسرائيلياً» ولم يكن «الوسيط غير النزيه» بمنأى عنه، إذ بعدما كان في زيارته السابقة يتحرك في لبنان بغطرسة واستخفاف، انقلب بعد مشاهدة الفيديو الى مواقف الحذر والخشية على المفاوضات التي يديرها وتعامل بجدية مختلفة، لم تكن موجودة لديه في زيارته الأخيرة.

اما «إسرائيل» فقد ساد الصمت أروقتها الرسمية وتناولت بعض وسائل إعلامها غير الرسمي الموضوع برهبة وحذر، وضع فرضه ما يستنتج من الفيديو من مخاطر تفرض على المسؤول «الإسرائيلي» في المستويين السياسي والعسكري إجراء مراجعة شاملة وإعادة تقدير موقف استراتيجي وعسكري لاتخاذ التدابير التي تسدّ الثغرات في البنية العسكرية القتالية «الإسرائيلية» بوجهيها الدفاعي والهجومي في البر والبحر على حدّ سواء، ما يعني انّ مفاعيل الفيديو الذي نشر في معرض تحصين موقف المفاوض اللبناني وهدم معادلة التهميش والاستخفاف الأميركي بمصالح لبنان وحقوقه، انّ مفاعيل هذا الفيديو تعدّت النطاق الذي استهدفته لتتمدّد الى ما هو خارجه، وأكدت انّ المنطقة باتت على مفترق طرق قد تكون الحرب أحد خياراتها اذا استمرّت المماطلة بمطالب لبنان. حرب هي بالتأكيد ليست في مصلحة «إسرائيل» الآن.

وعليه نقول انّ لبنان الآن يملك قوة القانون الذي يحدّد حقوقه، ويملك قوّة الميدان التي تحمي هذه الحقوق ومستعدّ لوضع هذه القوة موضع الإعمال ولا يتطلب أمر تحصيل هذه الحقوق إلا صلابة المفاوض وتمسكه بتلك القوة القانونية والميدانية، وطبعاً لا تفيد لبنان بل تلحق به الضرر الجسيم مواقف مستهجنة كتلك التي أطلقها وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال الذي أوحى بأنّ لبنان غير معني بما تقوم به المقاومة متخلياً بذلك عن مصدر قوة أساسي يعلم هو قبل غيره بأنه مصدر القوة الميداني الوحيد للبنان الآن، وانه هو الذي فرض على هوكشتاين العودة الى لبنان ووقف العمل بمعادلة ظلم لبنان وتهميش حقوقه، ويبقى ان تثبت في ذهنه انّ استعمال القوة هذه أمر ممكن ومتاح اذا استشعر لبنان مماطلة او تسويفاً او إهداراً لحقوقه، ولذلك لا يكفي ان يقول هوكشتاين انه عائد للمنطقة قريباً لإبرام اتفاق حول الحدود، بل عليه ان يعمل أيضاً لفكّ الحصار الاقتصادي المواكب للتفاوض لأنّ هذا الحصار كان من أهدافه الضغط على لبنان للتنازل في عملية الترسيم. وكذلك على لبنان أن يحاذر الوقوع في دائرة التخدير الأميركي بما يتيح لـ «إسرائيل» الاستثمار الآمن. انها أسابيع اربعة حاسمة فلنراقب ولنر النتائج؟!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى