أولى

سورية وحماس ماذا في الأفق؟!

} د. جمال زهران*

صباح يوم الخميس الموافق 15 سبتمبر/ أيلول 2022 (أي منذ عدة أيام مضت)، أصدرت حركة حماس المقاومة، بياناً مهماً، يتسم بمحاولة القفز على الواقع والوقائع، إلى مربع جديد، برؤية جديدة، وهو الذي حظي باهتمام شديد من وسائل الإعلام. وقد دُعيت إلى مناظرة فكرية مع عدد من الزملاء في بيروت، وغزة، وسورية، والجزائر ومصر، حول هذا البيان من جميع الأوجه، ولمدة ساعة كاملة، واتسم الحوار بالجدية البالغة.

فماذا تضمّن البيان، وما حوله، والخلفيات، والمستقبل؟

فقد تحدّد البيان بعنوان: (أمة واحدة في مواجهة الاحتلال والعدوان)، وهو عنوان مهمّ، يخطط ويرسم صورة الحاضر الضرورة، والحتمية للمستقبل. فلا يمكن مواجهة العدو الصهيوني المعتدي على أهلنا وشعبنا الفلسطيني في الأرض المحتلة، إلا بتوحيد كلّ الجهود، ولا بديل عن الوحدة، لكي تكون المواجهة حاسمة وفعّالة ومنجزة بتحقيق هدفي التحرير والاستقلال الكاملين لفلسطين المحتلة.

وخصص البيان الفقرة الأولى، لما يجري في المنطقة (الإقليم العربي)، من تطورات خطيرة تمسّ شعبنا الفلسطيني وقضيته العادلة، وأبرزها مظاهر التطبيع ومحاولات دمج العدو الصهيوني ليكون جزءاً من المنطقة، مع ما يرافق ذلك من جهود للسيطرة على موارد المنطقة، ونهب خيراتها.

وخصصت الفقرة الثانية، لتصاعد وتيرة الإجراءات والسياسات العدوانية الصهيونية على شعبنا الفلسطيني، في أرض فلسطين المحتلة.

ثم خصص البيان، الفقرة الثالثة، للعدوان الصهيوني على سورية الشقيقة، بالقصف والقتل والتدمير، وتصاعد محاولات النيل منها وتقسيمها وتجزئتها، وإبعادها عن دورها التاريخي الفاعل، لا سيما على صعيد القضية الفلسطينية. وذكر البيان: أنّ سورية احتضنت شعبنا الفلسطيني وفصائله المقاومة لعقود من الزمن، وهو ما يستوجب الوقوف معها، في ظلّ ما تتعرّض له من عدوان غاشم.

ثم خلص البيان إلى إدانته للعدوان الصهيوني على سورية، والانحياز إلى أمتنا العربية في مواجهة المخططات الصهيونية، والتأكيد على وحدة سورية أرضاً وشعباً، ورفض أيّ مساس بذلك، وأنهم يأملون استعادة سورية دورها ومكانتها في الأمتين العربية والإسلامية. وأكدت حماس على استراتيجيتها الثابتة، وحرصها على تطوير وتعزيز علاقاتها مع أمتها، ومحيطها العربي والإسلامي، وكلّ الداعمين للقضية الفلسطينية، والمقاومة. وختمت الحركة بيانها، بأنها ماضية في بناء وتطوير علاقات راسخة مع سورية، خدمة لأمتنا وقضاياها العادلة، وفي القلب منها، قضية فلسطين، لا سيما في ظلّ التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة التي تحيط بقضيتنا وأمتنا.

وقد رأيت من الأمانة، الإشارة إلى مضمون بيان حركة حماس المقاومة. وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلى عدة نقاط هي:

أولاً: تضمّن البيان ركنين أساسيين، هما: الأول: العودة إلى سورية والإشارة بما قدّمته من دعومات للقضية الفلسطينية واحتضانها لها، وللمقاومة كلها.

والثاني: هو السياق الإقليمي والدولي، الذي يفرض ضرورة القراءة الواعية والعودة إلى المستحق، وهو عودة العلاقات بين حماس وبين سورية الدولة والشعب والقيادة.

ثانياً: خصص البيان، مساحة تتجاوز 60% من إجماليه، إلى الدولة السورية وما قدّمته للقضية الفلسطينية، والإشارة إلى العدوان الصهيوني عليها، والهادف إلى تقسيمها وتجزئتها، فأعلنت الحركة رفضاً لذلك، وإدانة العدوان الصهيوني عليها بكلّ وضوح، واعتبرت ذلك مدخلاً لعودة العلاقات بين حماس وسورية، وهو القرار الذي تعلنه حماس بوضوح وعلى أعلى المستويات القياديّة فيها.

ثالثاً: أنّ استراتيجية المقاومة الثابتة، ترتكز على أنّ وحدة الأمة، هي المدخل للانتصار على الكيان الصهيوني العدواني وتحرير فلسطين كاملة وبيت المقدس الشريف.

وفي ضوء ذلك: أقول، تفادياً لفتح الجراح واستعادة وقائع الماضي الصعبة منذ عام 2011، وحتى الآن، اتسمت بالخزي والعار ونكران الجميل لما قدّمته سورية عبر تاريخها للقضية الفلسطينية ولا تزال متمسكة بالمقاومة خياراً لتحرير فلسطين والجولان وكلّ شبر مغتصب من الأرض العربية، أنه قد آن الآوان لجمع شمل الأمة والقفز فوق الواقع والوقائع السابقة عبر عشرة أعوام وأكثر، وتجميع الصفوف، في مقاومة العدو الصهيوني وأذنابه من الرجعيّة العربيّة الذين شقوا الصف العربي بالتطبيع والتسارع في مساره، الأمر الذي أضرّ بالقضية العربية حاضراً ومستقبلاً، ويستدعي التوقف والإلغاء، باستمرار وحدة صفوف المقاومة داخل فلسطين المحتلة وخارجها، وداخل المنطقة العربية وآفاقها الرحبة في الإقليم والدائرة الإسلامية. كما أنه من الواجب أن يصاحب هذا البيان اعتذار لسورية الدولة عما بدر من حماس من قبل، وإنْ كان البيان في حدّ ذاته كاشفاً عن هذا الاعتذار ضمنياً، ولكن الاعتذار الصريح مهم للغاية.

كما أنه لا بدّ من أخذ كافة التطورات الإقليمية والدولية، الحادثة الآن، في الاعتبار. حيث إنّ الشرق ممثلاً في روسيا والصين يلعب دوراً كبيراً في إعادة تشكيل التوجهات عبر إيران وتركيا، في مواجهة الغرب الاستعماري الأميركي الصهيوني، ولهذا تحليل تفصيلي مقبل

* أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية

والأمين العام المساعد للتجمع العالمي لدعم خيار المقاومة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى