أولى

الغابون أكد المؤكد

ظلت باريس تتخفى وراء شعار الدفاع عن الديمقراطية في مواجهة الانقلابات العسكرية في تفسير المشهد الأفريقي المتواصل من مالي إلى بوركينا فاسو وصولاً الى النيجر، وتستنهض معها عدداً من الدول الأفريقية الخائفة من تحرك الرمال الأفريقية وما قد تحمله الموجة الجديدة من هذه الرمال المتحركة.
جاء انقلاب الغابون ليكشف محدودية وقصور التفسير. فالبلد هو من أغنى البلاد الأفريقية وأقلها سكاناً، لكنه من أكثرها فقراً ورداءة في الخدمات العامة، وفي مستوى الرعاية الاجتماعية التي توفرها الدولة، والانتخابات لم تكن إلا ستاراً من الخداع لتجديد سيطرة عائلة على الحكم طيلة أكثر من نصف قرن، وليس لدى هذه العائلة إلا الولاء للمستعمر الفرنسي.
القضية في أفريقيا ليست الانتخابات والديمقراطية في مواجهة الانقلاب العسكري، ولا النظام والتعاون الدولي في مواجهة خطر الإرهاب. القضية كما عبر عنها الشارع العفوي الذي خرج في الغابون هاتفاً للانقلاب حاملاً الضباط والجنود على الأكتاف، هي طرد المستعمر الفرنسي الذي رحل نظرياً مع إعلان الاستقلال وبقي محتلاً كل شيء من خلال النظام التابع تحت رداء ديمقراطية شكلية، كشفت عوراتها ديمقراطية الشارع الحقيقية الذي خرج في شوارع الغابون.
الذي يجري في أفريقيا يقول إن مصير آسيا قد حُسِم، وما جرى في قمة بريكس حمل أجوبة حول هوية الدول الآسيوية، لجهة التمسك بموقع مستقل والابتعاد عن التموضع تحت يافطة الولاء للغرب، كما كان الحال لعقود مضت، فعندما تنضم دول محافظة مثل السعودية ومصر والإمارات إلى بريكس، وتتصالح السعودية وإيران وتصبحان شريكتين في بريكس، فهذا يعني طي صفحة من صفحات الهيمنة الغربية التي امتدت لعقود. وهذا يفسر اتجاه الحراك في أفريقيا نحو الاستقلال عن الهيمنة الفرنسية.
يدرك الأميركيون أن فرنسا تدفع الثمن نيابة عن الغرب، لكنهم لا يمانعون بذل الجهد لوراثة فرنسا، والانقلابات الأفريقية تخوض غمار تجارب قد تحتاج الى مراحل تسبق النضوج، لكن الأكيد أن مساراً افريقياً جديداً قد فتح، لن يكون إغلاقه سهلاً، وأن المخاض الأفريقي الطويل بعد عقود من السكون قد بدأ.

التعليق السياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى