أولى

السعودية و»التطبيع»… خدمة للعدو بلا مقابل

‭}‬ د. حسن مرهج*
في الآونة الأخيرة، بدأت وسائل الإعلام العربية والغربية، بالحديث مطوّلاً عن اتفاق سلام سعودي ـ «إسرائيلي»، مع إظهار الحرص والرغبات الأميركية بإتمام هذا المسار، بالتزامن مع رغبات سعودية تتعلق بمناحٍ ثلاثة، أوّلها برنامج نووي سلمي سعودي، وثانيها اتفاق دفاع مشترك سعودي أميركي، وثالثها الحصول على أسلحة أميركية متقدّمة، ويضاف إلى تلك المناحي، مطلب سعودي يتعلق بتقديم تنازلات إسرائيلية تتعلق بالقضية الفلسطينية.
في المقابل، فإنّ الصحافي الأميركي توماس فريدمان، والمعروف بقربه من صنّاع القرار في الولايات المتحدة، أشار إلى مطالب أميركية مرتبطة بإنهاء الحرب في اليمن، وابتعاد السعودية عن الصين، ومساعدات سعودية للفلسطينيين، في مقابل إتمام صفقات الأسلحة، وتوقيع اتفاقية دفاعية، وضمان أمن «إسرائيل»، وربطاً بذلك، فإنّ السعودية تسعى إلى تعزيز مكانتها الإقليمية، مع تعزيز مقوّمات اقتصادها، مع تصفير مشاكلها مع جيرانها الإقليميين، وبالتالي فإنّ المساعي السعودية في إطار ما سبق، تعدّ مطلباً محقاً، لكن يبقى التساؤل، هل عقد اتفاقية تطبيع مع «إسرائيل» يُحقق المساعي السعودية؟ بالقطع فإنّ الجواب لا، والأهمّ أنّ توقيع اتفاق سلام مع «إسرائيل»، لن يحقق لفلسطين والفلسطينيين أيّ شيء، بل على العكس، فإنّ هذا الاتفاق إنْ تمّ جهاراً نهاراً، سيكون بمثابة بداية نهاية القضية الفلسطينية، وما تحمله من أبعاد دينية وأخلاقية وإنسانية.
حقيقة الأمر، أنّ المساعي السعودية تجاه «إسرائيل»، تعمل على تضخيم الدور الإسرائيلي وأهميته في المنطقة، في وقت يمكن للسعودية تعزيز مقومات أمنها السياسي والاقتصادي، دون الحاجة إلى «إسرائيل» أو الولايات المتحدة، خاصة أنّ علاقات السعودية مع روسيا والصين ترتقي إلى مستويات استراتيجية، كما أنّ عودة العلاقات السعودية الإيرانية، أعطي بُعداً هاماً للمكانة السعودية دينياً وإقليمياً، وعليه ما الحاجة إلى عقد اتفاقية سلام مع «إسرائيل»؟
الحسابات السعودية وبُعدها الإقليمي، لا تتناغم مع الوقائع الحالية، وليس بالضرورة أن تُحقق تلك الحسابات بمجرد التطبيع مع «إسرائيل»، وإنْ ادّعت السعودية أنّ السلام مع «إسرائيل» يُحقق الاستقرار في المنطقة، ويعمل على حلّ سلمي للقضية الفلسطينية، فإنّ ذلك يُجافي الحقيقة، وعلى السعودية أن تدرك بأنّ السلام مع «إسرائيل»، لن يُحقق لها المكانة المرجوّة إقليمياً، ولن يُعزز اقتصادها، بل على العكس، فإنّ السلام مع «إسرائيل» لن يُحقق سوى المزيد من المآسي للفلسطينين، وسيعزز أمن «إسرائيل» في المنطقة، عبر ازدياد عدد الدول الإقليمية المُنضمّة إلى المحور الإسرائيلي.
في الملف الاقتصادي، يُمكن للسعودية تعزيز مقومات أمنها الاقتصادي، عبر تنويع مصادر الدخل، وعقد الصفقات التجارية، وتعزيز العلاقات مع الصين وروسيا وغيرهما، لا أكثر وأكثر بالاقتصاد السعودي، كما أن الحالة الاقتصادية العالمية تُعطي أفضلية للسعودية في الاستفادة وعقد صفقات تجارية مع الدول المختلفة، انطلاقاً من موقع السعودية كقوة إقليمية ذات بُعد ديني.
في الملف الأمني، فإنّ مطالب السعودية بحماية أميركية عبر توقيع اتفاقية دفاعية مع الولايات المتحدة، فإنه يمكن للسعودية الاستعاضة عن كلّ ذلك، عبر إعادة ترتيب ملفات المنطقة، وتصفير مشاكلها مع جيرانها الإقليميين، كما تقوم بذلك السعودية الآن من خلال إعادة ترتيب علاقتها مع إيران. في المقابل، فإنّ توسيع علاقات السعودية مع الصين وروسيا، يُمكن أن يشكل حاضنة أمنية قوية للسعودية، بل وقد يكون محفزاً أميركياً لتقديم مزيد من الدعم العسكري الأميركي من أجل ثنيها عن توسيع علاقتها مع الدول الكبرى، التي تنافس الولايات المتحدة. هذا الأمر يشكل نقطة ضغط سعودية يمكن أن تستخدمها في وجه الإدارة الأميركية لتحصل على مظلة أمنية، وقدرات عسكرية، لكن دون اللجوء للتطبيع مع «إسرائيل».
في حال تمّ توقيع اتفاق سلام سعودي اسرائيلي، فإنّ ذلك قد لا يكون مُحفزاً أميركياً لتعزيز العلاقات مع السعودية، لأنّ هذا الأمر مرتبط بجوهر السياسات الأميركية أولاً، وبتوجهات الجمهوريين أو الديمقراطيين الخارجية ثانياً، وبالتالي فإنّ السلام مع «إسرائيل»، يحقق أماني «إسرائيل» فقط، ويعزز المكانة الأميركية في المنطقة، ولن يُحقق للفلسطينيين سوى المزيد من المآسي السياسية.
في «إسرائيل» ثمة حالة من الانقسام السياسي والتشظي. حالة الانقسام الإسرائيلي، وغرق نتنياهو في مستنقع الفساد، ومع الانتقادات الدولية لسياساته، وتراجع شعبيته، تجعل من قضية التطبيع مع السعودية ذات فائدة تكتيكية واستراتيجية له ولـ «إسرائيل»، وعلى الصعيد الشخصي والحزبي، اتفاق كهذا سيعيد موضعة نتنياهو سياسياً وزيادة قوّته والكفّ عن النقد الدولي تجاه سياساته الداخلية.
ولا بدّ من التذكير بأنّ التطبيع السعودي الإسرائيلي، يُعدّ ورقة ذهبية يتباهي بها الساسة الإسرائيليون، وتحديداً نتنياهو، كما أنّ التطبيع مع السعودية، وعلى اعتبار أنها رمز ديني، فإنّ «إسرائيل» وبناء على ذلك، لها مطامع كثيرة يتمّ من خلالها فتح باقي أبواب الدول الإسلامية، وتحديداً أندونيسيا وماليزيا، وغيرهما من الدول الإسلامية التي لن تتردّد بعقد اتفاقية سلام مع «إسرائيل»، بعد توقيع السعودية، وبذلك فإنّ «إسرائيل» تكون قد حققت غايتها الأولى، والمتمثلة بطمس الهوية الدينية الفلسطينية، أو على الأقلّ تحييدها، ولاحقاً لا مانع من توطين الفلسطينيين في دول اللجوء.
وعليه فإنّ التطبيع السعودي الإسرائيلي، سيُقدّم خدمات عظيمة لـ نتنياهو أولاً، وسيدفن أحلام الشعب الفلسطيني ثانياً، وستهتز المكانة السعودية في المنطقة ثالثاً، وقد يكون التطبيع مع «إسرائيل»، مدعاة إيرانية لفضّ التحالف الجديد مع السعودية رابعاً. فـ حذارِ من خطوة سعودية غير مدروسة…
*خبير الشؤون السورية والشرق أوسطية
ومدير شبكة فينيقيا للأبحاث والدراسات الإستراتيجية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى