أولى

إخفاق الغرب في أوكرانيا يسرّع المتغيّرات الدولية المناهضة له

‭}‬ العميد د. أمين محمد حطيط*
عندما شهرت أميركا في وجه روسيا سلاح الاستفزاز وتعطيل الاتفاقات مع أوكرانيا (منيسك) كانت تخطط لوضع روسيا أمام أحد خيارين: اما الرضوخ والانقياد للإرادة الأميركية التي تبغي تهميش روسيا وشطبها من لائحة دول الفئة الأولى في العالم، ما يمنع أيّ تهديد لأميركا في مشروعها الدولي الأحادي، أو الانزلاق الى المواجهة العسكرية في الميدان بشكل يتطوّر إلى حرب استنزاف تلتهم مقدرات روسيا ما يؤدّي إلى الإجهاز عليها وعلى موقعها دولياً.
فالخطة الأميركية كانت وفقاً للتقدير الاستراتيجي الذي أجراه الغرب، كانت تنتهي الى الإجهاز على روسيا إما عن طريق الانهيار الإدراكي مشتملاً الاستسلام بدون قتال، أو الانهيار الميداني الذي يفضى الى تدمير القدرات وحرمان روسيا من القدرة على القتال.
بيد انّ روسيا التي كما يبدو أدركت فحوى الخطة الأميركية، وضعت خطة دفاعية مضادة تجنبها ويلات الوقوع في أي من الوضعين (التهميش أو الاستنزاف) واعتمدت أسلوب «العملية العسكرية الخاصة» في أوكرانيا التي تثبت بها قوتها دون أن تنزلق إلى حرب شاملة تتحول الى حرب استنزاف،
كان القرار الروسي في طبيعته الاستراتيجية وخصائصه العملانية مفاجئاً للغرب الذي راهن رغم ذلك على فشل روسيا في الميدان ما يمكن لاحقاً من هزيمتها الشاملة عملانياً وتالياً استراتيجياً، ولذلك اعتمد الغرب بقيادة أميركا أسلوب «الحرب بالوكالة» وهي حرب يخوضها الأطلسي عملياً (بالقيادة والمال والسياسة والإعلام والسلاح والذخيرة والخبرات العملانية والمواد اللوجستية) دون أن تشارك وحدات قتالية او تشكيلات عملانية ناتوية في المواجهة المباشرة لسببين: أوّلهما الظن الغربي بعدم الحاجة اليها مع الاكتفاء بالجيش الأوكراني معززاً بزمر من المرتزقة، والثاني تجنب الانزلاق الى حرب عالمية ثالثة قد تتوسع وتدخل السلاح النووي التدميري في المواجهة وتكون أوروبا كلها الخاسر الأكبر.
وعندما احتكم الطرفان للميدان، تبيّن ورغم بعض الثغرات او الأخطاء التي ارتكبت على الصعيد الروسي، انّ كفة روسيا هي الراجحة عسكرياً وبأنّ السلاح الروسي هو الأنسب لظروف المعركة، هذا فضلاً عن الدقة الروسية في الارتقاء المتدرج بتزويد الميدان بمتطلباته وفقا لقاعدة «التناسب والضرورة» ما فرض على الغرب إيقاعاً لم يكن يتوقعه، إذ بدل ان تكون روسيا هي التي تعاني من حرب الاستنزاف المطيحة بالطاقات كان الاستنزاف من نصيب الغرب الذي بدأ يئنّ من التراجع الأوكراني في الميدان ومن تفاقم الإنفاق والاستهلاك في اللوجستية والسلاح والذخيرة.
أما الخسارة الأخرى غير المتوقعة التي تكبّدها الغرب فقد كانت على صعيد السلاح ومنافسته للسلاح الشرقي الروسي وسلاح الحليف الآخر، حيث ثبت في اليقين العملي والتجريبي انّ أنواعاً كثيرة من الأسلحة الغربية لا تمتلك القدرة التنافسية لا بل وبعضها افتضح أمره في الظروف الخاصة، كما كان حال الدبابة ابرامز التي تبيّن أنها غير ملائمة للاستعمال في ظروف البرد والصقيع الشديد خلافاً للدبابة الروسية المنافسة.
وفي المحصلة يمكن القول إنّ المسرح الأوكراني كان محلاً لتجرّع الغرب إخفاقات ثلاثة: إخفاق استراتيجي في التخطيط والتوقع والتقدير، وإخفاق عملاني في المواجهة صدماً واقتحاماً أو مناورة ودفاعاً رغم ما قدّمه في غرف العمليات من إمكانات وخبرات، والثالث إخفاق لوجستي حيث فشل في معرض التنافس مع روسيا فضلاً عن عجز غربي في إنتاج ما تتطلبه الحرب من سلاح وذخيرة في ظلّ اقتدار وتمكن روسي ذاتي من إمداد الحرب بما تقتضي من ذلك.
في مواجهة هذا الإخفاق المتعدّد الوجوه قرّر الغرب إلزام أوكرانيا بشنّ هجوم مضادّ يرمي الى تحقيق أمرين: الأول وقف الانهيار في أوكرانيا لمنع تحقق الهزيمة، والثاني الحؤول دون استثمار الغير المناهض للغرب لهذه النتائج، خاصة أنّ مثل هذا الاستثمار بدأ يلوح في الأفق على صعيد العلاقات الدولية ولم يكن صلح بكين بين إيران والسعودية او عودة المياه الى مجاريها بين سورية وبعض العرب الذين قاطعوها بأوامر أميركية إلا نماذج من هذا الاستثمار.
بيد أنّ روسيا أدركت مجدّداً جوهر الخطط الغربية، فسارعت إلى كسب الوقت عبر فتح معركة باخموت من أجل التمكن من إعادة الانتشار على خط دفاعيّ طويل من الجنوب الى الشمال بحيث يحمي مكتسباتها في ضمّ المقاطعات الأربع، وبالفعل نجحت في خطتها تلك حيث جهّزت إنشاءاتها الدفاعية على خطّي دفاع متينين وفرغت من ذلك قبل انطلاق الهجوم الأوكراني المضاد. هذا الهجوم الذي تبيّن بعد أربعة أشهر من بدء العمل به أنه كان بمثابة كارثة بشرية واستراتيجية وعملانية ولوجستية على أوكرانيا، ما شحن روسيا بكمّ إضافي من المعنويات وراكم إنجازاتها المتعددة العناوين وجعلها تتصرف بأريحية في الميدان والسياسة والإعلام والحرب النفسية، وجعلها تهدّد بالحرب لسنتين إضافيتين وتقول إنّ المواجهة في الميدان لن تتوقف قبل العام 2025 وإنها مستعدة لذلك على كل الصعد خاصة بعد أن وقّعت عقود تطوع 350 ألف متطوع مع وزارة الدفاع.
إضافة الى ذلك يبدو انّ روسيا وبالتنسيق مع حلفائها وضعت خطة «إنهاك الغرب وإشغاله» في أوكرانيا للتسريع في إنتاج وتفعيل بيئة تشكل النظام العالمي التعدّدي على أساس الأقطاب والمجموعات الاستراتيجية المتعددة، وبشكل تستفيد القوى المناهضة للغرب والمعارضة لهيمنته ونزعته الاستعمارية، تستفيد مما يحصل وتمضي قدُماً في مسيرة التفلت أو التحرر من ربقة السيطرة الغربية كما يجري الآن في أكثر من منطقة كان آخرها في غرب أفريقيا خاصة في الغابون والنيجر اللتين أجهزتا على الهيمنة الفرنسية فيهما.
وبالتالي فإنّ إخفاق الغرب في أوكرانيا، يأتي اليوم ليفاقم ذاك الإخفاق الذي بدأ في الشرق الاوسط في العام 2000 و 2006، البالغ الأثر في رمزيته، ثم كان النجاح السوري في مواجهة الحرب الكونية بدءاً من العام 2011، واليوم تتحرك أفريقيا وتستعدّ دول ومكونات أخرى للانتظام في مجموعات ومنظمات تناهض السياسة الغربية القائمة على الهيمنة والتسلط وسرقة الثروات.
وصحيح أنّ الغرب لا يزال يملك القوة والطاقات والإرادة وخطط الهيمنة والعدوان ولكن قدراته في مواجهة إرادة الخصوم وطاقاتهم لا تمكنه من فرض إرادته عليهم، ولذلك بدأ العملاق الصيني بالتحرك مغادراً منطقة «الحذر والحيطة» الى منطقة «الإقدام والعمل الدفاعي» المخطط على أساس القوة المتعددة المصادر. وبدأ أتباع أميركا يتحركون في اتجاه بناء علاقات دولية لا تكون حصرية مع أميركا.
إنّ الهزائم التي مُني بها المشروع الغربي منذ العام 2000 هي التي فتحت باب التغيير الدولي، أما التدابير الكيدية والحرب الاقتصادية التي تسمّيها أميركا «عقوبات» فليس من شأنها أن تعوّض الخسائر أو تشكل رافعة للغرب في مشروعه التسلطي، بل إنّ جلّ ما تفعله هو معاناة مؤقتة للشعوب وتأخير إعلان هزيمة الغرب في مشروعه التسلطي. فالعالم يتغيّر وقوى التحرّر والسيادة الحقيقية إلى صعود وسياسة السيطرة وحرمان الشعوب من حقوقها وثرواتها الى انحدار، وما المسألة إلا مسألة وقت. وبهذا سيكون للمقاومة ومحورها وحلفائها الحق بأن تفاخر بأنها ساهمت في رسم شكل النظام الدولي ودخلت مكوّناً معتبراً فيه بعد أن كانت تُرسم لها المواقع والوظائف بوصف المنطقة أداة للغير الاستعماري.
*أستاذ جامعي ـ باحث استراتيجي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى