أولى

متى تنعم الأمة بقادة وحكام رجال؟!

‭}‬ د. عدنان منصور*

بعد خمسة وثلاثين يوماً من تدمير غزة، وارتكاب دولة الإرهاب الإسرائيلية أفظع المجازر الوحشية ضدّ سكانها، حرّكت هذه المجازر ضمير شعوب العالم، لا سيما الشعوب الأوروبية والأميركية التي ظلت لعقود تغمض عيونها عما يلحق بالفلسطينيين من ويلات ومآسٍ جراء الاحتلال الصهيوني لفلسطين. انتفضت هذه الشعوب غاضبة، تتظاهر، تندّد، تدين الطغمة المتوحشة في تل أبيب، فيما غزة تحاصر من الجو والبحر والبر، ويمنع عنها الماء والدواء والغذاء وكلّ مقومات الحياة الضرورية.
دولة إرهابية ما انفكت عن ممارسة الإبادة الجماعية، والقتل المتعمّد للمدنيين، وهدم المرافق الطبية والتعليمية، والدينية والإعلامية، والخدمية دون استثناء، أمام أنظار المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، فيما تجري هذه الإبادة، والتطهير العرقي للفلسطينيين على مرأى من دول وزعماء العالمين العربي والإسلامي، الذين أحرجوا أمام العالم وأمام شعوبهم، لتدبّ فيهم «الحمية»، و»النخوة»، بعد خمسة أسابيع من المجازر التي أوْدت بحياة أكثر من 11 ألف شهيد وشهيدة، وعشرات الآلاف من الجرحى والمعوقين، وتحويل قطاع غزة إلى ركام.
كان على العالم العربي ـ الإسلامي أن يخرج من غيبوبته، ولو لساعات، ليجتمع في إطار قمة علق عليها الآمال مليار وستمئة مليون إنسان، ينتظرون منها قرارات حاسمة، ومواقف مشرّفة تبهر العالم، ولتثبت له أنّ في هذه الأمة قادة ورجالاً، لهم قرارهم الحر المستقل، يعبّر عن ضمير الأمة، بعيداً عن الضغوط، والارتهان، والتبعية، والرضوخ، والعمالة لقوى الهيمنة وإملاءاتها ونفوذها.
اجتمع المؤتمرون، وصدر عنهم البيان «التاريخي» الذي «زلزل» أركان «إسرائيل» وألزمها على الفور بوقف العدوان! بيان وأيّ بيان! خطابات وما أدراك ما الخطابات، كأنّ التاريخ لم يتغيّر عند «القادة» العرب. الموقف هو هو، والبيانات هي هي، و»أدبياتهم» السياسية، وبياناتهم تردّد نفسها ولا تتغيّر في الجوهر والشكل. فيما العالم الخارجي بدوله ومعه العدو الإسرائيلي، لا يعير اهتمامه مطلقاً بقممنا، لأنه يعرف مسبقاً حجم قادتها وفعاليتهم، وجدّيتهم، وارتباطهم بأسياد الخارج، وتقييدهم بسياساته، ومدى دفاعهم الصوري عن قضايا شعوبهم وحقوقها.
عالم عربي وإسلامي يمتلك من مقومات القوة الكثير الكثير… ثروات مالية، وترسانات عسكرية، وطاقات بشرية، وكميات هائلة من المواد الأولية، من الطاقة والنفط والغاز، بالإضافة إلى حيازته على مساحة جغرافية تبلغ 32 مليون كلم2 أيّ 23% من مساحة اليابسة في العالم، تمتدّ من الأطلسي الى جنوب شرق آسيا، وتمرّ فيها أهمّ المضائق البحرية والتجارية والاستراتيجية الدولية، وهو رغم ذلك، لا حول ولا قوة ولا قرار سيادياً له…
مؤتمرات وقمم، اجتماعات وتصريحات، وفود تذهب وتجيء، صخب وضجيج، مراسم وقصور، وطبول، وأبّهة تجذب الحضور، وبعد ذلك تأتي الكلمات الخجولة لزعماء الأمة، وأي كلمات، باستثناء البعض ممن تعيش في عقلهم ووجدانهم وضميرهم، هموم الأمة وقضايا شعوبها، ويجعلون قرارها الوطني الحر فوق كلّ اعتبار.
كم كان العرب وأحرار العالم كله، يترقبون وينتظرون من القمة أفعالاً جادة، شجاعة، حاسمة ترتقي الى قمة المسؤولية الوطنية والإنسانية العالية، بعد الذي جرى ويجري من أهوال وويلات، ونكبات تشهدها وتعيشها غزة. فإذا بنص البيان يشير بشكل قاطع الى أنّ نمط القمم العربية، ونهج، وأداء زعمائها منذ خمسة وسبعين عاماً وحتى اليوم، لم يتغيّر ولم يتبدّل، ما جعل قراراتها متحرّكة لا جدوى ولا رجاء منها، إذ تبقى مع الوقت، خاضعة لمزاج البعض، والمحابين والمقيدين طوعاً بسياسات قوى الهيمنة الخارجية. فمن اللاءات الثلاث، مروراً بالتطبيع وصولاً الى الاعتراف المعيب المذلّ بالكيان المحتلّ، تخلخل الصف العربي، وتشرذمت المواقف، وتاهت القضية المركزية الفلسطينية داخل القمم، على أيدي مقاولي التطبيع، والخانعين، واللاهثين وراء أنصاف الحلول.
من حقّ دول العالم وقادتها وشعوبها أن يسخروا من قممنا، ومن هزال قرارات “قادتها”. فبدلاً من أن يتخذوا إجراءات وخطوات عملية فورية، وجدنا بيانهم الهزيل يصبّ على المطالبة والمطالبة والمطالبة. يستجدون الدول الأخرى، وهم القاصرون، العاجزون، المتخاذلون، الفاشلون في اتخاذ مواقف شجاعة تليق بهم، تحفظ كرامتهم وكرامة الأمة، وقضيتها المركزية التي جعلوها في خطاباتهم “التاريخية” مادة دسمة لهم، ما دامت في إطار الاستهلاك المحلي، تغطي ضعفهم وفشلهم، وتظرف صورتهم، أمام شعوب الأمة.
عام 2011، دبّت “نخوة” و”شهامة” بعض “العرب” حيال سورية، حيث عقدوا خلال شهرين ونصف الشهر، بين 27/8/2011 و 12/11/2011 أربعة اجتماعات غير عادية لوزراء الخارجية العرب، وخمسة اجتماعات للجنة الوزارية المعنية بالوضع في سورية. بعد أن تحرّكت على عجل “نخوة” و”همة” من أرادوا الإطاحة بالنظام، فلجأوا على الفور إلى تعليق مشاركة سورية في اجتماعات الجامعة العربية، وقطعوا العلاقات الدبلوماسية معها، وأوقفوا تعاملهم مع البنك المركزي السوري، ومنعوا التحويلات المالية اليها، وسحبوا السفراء، وأغلقوا الأجواء في وجه الطيران المدني السوري، ووضعوا لائحة بأسماء رسميين سوريين منعوا من دخول البلدان العربية!
فأين همة القادة، وقرارات القمة الإسلامية – العربية من العدوان الإسرائيلي على غزة؟! وما هو المرتجى منها، في الوقت الذي تعترف 31 دولة بالكيان الصهيوني من أصل 57 دولة تضمّها منظمة التعاون الإسلامي، فيما عدد من الدول الـ 27 الباقية، تقيم علاقات تجارية وسياحية واستخبارية، وأمنية مع “إسرائيل”، وتعقد من آنٍ الى آخر اجتماعات رسمية معها.
يا للعار على قمة، تقيم دول فيها علاقات مع دولة الإرهاب، وتمتنع عن سحب سفرائها منها، ووقف التعاون الاقتصادي، والتجاري، والسياحي معها، وتفشل في اتخاذ قرارات فعّالة حيال الجهات الدولية التي تقف بكلّ قوة الى جانب العدوان الإسرائيلي، وتزوّد العدو بالمال والسلاح، وترفض استخدام سلاح النفط والغاز، وما يشكّله من قوة ضاغطة في يد القمة، من أجل حمل حلفاء “إسرائيل” للضغط عليها بغية وقف عدوانها.
“نخوة” العرب و”شهامتهم” ظهرت بوضوح في سورية، أما في غزة فلا داعي لإزعاج العدو، وإرباك داعميه من حلفاء، وحماة، وعملاء، ومستبدّين. ألم يهزأ ويستخفّ نتنياهو وقادته العسكريون، من بيان القمة الإنشائي الذي لا يقدّم ولا يؤخّر بالنسبة لـ “إسرائيل”، لأنّ بيانات القمم العربية المملة تكرّر نفسها، لتضاف الى أرشيف “الإنجازات” الباهرة لحكام الأمة “العظام”، لطالما أنّ هذه الإنجازات لا تزعج “إسرائيل”، ولو بحدّها الأدنى. ألم يوجه أرييل شارون إهانته لقادة القمة العربية التي عقدت في بيروت عام 2002 بعد البيان الصادر عنها، والذي تضمّن المبادرة العربية للسلام، واصفاً إياها أنها لا تساوي الحبر الذي كتبت به؟! فما الذي فعله العرب في ذلك الحين للردّ عليه؟! فهل موقف نتنياهو اليوم من بيان القمة عام 2023 يختلف عن موقف شارون عام 2002، خاصة عندما قرأ ما طالبت به القمة الاسلامية – العربية وهي تستجدي المواقف والمساعدة والدعم من الجهات الخارجية!
لقد فضحت دول إيرلندا، وكولومبيا، وبوليفيا وفنزويلا، وتشيلي، مواقف قادة دول القمة الإسلامية – العربية، وعرّت مواقفهم الخجولة الضعيفة، فكانت هذه الدول الأنبل والأشرف والأكثر إحساساً وإنسانية ومسؤولية، والأحرص منهم على حياة الشعب الفلسطيني وحريته في غزة، لتتجاوزهم بكثير، وتعرّيهم أمام العالم، وتلقنهم درساً بليغاً، تعلمهم كيفية الدفاع والحفاظ على كرامة الشعوب وحقوق الإنسان، فيما زعماء الأمة غارقون في غيبوبة ما بعدها غيبوبة، ينتعشون في أحضان قوى الهيمنة والاستعباد، يرجون منها الرضى والتقدير، على مواقفهم، وولائهم، ووفائهم الدائم لها.
هل سمع قادة القمة ما قاله رئيس وزراء دولة الإرهاب نتنياهو بحقهم، والذي استكثر على القادة العرب عدم إدانتهم “العلنية” لحماس، ليقول لهم بصوت عال، وبكلّ عنجهية، واستعلاء، وازدراء: “عليكم ان تقفوا ضد حماس”، وعليكم التزام الصمت إذا أردتم الحفاظ على مصالحكم”! وهل هناك إهانة أكثر من هذه الإهانة بحق قادة وزعماء عرب؟ لا عجب في ذلك، فجزار غزة نتنياهو أدرى بـ “كرامة” و”مصالح”، ومناصب، و”خفايا” أصدقائه وحلفائه؟!
يا أمة العرب المقهورة، متى تنعمين بقادة من الرجال الأقحاح، يأتون في موعد مع القدر، يزيلون كابوس المرتدّين عنك، ينهضون بك، ليسطروا من جديد تاريخاً ناصعاً مشرّفاً يليق بك…؟

*وزير الخارجية والمغتربين الأسبق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى