أخيرة

آخر الكلام

العالم بعد القرار 1636 سائر نحو التأمرك*

‭‬ الياس عشي

قرأت:
تعود بي الذاكرة إلى ما كتبه المفكّر موريس نادو سنة 1955، يقول:
«في قلبي العاري إحساس دائم بالغربة من العالم وطقوسه، إنه عالم البورجوازية، حيث أخلاقية الصرّاف المرعبة، عالم الغيلان الجائع إلى الماديّات، المفتون بنفسه، غير المدرك أنه في حالة انهيار… العالم الذي ندرك، وبنبوءة ننفرد بها، أنه سائر نحو التأمرك، ومنذور بالحيوانية».
كتبت:
مرّت خمسون عاماً على ما كتبه موريس نادو، وتحققت النبوءة التي تفرّد بها:
فأخلاقية الصرّاف صارت المشهد في توأمة بين العولمة ومافيا تبييض الأموال.
والعالم، بعد انهيار الاتحاد السوڤياتي، سار بخطىً حثيثة إلى التأمرك، تحت غطاء عالم آخر تفرض شروطه الولايات المتحدة الأميركية، ويتبناه الاتحاد الأوروپي، وتدور في فلكه الدول الصغيرة والفقيرة والمستضعفة، ويحميه مجلس الأمن بقرارات لا تمتّ بصلة إلى مبادئ الرئيس الأميركي ولسون التي كانت أساساً لعصبة الأمم المتحدة عام 1920.
والإحساس بالغربة اجتاح الذين ما زالوا يحملون همومهم القومية، وهمومهم المعيشية، ويناضلون بعقولهم ومشاعرهم وسواعدهم من أجل عالم تسوده العدالة والحرية والاستقامة والإبداع، ويستشهدون وهم يحملون بنادقهم، أو يفجّرون أجسادهم، من أجل أوطان تجتاحها الدبابات الأميركية والإسرائيلية وحلفاؤهما، وتتحوّل الخارطة النفطية والصرّاف الآلي إلى رقم عقاري واحد مسجّل في الدوائر العقارية في البيت الأبيض.
أمّا الإحساس بالانهيار فلا شيء يفسّره أكثر من هذا الاسترخاء العربي الذي يجتاح، بخطّة نظامية، عقول المثقفين، والحكّام، والصيارفة، والشارع، والإعلام، والمناهج التربوية، ورجال الدين؛ ولولا المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق، ولولا الدول الممانعة، ولولا بعض الأخلاقية، لوجدنا «إسرائيل» متربّعة في كلّ بيت من بيوتات العالم العربي.
ضمن هذا المربّع الجهنّمي مارست الولايات المتحدة الأميركية قرصنة لا شبيه لها في أفغنستان، وفي العراق، يقابلها صمت عربي وإسلاميّ أقرب ما يكون إلى الخيانة. ولقد شجّع هذا الصمت الولايات المتحدة كي تتحوّل إلى موجّه يحدّد سلوك الدول وأخلاقها، فتدخلت في الخصوصيّات الدينية والإتنية، ولم تتورّع في اتّهام سورية، وهي دولة ذات سيادة، بأنها دولة مارقة، وأنها خارجة عن المسلكية الدولية، وأن عليها أن «تغيّر» سلوكها وإلّا! والغريب أنّ أحداً لم يجرؤ على الكلام مذكّراً العالم بمجازر الهنود الحمر، وقوافل السود يساقون عبيداً في أبشع «عملية صيد» عرفها التاريخ!
بالأمس أصدر مجلس الأمن الدولي بالإجماع (لاحظوا كلمة الإجماع) قراراً ضدّ سورية يحمل الرقم 1636. أسوأ من القرار هو الإجماع عليه، لأنه يؤكد نبوءة موريس نادو الذي يتهم العالم بإنه «عالم الغيلان الجائع إلى الماديات المفتون بنفسه، غير المدرك أنه في حالة انهيار».
نبوءة جديدة
هل يحقّ لنا أن نتحدث عن نهاية نبوءة (نادو) لنبوءة أخرى؟
في المعيارية الفلسفية يحق لنا ذلك، فالسقوط السياسي لمنظومة الاتحاد السوڤياتي يفسح في المجال، حسب القاعدة المعيارية، توقّع انهيارات أخرى في أنظمة قديمة مماثلة، وعلى رأس هذه الأنظمة الولايات المتحدة الأميركية. فاحتلالها لكثير من الأوطان، وتحدّيها للتراث الديني والإتني والحضاري للشعوب الأخرى، وفضائح البيت الأبيض، والأسلوب «الإلهي» الذي يدير به المحافظون الجدد الثروة العالمية، عجّلت في تحقيق نبوءة نادو، ولكنها، في الوقت ذاته، أسّست لنبوءة تقول:
إنّ العالم لن يبقى متسوّلاً أمام الخزانة الأميركية، ولن تبقى الدول الصغيرة شاهدة زور في جمعية الأمم المتحدة ومجلسها الأمني، إذ لا بدّ من تأسيس تكتّل دولي قادر على المواجهة، مستفيدين من تجربة «دول عدم الانحياز» التي أسّس لها وقادها رجال آمنوا بشعوبهم أمثال جمال عبد الناصر، وتيتو، ونهرو. ومهما قيل عن هذه الدول، فإنها لعبت دوراً هاماً في منتصف القرن الفائت، واستطعنا، نحن العرب، أن نتوكّأ عليها في أصعب الظروف وأقساها…

*نشر هذا المقال في جريدة «الديار» في شهر تشرين الثاني من عام 2005

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى