أولى

كيف تكون حاسمة وفعّالة مواجهتنا للكيان الصهيوني غير الشرعي

‭}‬ د. حسين أمير عبداللهيان**
في البداية أتقدّم بجزيل الشكر للدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي على موافقتها على طلب عقد هذا الاجتماع، كما أشكر الأمين العام المحترم للمنظمة على العقد الفوري لهذا الاجتماع.
في وقت نشهد فيه مرة أخرى عجز مجلس الأمن للأمم المتحدة في معالجة أقدم أزمة إنسانية في التاريخ المعاصر وأكثرها مرارة، فإنّ تضافر الأفكار بين الدول الإسلامية من أجل إيجاد طرق عملية واتخاذ خطوات أكثر جدية لدعم الشعب الفلسطيني والمساعدة في الخروج من الوضع الراهن في هذه الأرض تشكل ضرورة ملحة.
يٌعقد اجتماعنا على أعتاب شهر رمضان المبارك في وقت نشهد فيه استمرار الإبادة الجماعية والوضع الإنساني المتدهور في قطاع غزة وجرائم الحرب في الضفة الغربية تتحوّل إلى كارثة إنسانية لا مثيل لها. إنّ الإجراء الأميركي الواضح والمتعمد في منع اتخاذ أيّ خطوة لمجلس الأمن في الأمم المتحدة من أجل حيلولة دون ارتكاب الكيان «الإسرائيلي» المزيد من الجرائم في غزة يثبت بأنّ عقد الآمال على أميركا من أجل منع الإبادة الجماعية الحالية هو مجرد أوهام ويشبه مزحة دبلوماسية. إنّ الولايات المتحدة الأميركية هي متواطئة وشريكة في جرائم الكيان الإسرائيلي وإنّ ذرف دموع التماسيح واتخاذ بعض المواقف الإنسانية في الشكل فلا يغيّر شيئاً من الواقع.
إنّ جرائم الكيان الصهيوني المروعة تثبت بأنّ هذا الكيان المجرم يتابع سياسته المتمثلة في القضاء على الشعب الفلسطيني.
إنّ محاولة هذا الكيان في شنّ الهجوم على رفح والتي يسكن فيها أكثر من مليون و 400 ألف نازح يأتي أيضاً في هذا السياق. طبعاً من المؤسف أن نشهد بأنّ السلطات العليا في الولايات المتحدة الأميركية تمنح بمواقفها الضوء الأخضر للكيان الصهيوني لكي يشنّ هجومه العسكري ضدّ رفح.
من دون شك أنّ أيّ نوع من أشكال التعاون الاقتصادي مع هذا الكيان وتقديم المساعدات المالية والعسكرية والسياسية له هو بمعنى التعاون والمساعدة العملية في جرائم الصهاينة والقيام بالإبادة الجماعية ضدّ الفلسطينيين.
علينا في اجتماعنا أن ندعم بشكل كامل خطوة حكومة جنوب أفريقيا ضدّ الكيان الاسرائيلي العنصري في محكمة لاهاي، وفضلاً عن ذلك يجب أن نؤكد على الوقف الكامل لأيّ نوع من أشكال التعاون مع هذا الكيان والمقاطعة الواسعة لمنتجات الشركات الصهيونية.
في مثل هذا الوضع الكارثي حيث قدّمت الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها الذين يتشدّقون بالدفاع عن حقوق الإنسان دعماً عملياً لتصرفات هذا الكيان المجرم، فيجب على الدول الإسلامية ومنظمة التعاون الإسلامي اتخاذ تدابير عملية وحاسمة وفعّالة من أجل دعم الفلسطينيين. وهذا هو واجبنا الإنساني والإسلامي تجاه إخواننا وأخواتنا الفلسطينيين.
إنّ منع وقوع كارثة جديدة ضدّ الشعب الفلسطيني يشكل ضرورة ملحة.
مواجهتنا للكيان الصهيوني غير الشرعي يجب أن تكون حاسمة وفعّالة. من خلال الوحدة والتماسك بين دول العالم الإسلامي يجب أن نجبر البيت الأبيض وهذا الكيان على وقف الحرب والإبادة الجماعية وإعادة فتح الطرق لإرسال المساعدات الإنسانية إلى الفلسطينيين في غزة.
***
من دون أدنى شك فإنّ الشعب الفلسطيني سيجتاز هذه المرحلة بكلّ مصائبها لكن سيكتب التاريخ كيفية أداء جميع الدول لا سيما الحكومات الإسلامية لدورها في التعامل مع هذه الأزمة والإبادة الجماعية الواضحة في هذا الصراع غير المتوازن بين المظلوم والظالم وفي دعم المظلوم واستيفاء حقوقه. إنّ الرأي العام يتوقع من منظمة التعاون الإسلامي أن لا تكتفي بمجرد الإعلان عن إدانتها لجرائم الصهاينة المحتلين ومن خلال المصادقة على قرار مؤثر وفعّال توقف الجرائم وإراقة الدماء والإبادة الجماعية في فلسطين.
في هذه المرحلة ما يستطيع أن يحتوي الكيان «الإسرائيلي» بشكل أكثر فعالية هو اتخاذ الإجراء الحاسم والعملي للدول الإسلامية في ممارسة الضغط على الصهاينة بما في ذلك فرض عقوبات رادعة ضد هذا الكيان وقطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والتجارية وطرد سفراء الكيان واستدعاء سفرائهم من فلسطين المحتلة.
***
لقد اتضح اليوم أنّ أحد الأهداف الخطيرة للصهاينة يتمثل في تهيئة الظروف لحدوث الانهيار الاجتماعي والمدني في غزة والقضاء على أيّ نوع من معالم الحياة والهوية الفلسطينية في هذه المنطقة وتهجير سكان غزة والضفة الغربية إلى الدول المجاورة.
في هذا السياق… يجب إنهاء المحاولات النابعة عن النفاق والتي تسمّى بالنقل الطوعي للفلسطينيين وما شابه ذلك. ينبغي أن نكون واعين تماماً لأنّ هذا الأمر هو أسلوب آخر للترحيل القسري لسكان غزة والضفة الغربية إلى الدول المجاورة.
إنّ المواقف والقرارات الأخيرة للكيان الصهيوني المصطنع بخصوص المعارضة لتشكيل الدولة الفلسطينية المستقلة فقد أماط اللثام عن الطبيعة الشنيعة لهذا الكيان وأظهر بأنّ هذا الكيان يعارض أساساً وجود هوية باسم الدولة الفلسطينية ولا يفكر سوى بالقضاء الكامل على فلسطين والهوية الفلسطينية.
إننا نعتقد بأنّ الشعب الفلسطيني بوصفه الصاحب الرئيسي لهذه الأرض له الحق أن يقرّر مصيره ومستقبله ولا يستطيع أيّ طرف أن يفرض من الخارج إرادته ومشاريعه السياسية. يجب أن يحدّد الشعب الفلسطيني نفسه مستقبل غزة وكلّ فلسطين في إطار اتفاق فلسطيني – فلسطيني ومن دون تدخل الأجانب وفرض إملاءاتهم. من دون الاهتمام بهذا الواقع والالتزام الحقيقي باستيفاء حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة في تقرير مصيره فإنّ أيّ آلية ومبادرة مقترحة محكوم عليها بالفشل.
تعتقد الجمهورية الإسلامية الإيرانية بأنّ الطريقة العملية والديمقراطية والقانونية المقبولة لدى العالم هي إجراء استفتاء عام بين السكان الأصليين لفلسطين بما فيهم المسلمون واليهود والمسيحيون.
***
ينبغي أن أؤكد على أنّ جغرافيا فلسطين هي كلّ ترتبط أجزاؤها ببعضها الآخر ولا يمكن تفكيكها. تعتقد الجمهورية الإسلامية الإيرانية بأنّ أيّ آلية سياسية لمستقبل غزة والتي تؤدّي إلى عدم استيفاء قسم من الشعب الفلسطيني لحقوقه محكوم عليها بالفشل ولا يمكن تنفيذها. من دون شك فإنّ الشعب الفلسطيني هو من يجب أن يحدّد كيفية إدارة مستقبل غزة.
وخلافاً لبعض المشاريع المقترحة حول كيفية إدارة غزة ما بعد الحرب فإننا نعتبر بأنّ الشعب الفلسطيني والمجموعات الفلسطينية النشطة في الساحة هي من يجب أن تقرّر بشأن ذلك. وفي هذا السياق نؤكد على ضرورة الاهتمام بإجراء مفاوضات فلسطينية – فلسطينية واحترام الاتفاقات المنتجة عن ذلك.
إننا نعتبر حركات المقاومة الفلسطينية بما فيها حركة حماس التحررية في مواجهة الاحتلال كحركة متأصّلة في الشعب الفلسطيني. من هنا نترحم على الأرواح السامية لشهداء المقاومة.
إننا ندين بأشدّ العبارات إجراءات الكيان الصهيوني في التفكيك بين شمال قطاع غزة وجنوبه، وممارسة سياسة التجويع من أجل التهجير القسري للسكان من شمال غزة، ومنع عودة السكان إلى المناطق السكنية في وسط وشمال غزة، وحيلولة دون وصول منظمات الإغاثة في الأمم المتحدة إلى كافة سكان غزة.
ما يحدث في غزة يعتبر اختباراً تاريخياً لمنظمة التعاون الإسلامي باعتبارها رمزاً وهي تمثل طبعاً الأمة الإسلامية جمعاء. ينبغي أن نكون صريحين وجادّين وأن نظهر هذه الجدية بطريقة واضحة للكيان الصهيوني وداعميه. أؤكد مرة أخرى بأنّ وقف أيّ نوع من أشكال التعاون الاقتصادي والتجاري والسياسي من قبل الدول الإسلامية مع الكيان الصهيوني يُعتبر أقلّ خطوة يتوقعها الشعب الفلسطيني المقاوم منا كحكومات إسلامية.
ينبغي اتخاذ إجراءات فعّالة لمنع الكيان الصهيوني من ممارسة أيّ نوع من إجراءات شيطانية محتملة في القدس الشريف وضدّ المصلين الفلسطينيين خلال شهر رمضان المبارك وتذكير الجميع بعواقب القيام بهذا الإجراء المحتمل.
في الختام أودّ أن أؤكد على المقترحات التالية:
1 ـ هناك ضرورة ملحة لطرد الكيان «الإسرائيلي» من الجمعية العامة للأمم المتحدة وحيلولة دون عضويتها في باقي المنظمات.
2 ـ من الضروري وقف الإبادة الجماعية وجرائم الحرب بشكل فوري وإقامة وقف إطلاق نار دائم ووقف فوري للحرب وانسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة والتوجه إلى خارج القطاع وإرسال المساعدات الإنسانية بقدر كافٍ إلى كافة مناطق قطاع غزة من دون قيد أو شرط وبشكل فوري.
3 ـ توفير الظروف بشكل فوري للإسكان المؤقت للأشخاص الذين فقدوا منازلهم.
4 ـ إعادة تفعيل المشافي والمراكز الطبية في شتى أنحاء قطاع غزة وتجهيزها بالمعدات اللازمة.
5 ـ نقل المصابين الذين تعرّضوا لجروح بالغة لا سيما الأطفال والنساء إلى خارج فلسطين من أجل استكمال العلاج.
6 ـ كخطوة عاجلة وملموسة يجب إعادة فتح معبر رفح بشكل كامل وفي أسرع وقت ممكن بالتعاون مع الأمين العام للأمم المتحدة والحكومة المصرية لكي يتمّ توفير الظروف اللازمة لإعادة الحياة في غزة.

*كلمة ألقيت في الاجتماع الاستثنائي لوزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في جدة حول العدوان «الإسرائيلي» الراهن ضدّ الشعب الفلسطيني
**وزير الخارجية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى