أولى

تنفيذ قرار وقف الحرب… بمشاغلة «إسرائيل» أم بتوجيعها؟

د. عصام نعمان_
أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 2728 القاضي بوقف إطلاق النار فوراً في قطاع غزة وبتبادل الأسرى بين الطرفين المتحاربين. ثم ما لبثت محكمة العدل الدولية أن أمرت «إسرائيل» «بضمان توفير مساعدات إنسانية عاجلة لقطاع غزة الذي صارت المجاعة فيه أمراً واقعاً».
«إسرائيل» لم تأبه لكِلا القرارين. ثابرت بلا كلل على الفتك بالأهالي في شمال القطاع ووسطه، خصوصاً في جنوبه حيث جرى حشر أكثر من مليون فلسطيني بلا مأوى ولا غذاء ولا ماء ولا دواء، بل إنّ بنيامين نتنياهو وكبار جنرالاته كرّروا عزمهم على اقتحام رفح ومن ثم حدود لبنان لدفع مقاتلي حزب الله الى شمال نهر الليطاني بدعوى تأمين عودة سكان المستعمرات الصهيونية النازحين عنها الى منازلهم.
ذلك كله دفع ويدفع المواطنين والقياديين الأحرار في بلاد العرب الى التساؤل: الى أين من هنا؟
الواقع أنّ المسؤولين الرسميين في معظم الدول العربية ساكتون وراضخون. أما أهل الرأي فمنقسمون الى فئتين: الأولى يقول كبارها إنّ العين بصيرة واليد قصيرة لأنّ الدول التي طبّعت علاقاتها مع العدو الصهيوني ليست في وارد القيام بأيّ عمل اعتراضي مؤثّر، والدول المعادية للعدو مشغولة داخلياً بمواجهة متمردين، أفراداً وجماعات، تموّلهم وتسلّحهم تركيا في شمال غرب سورية، وأميركا في شمال شرقها، هذا فضلاً عن وجود قوات أميركية ناشطة في شمال شرق سورية وجنوب شرقها، بالإضافة الى قواعدها العسكرية في وسط العراق وشماله كما في شمال غرب الأردن ما يحول دون مشاركة هذه الدول العربية الثلاث في مجهود ميدانيّ فاعل ضدّ العدو.
الفئة الثانية من أهل الرأي، مدنيين وعسكريين، ترى غالبيتها أنّ مواصلة «إسرائيل» مجازرها على مستوى قطاع غزة برمّته ما كانت لتستمرّ لولا دعم أميركي عسكري ولوجسيتي سخيّ تسبّب ويتسبّب بأضرار جسيمة وبمفارقات مبكية مضحكة في آن، كأن يشاهد المرء في وضح النهار طائرات أميركيّة تلقي برزم المواد الغذائية من الجو على شاطئ غزة في حين تقوم طائرات «إسرائيل» الحربية بتدمير الأبنية والمرافق الاقتصادية وقتل الأهالي على مقربة من أمكنة إلقاء المواد الغذائية!
ذلك كله، بمآسيه كما بمفارقاته الغريبة، يستفزّ الأحياء الأباة في عالم العرب، خصوصاً في صفوف المقاومين بالكلمة أو بالسلاح ويدفعهم الى طرح سؤال مدوٍّ: الى متى الصمت والتقصير في نجدة أهالي غزة البواسل؟
الحقيقةُ أنني وغيري نتفهّم ما يبديه المسؤولون الحكوميون من أسباب وأعذار لعدم قيام حكام دولهم بنجدة أهالي قطاع غزة ميدانياً ضد العدو الصهيوني المتوحش والمتوعّد بالمزيد من الوحشية والدمار، لكننا لا نرى أن أسبابهم وأعذارهم مقنعة أو من شأنها تبرير عدم دعمهم للمقاومين والنهضويين في المشرق كما في سائر الديار لمواجهة العدو ميدانياً وردّ الكيل كيلين.
صحيح انّ الولايات المتحدة موجودة بثقلها العسكري في شتى بلدان المشرق العربي، وصحيح أيضاً أنّ «إسرائيل» بقيادة نتنياهو تُحاول بوسائل شتّى استدراجها الى المشاركة في حربٍ سافرة ضدّ إيران وحلفائها من فصائل المقاومة المتواجدة والمنطلقة من هذه البلدان لمقاتلة «إسرائيل»، لكن الأصحّ أنّ أميركا الملتزمة تمويل «إسرائيل» وتسليحها ودعم كيانها الاغتصابي، لا تعتبر أنّ التزامها هذا مطلق وبلا حدود. ذلك أنها، وخلافاً لما يظنّ حلفاؤها العرب تبقى مقيّدة، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، بموجبات حماية وتعزيز مصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية بالدرجة الأولى أيّاً كانت الأخطار والمخاوف التي تبديها «إسرائيل» لاستدراجها لحرب سافرة الى جانبها ضد إيران وحلفائها في محور المقاومة. فأضرار هذه الحرب أكثر بكثير من أرباحها.
هذا مع العلم أنّ دعاة التشدّد في الردّ على «إسرائيل» وعدوانها المتصاعد، يراعون أوضاع دول الطوق العربية وما تعانيه من اعتداءات وعقوبات وضغوط من جهات شتى فلا يطالبونها بأكثر مما تستطيع تقديمه لقوى المقاومة من تسهيلات محدودة لا تشكّل بمجموعها دافعاً جديّاً للولايات المتحدة كي تشاطر «إسرائيل» حرباً باهظة التكلفة على كِلتيهما. ألا تُفسّر كلّ هذه الواقعات والاعتبارات إحجام أميركا عن مهاجمة إيران بعد إقدام الرئيس السابق دونالد ترامب على إخراج بلاده من الاتفاق النووي المعقود مع الجمهورية الإسلامية وقيام هذه الأخيرة، رغم كلّ التحذيرات والتهديدات، بتنفيذ برنامج نووي متطور ارتقى بها الى مستوى دولة تقف على عتبة صنع قنبلة نووية؟
في ضوء هذه الواقعات والتطورات، ماذا تراه يكون العمل الميداني النوعي الذي يجدر بقوى محور المقاومة العربية القيام به للحدّ من عدوانية «إسرائيل» الفاجرة ومجازرها ومحارقها ضدّ الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية والمتمددة باطّراد الى لبنان وسورية والعراق واليمن؟
سبق أن أبديت جواباً في مقالٍ نشرته يوم الاثنين الماضي، وأقوم الآن بتوسيع نقاطه الرئيسة بغية التأكيد على ضرورة عدم الاكتفاء بمشاغلة «إسرائيل» ميدانياً بالشكل الحاصل حاليّاً أو الرهان على إمكانية أن تصعّد الولايات المتحدة ضغوطها عليها للإقلاع عن مشروع اجتياح رفح والقبول تالياً بوقف إطلاق النار لأنّ هذا الرهان خاسر بكلّ المعايير ما يستوجب إهماله والاستعاضة عنه بعمل نوعي جوهره مباشرة قوى المقاومة بتوجيع «إسرائيل» على نحوٍ لا يؤدي الى استدراج أميركا لدعمها ميدانياً.
إنّ من شأن هذا النهج العملاني الفاعل حمْل العدو اضطراراً الى وقف الحرب بفعل العمليات الآتية:
*قيام قوى المقاومة العربية في لبنان والعراق واليمن بالإضافة الى تلك المقاتلة في كلّ أنحاء فلسطين المحتلة بتركيز هجماتها الميدانية تدريجاً على عمق «إسرائيل» بحيث تستهدف مناطق ذات طابع اقتصادي غالب (مصانع، بنى تحتية أساسية، مطارات، موانئ) او ذات طابع عسكري وازن (قيادات عسكرية، قواعد عسكرية، مفاصل مواصلات).
*قيام وحدات المقاومة لحزب الله المتواجدة في الجولان السوري المحرّر بالتعاون مع فصائل مقاومة محليّة من جهة وفصائل مقاومة عراقية من جهة أخرى بشنّ هجمات صاروخية شديدة الفعالية مقرونةً، لاحقاً، بهجمات برية استباقية على المستعمرات الإسرائيلية الكائنة في الجولان السوري المحتل، والضغط على روسيا لتسليم مفاتيح إطلاق صواريخ الدفاع الجوي S-300 الى ضباط الجيش السوري.
*قيام وحدات المقاومة اليمنيّة بشنّ هجمات صاروخية شديدة الفعالية على المستعمرات الإسرائيلية في النقب المحتلّ، خصوصاً على أم الرشراش (إيلات) وغيرها، وقيام المُسيّرات اليمنية بضرب سفن «إسرائيل» وتلك المتجهة اليها في البحر الأحمر وبحر العرب وحتى في المحيط الهندي.
*تمسّك وفد «حماس» في المفاوضات الجارية في الدوحة والقاهرة باعتماد معادلة جديدة قوامها إطلاق 500 أسير ومعتقل فلسطيني مقابل كلّ أسير او جثمان أسير إسرائيلي.
*التواصل مع دول صديقة للتقدّم من مجلس الأمن الدولي بمشروع قرار لاعتماد آلية لتنفيذ القرار 2728 قوامه استخدام عقوبات اقتصادية صارمة ضدّ «إسرائيل» لغاية وقف الحرب.
هل ثمّة نهج نضالي عملاني أفضل وأفعل؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نائب ووزير سابق
[email protected]

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى