أولى

الضربة الإيرانية للكيان الصهيوني: واقع وتداعيات…

د. جمال زهران*

لم يكن لديّ أية شكوك على الإطلاق، في أنّ ضربة عسكرية إيرانية ستوجَّه إلى الكيان الصهيوني، ومباشرة من الأراضي الإيرانية إلى قلب هذا الكيان المتعجرف والمغرور، والذي يستخدم القوة العسكرية، خارج الشرعية والقانون الدولي، وبدون سقف أو حدود.
ورأيي ثابت ولأسباب عديدة في الكثير من تصريحاتي وكتاباتي عقب الضربة الصهيونية لمقرّ القنصلية الإيرانية اللصيقة بالسفارة الإيرانية في دمشق، والتي راح ضحيتها 7 من القيادات الكبرى في إيران من الحرس الثوري، أثناء اجتماعهم داخل القنصلية باعتبارها المكان الآمن، وراح معهم 7 من السوريين العاملين بالسفارة.
المهمّ الآن، فقد وقعت الضربة العسكرية الإيرانية التي أطلق عليها (الوعد الصادق) مساء يوم السبت 13-أبريل (نيسان) 2024م، والموافق ليلة الخامس من شوال، الذي يوافق موقعة الخندق (في صدر الإسلام). وأعلن عنها رسمياً، من تلفزيون إيران بالطائرات المُسيّرة، وصواريخ كروز، وصواريخ باليستية. وتداول عدد هذه الأنواع الثلاثة، ولعلّ المعلومات الأقرب للصحة، في ظلّ عدم التصريح الإيراني بذلك، هو ما أفصحت عنه صحيفة (نيويورك تايمز) الأميركية، حيث نشرت أنّ إيران أطلقت عدد (185 طائرة مُسيّرة + 36 صاروخ كروز + 110 صواريخ أرض/ أرض (باليستية) بإجمالي (331) وسيلة هجومية إيرانية على الكيان الصهيوني، ويبدو أنّ المصدر المنقول عنه، هو المتحدث باسم الجيش الصهيوني (افيخاي ادرعي).
المؤكد إذن أنّ الضربة العسكرية الإيرانية ضد الكيان الصهيوني، والتي استمرت نحو (5-6) ساعات، وسط رعب الحكومة الصهيونية التي اختبأت في الخنادق، وصفارات الإنذار تحذر المستوطنين في الكيان، قد حققت أهدافها كاملة (عسكرية ومعنوياً). وقد ثبت أنّ هناك عشرة أهداف قد أصيبت بالفعل، أهمها حسب التصريح من رئيس الأركان الإيراني، الأول هو: مركز الاستخبارات الصهيوني في جبل الشيخ بهضبة الجولان المحتلة، والذي كان مركز توجيه الضربة الصهيونية للقنصلية الإيرانية في دمشق، والثاني هو: قاعدة “نيفاطيم” العسكرية، وهي القاعدة المهمة والاستراتيجية والتي تقع في منطقة صحراء النقب بالقرب من مدينة “بئر السبع”، ويبلغ طول المدرّج فيها (3400) متر، والتي انطلقت منها الطائرات التي ضربت القنصلية الإيرانية وهي من نوع (اف/ 35)، حيث أعلن رئيس الأركان الإيراني، أنهما قد تمّ تدميرهما بالكامل، وهو ما يتوازى مع الضربة الصهيونية للقنصلية الإيرانية. أما بقية الأهداف، فتتركز في سيل الصواريخ التي وجهت إلى مطار رامون الجوي الذي خرج من الخدمة ولا يزال مغلقاً، ثم قاعدة أوريم، وقاعدة حتسريم، ثم احتراق مناطق عديدة في تل أبيب، وأيضاً تمّ ضرب ميناء أم الرشراش (إيلات)، فضلاً عن مواقع أخرى لم يتمّ الكشف النهائي عنها.
أما من ناحية الخسائر الاقتصادية التي أصابت الكيان الصهيوني، وفقاً لما أعلن على لسان مسؤولين صهاينة ووسائل إعلام صهيونية، فقد بلغت في الليلة الواحدة أكثر من (1,3) مليار دولار، وهي كلفة الدفاع الصهيوني ضدّ الضربة الإيرانية. وهو ما أكده المستشار الاقتصادي لرئيس الأركان الصهيوني (العميد/ رام عميناخ)، حيث أشار إلى أنّ تكلفة صدّ الهجوم الصاروخي الإيراني لليلة واحدة بلغت بين (4-5) مليار شيكل، مقابل التكلفة المنخفضة نسبياً التي تدفعها إيران في الضربة التي وجهتها لهذا الكيان الغاصب والمحتلّ. ولذلك يقترح هذا المسؤول الصهيوني، زيادة ميزانية وزارة الدفاع الصهيونية!
ومن الصعب الوقوف بدقة على ما حدث، من حيث المعلومات، والآثار، وسط تكتم متبادل بين الكيان الصهيوني وإيران، في إطار استراتيجيات مثل هذه النوعية من الضربات الاستراتيجية، التي ستكون لها تداعيات ضخمة، بلا شك. ولذلك يبقى السؤال بعد الحديث عن ضربة عسكرية إيرانية ضد الكيان الصهيوني وفي قلب أرض فلسطين المحتلة، بين الاحتمال بالوقوع من عدمه، حيث أصبحت واقعاً فعلياً.. والآن وجب الحديث عن التداعيات الأولية من الآن، فصاعداً، ويمكن التركيز على عدة نقاط هي:
1 ـ أن إيران أصبحت محل ثقة الداعمين للقضية الفلسطينية، حيث لم تكتفِ بالمواجهة عن بعد، والغير مباشرة، عبر جبهات الإسناد لغزة من دول محور المقاومة، بل أصبحت دولة مواجهة فعلية، بالمبادرة إلى الردّ المباشر، بعد العدوان الصهيوني المباشر على أرضها في دمشق. وبالتالي ما كان يُقال عن أنه من الممكن أن تبلع إيران هذه الضربة، كان مجرد لغو حديث، لأنّ الأمر دخل دائرة الهيبة والمكانة الإيرانية، التي يمكن تعرّضها للاهتزاز والتشويش والتشكيك، إذا ما لم تقع هذه الضربة، التي عززت المكانة الإيرانية في الإقليم كله.
2 ـ المبادرة بضرب الكيان الصهيوني، عسكرياً من خارج حدوده الجغرافية، التي أصبحت آمنة باتفاقات التطبيع ما عدا الجبهتين اللبنانية والسورية، وهي المبادرة الثانية تقوم بها جمهورية إيران الإسلامية، بعد أن سبق توجيه ضربة عسكرية من العراق عام 1991م، والتي أطلقت (39) صاروخاً من نوع سكود، وكانت من خارج حدود الكيان الصهيوني الجغرافية المباشرة، وأحدثت خسائر بشرية ومادية كبيرة، أنكرها الكيان آنذاك، والتي كشف عنها مؤخراً، بأنّ الخسائر البشرية تجاوزت (350) قتيلاً، بخلاف المصابين! ولذلك لم يعد الكيان الصهيوني، في أمان أو استقرار كما كان يُشاع، كما سقطت ادّعاءات أنّ هذا الكيان هو صاحب اليد الطولى، وجيشه هو الأقوى في الإقليم، والذي لا يُقهر حسب الأساطير الشائعة للعدو! وفي ضوء ذلك فقد سقطت نظرية الحدود الآمنة للكيان الصهيوني.
3 ـ سقوط حواجز الخوف والرعب لدى الدول المطبعة، والتي عليها أن تحذو حذو المبادرة بالتخلص من اتفاقيات التطبيع والانسجام مع شعوبها، والتوحد مع القضية الفلسطينية ودعمها، حتى تحرير فلسطين من النهر إلى البحر، وزوال الكيان الصهيوني. فقد استهدف هذا الكيان من ممارساته العنيفة والتي توصف بأنها أعمال إرهابية وبلطجة، إلقاء الرعب في قلب النظم المطبعة فعلاً، أو النظم المطلوب استكمال ملف تطبيعها، تفادياً لمصير الدول التي يمارس الكيان الصهيوني إرهابه ضدها. فقد سقطت كلّ حواجز الخوف والرعب، وسقطت هيبة هذا الكيان المزعوم، ومكانته وقوته المزعومة أيضاً.
4 ـ محاذاة “طوفان الأقصى”، بهذا العمل العسكري المتميّز، مع “طوفان أحرار”، يضمّ دول المحور، بتبلور مكانة محور المقاومة الذي أصبح واقعاً فعلياً بقيادة إيران الداعمة للقضية الفلسطينية منذ قيام ثورتها في فبراير 1979، وللآن، وبلا انقطاع. وللحديث بقية في رصد ما بعد الضربة العسكرية الإيرانية من تداعيات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، جامعة قناة السويس، جمهورية مصر العربية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى