الإعلام العلمي نادر وغير متخصّص في الصحافة العربيّة

كتبت صفات سلامة: للإعلام العلمي دور مهم ومتميز في نشر الثقافة العلمية وتبسيط العلوم، وحققت الدول المتقدمة تقدمها ونهضتها نتيجة اهتمامها بالعلوم ونشرها على نطاق واسع، وإدخال مفهوم العلم كثقافة من خلال إعلام علمي متميز يؤدي إلى التواصل المستمر بين الحركة العلمية والجمهور غير المتخصص، حتى بات الحديث في الشأن العلمي يشمل مفردات العيش اليومي لعامة الناس. لذا نرى الدول المتقدمة، المنتجة للعلم، تعيش ازدهاراً مستمراً في نوعية المطبوعات والبرامج العلمية التي تهدف غلى تنمية الوعي العلمي لدى أفراد المجتمع وعددها، فالاعتناء بالبرامج العلمية يشغل دوماً حيزاً كبيراً في تفكير أفراد المجتمع ومؤسساته، لإدراكهم دور الإنجازات العلمية والتكنولوجية وأهميتها في حل مشاكل الفرد والمجتمع. وتسعى الدول المتقدمة دوماً إلى إعداد الإعلامي العلمي المتميز الذي أضحى عملة نادرة الآن، وهو إما عالم أو صحافي كفء، يتمتع بالخلفية العلمية الملائمة التي تمكنه من تقديم وتبسيط الحقائق العلمية للأفراد وبخاصة لغير المتخصصين، ويستطيع في الوقت نفسه الربط بين العلوم والتكنولوجيا وجميع مجالات وقضايا الحياة الأخرى في المجتمع من اجتماعية وسياسية واقتصادية وأخلاقية وغيرها، وبخاصة العلوم الحديثة، وبينها راهناً: النانوتكنولوجي التقنيات متناهية الصغر ، والروبوتات، والذكاء الاصطناعي، والواقع الافتراضي، والعلاج الجيني والخلايا الجذعية، وهندسة الأنسجة وطب التجديد، والجينوم البشري، والبيولوجيا الصناعية، والتغيرات المناخية والإحتباس الحراري، وغيرها.

نظرة سريعة إلى واقع الإعلام العلمي في عالمنا العربي، تُرينا أنه مظلومٌ، ولم ينصف حتى الآن، فالعلم يظهر دوماً على استحياء في وسائل الإعلام العربية، ولا يزال محدوداً وقاصراً عن اللحاق بركب التقدم العلمي والتكنولوجي المتسارع في العالم، وما برح المفهوم التقليدي للثقافة محصوراً لدينا في مجالات الأدب والتاريخ والتراث والفنون والسياسة والرياضة، كما أن الأخبار والتقارير العلمية أقل من الحاجة المطلوبة، ويقتصر معظمها على موضوعات مترجمة. وبالتالي فهو لم ينجح في أداء دوره المنشود في نشر الوعي العلمي بين عامة الشعب، وقد يرجع إلى غياب المناخ العلمي العام الذي يساعد في استيعاب مفاهيم العلم والتكنولوجيا الحديثة، كما أن نظم الإعلام العربية تخلو من الكفاءات العلمية القادرة على القيام بدورها، فالإعلامي العلمي العربي لم يتم إعداده وتدريبه بصورة كافية لأداء مهنته وكيفية اتصاله وتواصله بالجماهير، فهذا يندرج ضمن مجال حديث ومهم يعرف بالتواصل العلمي، وكليات الإعلام لا تهتم كثيراً بإعداد الإعلامي العلمي المتخصص.

تعاني البرامج العلمية في الإذاعة والتليفزيون غياب المحرر العلمي الكفء ، كما أنها عاجزة عن إعداد برامج وأفلام علمية متميزة تعبر عن بيئتنا العربية وتثير في المستمع أو المشاهد الرغبة الحقيقية في معرفة طبيعة العلم والتكنولوجيا وأسرارهما، وما زالت تغطية أخبار العلم والتكنولوجيا في وسائل الإعلام العربية عامة أقل مما يجب، ولا تلاحق اتجاهات العلم والتكنولوجيا الحديثة. وقد لا يملك الإعلامي العلمي الخبرة الكافية لتغطية مجالات علمية مهمة وحديثة، وهو في الوقت نفسه مقيد بجدول زمني ومساحة صغيرة، ولغة مبسطة يفهمها الجمهور غير المتخصص.

مع الحراك الحالي والمتزايد الذي يشهده الآن قطاع العلم والتكنولوجيا والبحث العلمي في عالمنا العربي، متمثلاً في ظهور مشاريع وخطط علمية وبحثية جديدة، وعقد للمؤتمرات العلمية الدولية في مجالات حديثة، لم يعد كافياً أن ينشر الإعلام العربي ويذيع أخباراً أو مادة علمية من هنا أو هناك، أو تغطية علمية ـ قد تكون سريعة وقاصرة ـ للمؤتمرات من خلال نشر البيانات والتصريحات الصحافية التي تصدرها الهيئات والمؤسسات العلمية المنظمة لها والتي تتناولها الصحف وتكررها، أو إصدار صفحات علمية فحسب قد تحرّر على عجل، بل لا بد من تأسيس إعلام علمي ذي رؤى جديدة ورسالة واضحة المعالم والأهداف تتبناها المؤسسات الصحافية وتساهم فيها، جنباً إلى جنب، المؤسسات العلمية والمراكز البحثية لتحقيق نهضة علمية واعدة.

لا يزال الإعلامي العلمي الكفء عملة نادرة في العالم العربي، خاصة مع تعدد التخصصات والمجالات العلمية الجديدة، وليس كافياً أن يكون هناك صحافي علمي يتناول جميع التخصصات العلمية ويغطّيها، بل باتت هناك ضرورة ـ كما في الدول المتقدمة ـ أن يكون لدينا صحافيون علميون متخصصون في مجالات علمية محددة، ففي الصحافة العلمية في الدول المتقدمة نجد صحفيا متخصصا في شؤون النانوتكنولوجي التقنيات متناهية الصغر ، أو في البيئة، أو في تقنية معلومات أو في الصحة أو في الغذاء، إلى سوى ذلك من شؤون وتخصصات علمية وتكنولوجية مستحدثة.

ليس لدينا عدد كاف من الإعلاميين العلميين من ذوي المهارات والقدرات والأدوات التي تمكنهم من إعداد التقارير العلمية المميزة وفهم الأنشطة والمجالات العلمية للمراكز البحثية والهيئات العلمية، والاقتراب بثقة لمحاورة العلماء والباحثين في تلك المؤسسات وفي المؤتمرات العلمية التي قد تمر من دون أن يعلم الجمهور عنها وعن العلماء الحاضرين فيها سوى أخبار سريعة تتناقلها جميع الصحف، وقد يمكن التغلب على ذلك من خلال إعداد دورات تدريبية لتنمية مهارات الإعلاميين العلميين وتطويرها باستمرار، وتشارك فيها كوادر صحافية علمية وعلماء متخصصون، خاصة قبل انعقاد المؤتمرات والحوادث العلمية الدولية المهمة، مع تزويدهم الكتب العلمية الأساسية والمواقع العلمية على شبكة الإنترنت الضرورية للعمل في الصحافة والإعلام العلمي، كذلك ضرورة تأسيس أقسام علمية في الصحف ذات رؤية وبرامج واضحة، تضم صحافيين يملكون المؤهلات والمهارات وتقنيات الكتابة الضرورية لمعالجة القضايا والشؤون العلمية، على أن يساهم في تطويرها وإنجاحها علماء متخصصون يملكون الحس الصحافي والإعلامي.

يمكن للإعلام العلمي أن يضع نفسه في موقع متقدم من الإعلام المتخصص، كما هي الحال في الصحافة الرياضية أو الثقافية أو الأدبية أو الفنية، ويمكن زيادة مقروئيته عندما يخرج من نطاقه الضيق المتمثل في التوعية والتثقيف العلمي، ليشمل أيضاً التحليل الجاد والدقيق لقضايا الوطن المهمة ذات الصلة بالعلم والتكنولوجيا، وكذلك متابعة شاملة وللتطورات والقضايا والمؤتمرات العلمية، والمحاورة المتعمقة للعلماء والباحثين في المؤسسات العلمية والمؤتمرات الدولية، بأمانة ودقة ومهارة، ولا يتم ذلك إلا من خلال كتاب وإعلاميين متخصصين ومتابعين جيدين مهتمين بالعلم والتكنولوجيا.

لا بد أولاً من أن يصبح العلم ثقافة في مجتمعاتنا العربية، من خلال إعلام علمي تنموي متميز يؤدي الى التواصل المستمر بين الحركة العلمية وعامة الجمهور، من خلال تقديم المواضيع والأخبار والتقارير العلمية بأسلوب ناقد واستقصائي يساعد في فهم طبيعة العلم وأهميته والحضّ على المشاركة الإيجابية في اتخاذ القرارات، خاصة في ما يتعلق بالمشاكل والقضايا المجتمعية التي يلعب فيها العلم والتكنولوجيا دوراً أساسياً. مع أهمية مواكبة الثورات والتطورات والقضايا العلمية والتكنولوجيا العالمية المتسارعة، ما يساهم في النهاية في تغيير نظرة مجتمعاتنا العربية للعلم وتنشئة مواطن يمارس أسلوب التفكير العلمي في جميع مجالات حياته اليومية، وبالتالي إدراك أنّ العلوم والتكنولوجيا ليست ترفاً ورفاهية، بل هي الطريق نحو التميز راهناً ومستقبلاً. وثمة ضرورة للتعاون بين العلماء والإعلاميين العلميين للتعرف عن قرب إلى كيفية معالجة المواضيع العلمية في وسائل الإعلام، وكيفية إيصالها بأسلوب سهل، مبسط، جذاب، لعامة الناس.

كما أن للجامعات العربية دوراً مهماً في إعداد من يقوم بمهمة التوعية العلمية، بتطوير المقررات الدراسية في الكليات العلمية والنظرية، وبخاصة كليات الإعلام، لإعداد أقسام وتخصصات جديدة في الصحافة العلمية والإعلام العلمي. مع أهمية أن يواكب ذلك أيضاً الاهتمام بتأليف وترجمة الكتب العلمية وفق خطط واستراتيجيات فاعلة يساهم فيها العلماء وذوو الاختصاص، مع الإفادة من رؤى الكتاب العلميين وعلمائنا العرب في الداخل والخارج في تحديد قائمة موضوعات ومجالات العلوم والتكنولوجيا المهمّة، والإفادة منهم كذلك في دعم وتشجيع قراءة الكتب العلمية والتَّعرف إلى اتجاهات العلوم الحديثة وقضاياها، من خلال استضافتهم في ندوات ومحاضرات عامة لمناقشة هذه الكتب مع مؤلفيها ومترجميها، في دور النشر ووسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية، وبخاصة عبر قنواتنا الفضائية المتزايدة.

يحتاج الإعلام العلمي إلى رؤى جديدة ترفع من نوعيته وتأثيره وتميزه، تتبناها ليس المؤسسات الصحافية فحسب إنما أيضاً المؤسسات العلمية ومراكز البحوث والجمعيات العلمية والمراكز الإعلامية في المؤسسات والشركات البحثية وأقسام الإعلام في الجامعات، وكل من له صلة بالعلوم والبحث العلمي، وتركز هذه الرؤى على نشر التوعية العلمية والأحداث والأخبار العلمية، وعلى متابعة الحوادث والسياسات والقضايا العلمية والتكنولوجية رصداً وكشفاً، ومحاورة العلماء والمسؤولين بدقة وأمانة وموضوعية، وربطها بقضايا التنمية الوطنية من خلال سياسة واضحة المعالم والأهداف يساهم في تفعيلها وإنجاحها إعلاميون علميون، وعلميون إعلاميون.

إن بقاءنا وتفوقنا في عالم الحاضر والمستقبل، يستلزم تربة علمية خصبة تستقبل بذور التقنيات العلمية والتكنولوجية، وخاصة الحديثة منها، وتمنحها متطلبات النمو الضرورية والأساسية، ولن يتم ذلك إلا بنشر العلم بين أبناء أمتنا، وأن يأخذ العلم مكانه اللائق وسط ما نقرأ ونسمع ونشاهد، وأن يتدرب الأفراد على الاهتمام بالعلم وقضاياه، ولا يتأتى ذلك الا بإعلام علمي جاد وجهد خالص بنّاء يدفع بالحركة العلمية قدماً حتى يغدو العلم مكوناً أساسياً من مكونات ثقافة مجتمعاتنا العربية.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق