واشنطن بإعلامها الموجّه تستنفد المخطّطات لإسقاط الدولة السورية… وستفشل!

إعداد وترجمة: ليلى زيدان عبد الخالق

منذ بدء المؤامرة على سورية، والإعلام النزيه الحرّ يكتب عن خلفيات تلك المؤامرة، وعن جذورها ومراحل التحضير لها، وأيضاً عن مراميها وأهدافها. أما الإعلام المتطور القادر على خرق ما خفي وما اجتهد المؤتمرون على عدم إظهاره، فإنّه أبدع في كشفه، وقدّم الدلائل والقرائن، ووضع الرأي العام أمام حقيقة، بذل الغرب الكثير من أجل إخفائها.

ومنذ بدء المؤامرة، كان الإعلام ركناً أساساً في تنفيذها: محطات بكامل طواقمها وموازناتها ومراسليها والمتطوعين الجاهزين لها، وفنييها، ومبدعي الفبركات والمونتاج والمكساج وحتّى الماكياج، عملت ليلاً ونهاراً، من كلّ أصقاع الدنيا على الضخّ الإعلامي في سبيل إنجاح المؤامرة على سورية، التي أسموها زوراً وزيفاً: «الثورة».

ومنذ بدء تلك المؤامرة، والضخّ الإعلامي إلى تزايد، وكلّما أثبتت تلك المؤامرة فشلها، كلّما قوي الإعلام المجرم نتيجة الرفد المالي اللامحدود.

أذكر جيّداً ما كنّا نكتبه منذ بدء المؤامرة التي سمّيت أيضاً زوراً بـ«الربيع العربي». وأذكر جيّداً مقالاً كتبته حين بدأ الحديث في أروقة المتآمرين عن «سورية ما بعد الأسد»، إذ سلّطنا الأضواء حينذاك على الحقيقة التي كُشفت في فرنسا أولاً، وامتدّت إلى باقي الدول الأوروبية وإلى واشنطن، والحقيقة تلك تقول، إنّ الغرب يتحدث ـ حينذاك ـ عن الرئيس بشار الأسد بعد المؤامرة، نظراً إلى الصمود الكبير الذي أبدته سورية في وجه المتآمرين والحرب والقتل والذبح ومحاولات إذكاء الفتنة وكل ما رافق ذلك من خطط خبيثة.

أما اليوم، فإن تلك الخطط لم تتوقف، وليس جدّياً الحديث عن أن الغرب الذي تقوده أميركا سيرضخ للخسارة بين ليلة وضحاها. وسيسلّم بالأمر الواقع وسيقول للدولة السورية: «سامحينا، أنت انتصرتِ ونحن منينا بالخذلان». وأنّه سيقول لإيران غداة صباحٍ: «سامحينا، يحق لك تخصيب اليورانيوم وامتلاك أفتك السلاح الذريّ ما شئت». وأنّه سيخذل «إسرائيل» ويقول لها في المساء: «سامحينا، ما عدنا قادرين على دعمك… دبري راسك». لا بل أنّ المعقول والجدّي والعقلاني أن نقرأ اليوم وكلّ يوم ما يكتب في الإعلام الغربي، والذي في غالبيته يُوجّه إلى بلادنا وشعبنا لكي يسلّم هذا الشعب بـ«الحقيقة ـ الكذبة» التي يروّج لها الغرب.

بين أيدينا اليوم تقرير كتبه كل من ستيفن سايمون وجوناثان ستيفنسون لـ«New York Review of Books»، وستيفن سايمون هو المدير الأول لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المجلس القومي الأميركي من أيار 2011 إلى كانون الثاني 2013. أمّا جوناثان ستيفنسون فهو مدير مجلس الأمن القومي الأميركي للشؤون السياسية والعسكرية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من تشرين الثاني 2011 إلى أيار 2013.

التقرير يتضمّن رؤى عن مخطّط جديد مرسوم لسورية، يعتمد التقسيم الطائفيّ في الدرجة الأولى، واللامركزية. مع تسليط الضوء على أمرين مهمّين: إرضاء العلويين، لا حبّاً بالرئيس بشار الأسد أو خوفاً منه، بل من أجل إرضاء تلك الشريحة الواسعة من السوريين، مقابل تسليم السنّة مفاصل البلاد ومفارقها. أما الأمر الثاني، فالقضاء على «داعش»، حتى لو استلزم الأمر التعاون مع نظام الرئيس بشّار الأسد.

وإذ يبدأ التقرير بمشهدية من صنع خيال أحد الكاتبين، فإنّه يشتمل على عدّة نقاط هامة، علّ القارئ يتعمّق فيها كي يعي أهميّة ما يحاك، وما يروّج له، وما يخطّط ويختمر في المطبخ الأميركي.

بين «داعش» و«النظام»

يرافق جنديّ سوريّ رجالاً من المعمودية، وهي ضاحية دمشقيّة يسيطر عليها «المتمرّدون»، بعد اتفاق تهدئة للتخفيف من حدّة الحصار والسماح للمساعدات الإنسانية في الوصول إلى المنطقة. 19 تشرين الأول، 2013.

طغت حملة الرئيس الأميركي باراك أوباما الجديدة على تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، على سؤال الولايات المتحدة الاستراتيجي الشامل حيال الحرب في سورية. غير أن الصراع الدائم في سورية سيجعل من «داعش» تنظيماً يصعب احتواؤه، وشرق أوسط يستحيل عقل الفوضى فيه. وهذا يحتّم حق الولايات المتحدة في تولّي سياسة سورية، سياسة تحتاج إلى إعادة بناء من الألف إلى الياء.

كان هدف الولايات المتحدة الأساس طوال ثلاث سنوات، إقناع روسيا في دعم عملية الانتقال السياسي في سورية، بناءً على خطةٍ لتقاسم السلطة بين أعضاء نظام الرئيس بشار الأسد و«المعارضة» التي وقّعت على اتفاق جنيف في حزيران 2012. غير أن روسيا استمرّت في دعم نظام الأسد في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وفي مؤتمرات جنيف المتعاقبة وهي استراتيجية فعّلت استمرارية الحرب لفترة طويلة، وعزّزت بروز التنظيم «الداعشي». ودفعت التطوّرات ـ التي رافقت صعود «داعش» ـ الولايات المتحدة إلى شنّ ضربات جوّية ضدّ هذه الجماعة في كلّ من العراق وسورية، وتشكيل تحالف مضادّ يشمل الحلفاء الأوروبيين ومجموعة من الدول السنّية في المنطقة مثل تركيا، الأردن، والمملكة السعودية، مع تفاوت واضح في درجات الالتزام. إلّا أن «داعش» أثبت أنه من الصعب دحره وتفكيكه من معاقله في العراق، كذلك في شمال وسط سورية وشمال شرقها. وفي الوقت عينه، لا يمكن انتظار هزيمة «داعش» للعمل على تطوير مشروع أكبر لإنهاء العنف وإنهاء الصراع في سورية.

فرّق تسد

يُقدّر عدد مقاتلي «داعش» بين 15000 إلى 50000. منهم 10000 إلى 15000 من المقتالين المحليين المنتشرين بين سورية والعراق، فضلاً عن 10000 مقاتل أجنبي، بقوة قتال إجمالية تقدّر بـ 30000 مقاتل، ويُلاحظ أن نسبة التوظيف قد ارتفعت من جرّاء التطوّرات الدراماتيكية التي شهدتها المنطقة الصيف الفائت. فمنذ سيطرة المجموعة على مناطق الشمال والشرق السوريَيْن، يخضع سكان سورية «ما بعد الأسد» وتحديداً السنّة منهم، إلى تأثير «داعش» وغيره من التنظيمات التكفيرية، وسيشجعون في نهاية المطاف، انتشار الإرهاب في المنطقة وربما في العالم أجمع.

كان الرئيس أوباما محقاً حين إعلانه عن استحالة استعادة الأسد «الشرعية التي فقدها». وفي المدى المنظور، فإن استمرار سياسة الضغط على الأسد إلى جانب دعم «المعارضة المعتدلة»، فقط من شأنه أن ينتج التوازن السياسي المطلوب لتحقيق تقاسم السلطة الوطنية في معادلة واحدة حقيقية تأخذ في عين الاعتبار السنّة والعلويين والمسيحيين. إلا أنّ تحقيق ذلك عملية دبلوماسية بطيئة ومضنية لا تتوافر شروطها حالياً. وسيكون من السذاجة أن تأمل الولايات المتحدة وحلفاؤها أن إحياء مؤتمر جنيف قد يؤتي ثماره في هذا الشأن.

لكن السياسة الأكثر واقعية في المدى القريب، تكمن في إيجاد سبل كفيلة بانحسار المناطق التي تنشب فيها صراعات مباشرة، وذلك بهدف احتواء العنف المتطرّف والتقليل قدر الإمكان من القتلى المدنيين. لا يبدو هذا الهدف بعيد المنال، وثمّة إمكانية فعلية لتحقيقه: من خلال تنفيذ فعلي لسلسلة من الاتفاقات المحلية لوقف إطلاق النار، وتوفير السبل للاستقرار في عدد من الدول في المنطقة، حتى لو كان الصراع لا يزال دائراً في مناطق أخرى. ويمكن لاتفاقيات كهذه ـ فيما لو حصلت في مناطق مثل حماه، حمص، دمشق وحلب ـ أن تساعد في إنهاء الصراع في مناطق واسعة على طول المحورَين الشمالي والجنوبي، وأن تعيد الحياة إلى طبيعتها في هذا القطاع الحيوي من البلاد.

تسخيف المصالحات

جهد النظام مؤخّراً في مناقشة الاتفاقيات مع القوى «المعارِضة» في عدد من هذه المناطق، وحقّق نجاحاً ملحوظاً. وفي تقرير نُشر في حزيران، رصدت شركة استشارات بريطانية متخصّصة في أبحاث النزاهة، أكثر من 26 اتفاقية في عامَيْ 2013 و2014، وشملت هذه الصفقات الإسلاميين كما المعارضة العلمانية و«داعش» على حدّ سواء.

لوحظ أيضاً أنّ وقف إطلاق النار الذي تمّ التوصل اليه سابقاً في حمص، المدينة التي اصطُلح على تسميتها «عاصمة الثورة ضدّ الأسد»، والتي خضعت لحصار دام أشهراً عدّة، كانت فعالة للغاية. وسُمح لمقاتلي «المعارضة» المحاصرين والجائعين بإخلاء المدينة القديمة أوائل شهر أيار الماضي. ودعمت الأمم المتحدة كما مقاتلي «جبهة النصرة» تفعيل هذه الاتفاقية، التي تطورت في الأشهر القليلة التالية إلى اتفاقية شاملة لوقف إطلاق النار شملت حيّ الوعر، الذي يحوي عدداً من «المعارضين» وآلاف المنازل التي يسكنها نازحون من الداخل السوري. وعلى رغم الامتثال المنتظم لشروط هذه الاتفاقية ووصول قوات النظام و«المعارضة» إلى تسوية موقتة قابلة للتنفيذ. وصف إيان بلاك، الصحافي في «غارديان» البريطانية في تموز الماضي، أنّ الصراع الدائر في حيّ الوعر ثابت ومتلاحم للغاية. وأشار ايضاً إلى أن سكان الحيّ بمن فيهم موظفو الدولة يذهبون إلى اعمالهم بشكل طبيعي ويمرّون على نقاط تفتيش تابعة للجيش النظامي ولـ«المتمرّدين» لا تبعد عن بعضها سوى بضعة أمتار.

قدّم وقف إطلاق النار في حمص، جنباً إلى جنب مع اتفاقيات أخرى محلية، لمحة أكثر عمقاً وجدّية للحدّ من العنف في سورية. إذ يمكن لاستراتيجيات كلاسيكية كهذه أن تشكل نقطة البداية لترتيبات تدوم لفترة أطول من تتجمّع تدريجياً في المناطق المحلية، وتؤسّس لترتيبات مماثلة في مناطق أخرى للحصول على أكبر رقعة من الاستقرار. وسيؤدّي دعم بناء المجتمع المدني إلى تقديم الكثير من المساعدات الاقتصادية الدولية التي ستساعد المواطنين في تفعيل الحكم الذاتي واختيار حكّامهم وتشغيل المؤسسات الحكومية في محافظات مثل حلب وحمص. لكن، وبهدف تجنب الوقوع في أخطاء مشابهة حصلت في العراق، يُفترض تجنّب تفكيك المؤسسات السورية التي كانت قائمة. على سبيل المثال، الإبقاء على وجود الطائفة العلوية التي تهيمن على مفاصل الحكم في دمشق وتتمتع بدرجة عالية من النفوذ بين أعضاء الطبقة الحاكمة، والجيش الوطني، بينما يُعطى للسكان المحليين قدرة أوسع في الإمساك بوظائف الشرطة وقوات الأمن. يمكن للتقدم على طول هذه الخطوات الإيجابية أن يخفف من العداوات بين مختلف الأطراف، وأن يشجّع المنفيين السوريين على العودة إلى المناطق المستقرة في بلادهم ـ وهي خطوة من شأنها التخفيف من حدّة النزوح الكارثي الذي أنتجته الحرب وسلبيته، وإقناع «المعارضين» بأن الهدنات المحلية يمكن لها أن تحقق نتائج ملموسة.

إشاعات مغرضة

جعلت التطوّرات الأخيرة في سورية من هذا النهج أسلوباً جذاباً للغاية. فبعيداً من التهديد الذي يشكّله «داعش»، فإن تحقيق مكاسب عسكرية من قبل «المتمرّدين» في الأسابيع القليلة الماضية، استنزف الزخم العسكري لنظام الأسد، الذي ارتفعت خسائره البشرية إلى 1100 في شهر تموز فقط. واعترف خبراء من داخل الحكومة السورية بأن الموارد والقدرات والمواد المؤسّسية الحكومية ستستمرّ في التآكل كلّما طالت فترة الحرب هذه، مطلقين على هذه الهدنات مصطلح «مصالحات». أما الجماعات «المعارضة»، فانزعجت من جانبها من التمدّد «الداعشي» في شمال سورية وشرقها، وقد يميلون أكثر فأكثر إلى توقيع اتفاقيات هدنة مع النظام، لتسهيل تمرير المساعدات وتوطيد مستوى معين من الحكم الذاتي والمساعدة على إحباط أي هجوم «داعشي» متوقع عليهم. هذا التحليل ينطبق على حلب، إذ يهدّد «داعش» بالسيطرة على الحدود التي تصل المنطقة بالحدود التركية التي تؤمن الموارد الأساسية لمقالتي «المعارضة» السورية من عتاد، وتدريب ومساعدات إنسانية. وفي المقابل، فإن عقد المصالحات مع النظام من شأنه أن يخفف من إغواء مقاتلي «المعارضة» عقد هدنة مع «داعش» ضدّ دمشق. خصوصاً بعد ورود تقارير تشير إلى أنّ الجبهة الثورية السورية وهي جماعة متمرّدة غير متطرّفة تسعى إلى عقد تحالف مع داعش جنوب دمشق لأن قواتها قد أُنهِكت بسبب القتال ضدّ النظام، على رغم إنكار هذه المجموعة مثل تلك الادّعاءات .

صرّح أحد المقاتلين المحليين من «المتمردين» للصحافيين منذ أشهر قليلة، أن جماعته في شرق حلب تبرّأت من «داعش» الذي ارتكب عدداً من الفظائع في المدينة، وأنه يرى أن نموذج وقف إطلاق النار في حمص، سيكون الأفضل في الأيام المقبلة، ويقول: «نحن لا نستسلم، لأننا سنستمرّ في منع الأسد من البقاء في السلطة، إنما بوسائل أخرى، فما من أحد يمكن له أن يسود بقوة السلاح». إن مثل هذه الاعتبارات تقترح إمكانية عقد اتفاقيات وقف إطلاق النار بدلاً من الوصول إلى حالة من الدمار التام. على رغم ادّعاءات «المتمردين» بأن نظام الأسد قد ساعد في خلق «داعش» بهدف تفكيك المعارضة، أما الآن، فإن العدوّ المشترك للمعارضة كما للنظام هو «داعش».

ستواجه مقاربة كهذه تحدّيات أساسية. هناك عدد من نقاط الضعف، كالاتفاقيات الحالية على سبيل المثال. فوفقاً لتقرير النزاهة، إن هذه الصفقات غامضة ومن الصعب تنفيذها، وكان لها الأثر المخيّب للآمال على الأمن والمعيشة وشروط السلامة العامة. كما أشار التقرير إلى أنّ هذه الصفقات تفتقر إلى ثلاثة مكوّنات رئيسة للاستدامة: متطلبات قوية لتنفيذ المزيد من الهجمات تدابير بناء الثقة كمثل الإدارات المشتركة للأمن المحلي والتوزيع العادل للمساعدات الإنسانية وتشديد القيود على التصعيد العنفي في حال خرق الهدنة. عددٌ من هذه الصفقات وُقع في مناطق كانت خاضعة لجولات عنيفة من القصف والحصار التكتيكي يشبه إلى حدّ كبير ذلك الذي كان سائداً في العصور الوسطى، ما أنهك «المعارضة» المحلية والإقليمية وسبّب بانهيارها، فضلاً عن أن سكان هذه المناطق كانوا يعيشون كارثة إنسانية حقيقية. واستغلّ نظام الأسد حالة «المتمردين» المزرية وقام بتوقيع هذه الاتفاقيات بهدف تحرير موارده العسكرية والاستفادة منها في محاربة مجموعات أكثر عنفاً وأقوى تهديداً.

حلب

كما في حمص، كذلك في حلب، المدينة السورية الكبرى والمركز الاستراتيجي الأساس في الشمال الشرقي من البلاد، ستواجه صفقات وقف إطلاق النار الكثير من العقبات. شهدت حلب في السنتين الماضيتين معارك حامية الوطيس لم يستطع أيّ من قوى النظام أو «المعارضة» من تحقيق مكاسب واضحة فيها. ورصد تقرير النزاهة اتفاقاً واحداً فقط لوقف إطلاق النار مقارنة مع عددٍ منها في الغرب الجنوبي السوري. وعلاوةً على ذلك، فإن «داعش» أحكم سيطرته حول المدينة وأخضع عدداً من القرى لسيطرته خلال الصيف الفائت. ويمتلك نظام الأسد ما يقارب 6000 مقاتل نظامي فضلاً عن «الشبيحة» المدعومين من قوات «القدس الإيرانية» وعناصر حزب الله المدرّبين جيداً، والذين يحرسون الضواحي الشرقية للمدينة. غير أنّ مؤشرات عدّة كانت قد برزت في الأشهر القليلة الماضية تشير إلى مناقشات سرّية دارت بين الإيرانيين والأتراك بشأن التوصل إلى وقف محتمل لإطلاق النار في حلب أسوةً بالنموذج المطبّق في حمص. فثمّة تقارير عدّة أكدت أن مقاتلي «المعارضة» أنهكتهم الصراعات ويحتاجون إلى فترات من الاستقرار.

حتى لو فرضنا أن مثل هذه النقاشات ستثمر، يبدو أن النظام كما المجموعات «المعارضة» صار عاجزاً عن تحقيق اتفاق طويل الأمد لوقف إطلاق النار. يبدو ان الواقع الحالي يفتقر إلى وجود شخصية نظامية فذّة تستطيع التأسيس لنظام بيروقراطي يحافظ على السلامة الشخصية والإرادة السياسة، لعقد صفقة مع «المعارضة» وتفعيل المخطّطات لوضع حدّ للعنف. فـ«المعارضة المعتدلة» مقيّدة ومتوترة وعاجزة عن تنظيم المجتمع المدني، كما تنقصها القيادة الموثوقة والمتماسكة. فضلاً عن أن الغياب الكامل للثقة المتبادلة يجعل من المستحيل استعادة زمام الأمور بعد أيّ خرق استراتيجي محتمل.

استقدام الأمم المتحدة مجدّداً

من الضروري إذاً، أن تتطوّع هيئة دولية تتمتع بالسلطة اللازمة والمصداقية التامة، لأن تتدخّل لتقريب وجهات النظر بين «الأطراف المتنازعة». والهيئة الوحيدة المؤهلة للقيام بمثل هذ المهمة الصعبة هي الأمم المتحدة، التي لعبت دوراً محورياً في تفعيل وقف إطلاق النار في حمص. والهدف الأساس هنا يكمن في إقناع النظام بالموافقة على السماح لأفراد من هيئة الأمم المتحدة ومن المنظمات غير الحكومية، بجلب المساعدات إلى المناطق الخاضعة للهدنة. حينئذٍ فقط تستطيع هذه الهيئات حماية السكان المحليين والعمل في الوقت عنيه على دفع عجلة الاستقرار وإعادة الأمن والإعمار قدماً بالتعاون مع المجالس المحلية.

الدول الخليجية والأمر الواقع

ولتحقيق تأثير طويل الأمد في «الصراع السوري»، فإن اعتماد نهج وقف إطلاق النار مدعوماً ببرنامج تطويريّ، يحتاج إلى الدعم والتأييد من الولايات المتحدة والقوى الإقليمية الداعمة لـ«المعارضة المسلّحة». وقد يطالب نظام الأسد بتقديم الحكومات العربية كالمملكة العربية السعودية، قطر، وتركيا ضمانات موقتة تقضي بوقف دعم هذه الجماعات. فهذه الدول الثلاث لطالما عارضت ـ وبقوّة ـ نظام الأسد ودعمت «المعارضة» السورية. وهم يعتقدون أن سياسة ضبط النفس التي انتهجتها الإدارة الأميركية حيال الحرب في سورية، جعلت من الأسد رئيساً أكثر جرأة في طلب المعونة من حلفائه: حزب الله، إيران وروسيا، ما سمح له بالصمود ومواجهة الضغط الخارجي. وعلى رغم تقديم هذه الدول الدعم لـ«المعارضة السورية» والمساعدة في الهجمات العسكرية على «داعش»، فإنّ بعض نخبهم الحاكمة لا تزال ترى أن الأولوية هي لإسقاط نظام بشار الأسد.

يتزايد اهتمام الدول العربية بالقوات الإسلامية الآخذة في النموّ والتوسّع، ويُفترض بالولايات المتحدة وشركائها المتحمّسين أن يكونوا أكثر قدرة على اجتراح حلول لتفعيل اتفاقيات ضمنية مع هذه الدول لوقف إطلاق النار، وذلك عبر قنوات سرّية. ولضمان هذا النوع من الدعم، فإن الخطة ستحتاج إلى اعتراف خاص يُمنح للمناطق السنيّة، كتلك التي تقع على ممر حمص حماه. وهذا يتضمن تقديم المساعدات الاقتصادية لهذه المناطق، ضمان قيام حكم ذاتي فيها، كذلك ضمان عملية انتقال سياسة وطنية تؤكد على ضرورة مشاركة السنّة في الحكم وحصولهم على الغالبية في الحكومة. وفي الواقع، لن تقبل الجماعات «المعارضة» أقلّ من مستوى هذه الحلول، خصوصاً أنها «تشكّل الغالبية الساحقة من سكان سورية»، وإلا فإن الحرب قد تطول لعقود مقبلة في مواجهة ما يرون أنه نظام غير شرعي حليف للشيعة.

ليبيا نموذجاً

يمكن أيضاً لواشنطن وحلفائها أن يهدّدوا بعملية عسكرية ضدّ دمشق ـ كما حصل في ليبيا تحت رعاية حلف شمال الأطلسي ـ ما يدفع الأسد إلى نقض اتفاقيات الهدنة، ومع ذلك، فقد تتدخل الولايات المتحدة في الحرب الأهلية السورية، لكن من الأفضل تجنّب القيام بذلك. وعلى رغم أنّ ضرب مواقع «داعش» في سورية والعراق، قد يستدعي من حلفاء الولايات المتحدة التشجيع على ضرب مواقع النظام العسكرية. فالدلالات على دعم الولايات المتحدة للأسد صارت واضحة، وهي بحاجة إلى تحديد هذا المدى في تتبّع الضربات العسكرية ضدّ داعش في الجزء الغربي من البلاد، أي في مناطق قريبة يسيطر عليها النظام. وفي هذه المناطق نفسها تقوم الولايات المتحدة بتدريب المسلّحين المعارضين المعتدلين بهدف تمكينهم من السيطرة على الحكم ضدّ النظام كما ضدّ داعش في كل مكان ما سيشكل ضربة قاضية لداعش أيضاً .

وللحصول على أفضل النتائج الممكنة على المدى الطويل، على الولايات المتحدة أن تبدأ بتمهيد السبيل لإجراء محادثات استكشافية مع إيران حول سورية. فلا واشنطن ولا حتى الغرب يريدان إبطاء عملية المفاوضات بشأن السلاح النووي الإيراني لأيّ سبب كان، لكن هذا يعني فقط ضرورة تجنب المحادثات الثنائية في سورية. فربما تتمّ مثل هذه المحادثات بين واشنطن وطهران عبر قنوات استخباراتية، ما يستدعي اهتماماً جدّياً. لعبت طهران دوراً فعالاً في الضغط على رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي للاستقالة من منصبه وحثّته على الترحيب بوصول حيدر العبادي، وأكدت أنها تتكتّم على الحوار الثنائي مع الولايات المتحدة لصدّ قوات «داعش» في العراق.

ادّعاءات ضدّ إيران

سيكون من الصعب تحقيق التعاون المطلوب بين الولايات المتحدة وإيران في سورية، غير أنه ليس مستحيلاً. فإيران تدعم نظام الأسد في سورية وتمدّه بالسلاح والمال والعتاد العسكري، باعتباره الحصن المنيع ضدّ الدول السنيّة في المنطقة. لكن تدخل فيلق «القدس» الإيراني ومقاتلي حزب الله في القتال في سورية كلّف إيران كثيراً، فضلاً عن أن عدم الاستقرار السوري أضرّ بالمصالح الإيرانية في لبنان والعراق. وتشير مصادر إلى أن القيادة الإيرانية ترى أن الأسد نفسه قد تعامل مع «التمرّد» بوسائل غير كفوءة، وأنّ إيران لم تكن لتتأخر عن «التخلص من نظام الأسد» بهدف الحفاظ على نموّ مصالحها هناك، وبالتالي احتواء امتداد «داعش».

عرضت طهران عدداً من المخططات والحلول لهذا الصراع ـ على رغم تضمّن بعضها فكرة إقصاء الأسد ـ مع السماح للعلويين بالبقاء في مراكز القوة واحتفاظهم بالسلطة على أساس اللامركزية الحديثة. ومع تحرير التيار السنّي واحتواء السنّة الراديكالية والمتطرّفة، فإن خطة اللامركزية الإدارية المذكورة هنا، تجيب على المخاوف الروسية حول الإرهاب، وتحثّ موسكو على المشاركة بشكل بنّاء أكثر في الاستجابة الدولية للأزمة السورية. وإذا أظهر حينذاك النظام السوري استعداداً للتعاون على التنمية واللامركزية، فإن الولايات المتحدة وشركاءها قد يفكرون بإمكانية التخفيف من حدّ العقوبات المفروضة ضدّ دمشق لحثّها على التعاون.

أضغاث أحلام

لقد انهارت بالفعل الدولة السورية. وتشرذمت البلاد إلى أقسام متعدّدة، وهي عالقة في حرب دموية للسنة الرابعة على التوالي، وتمرّ في أسوأ حالة إنسانية كارثية عرفها التاريخ منذ الحرب العالمية الثانية، مع أكثر من مئتي ألف قتيل، وثلاثة ملايين لاجئ، وأكثر من ستة ملايين ونصف المليون من النازحين الداخليين. إن استمرار القتال العنيف من شأنه أن يضخّم الفوضى ويشجع على الانتقام المضادّ من «داعش» والجماعات «الجهادية». إنه لمن المثير للاشمئزاز أن يكون الأسد لا يزال في السلطة، غير أن رحيله الفوري لن يكون عقلانياً. إن التركيز الضيق الأفق من قبل الولايات المتحدة وحلفائها على «داعش»، سيكون حملة يستفيد منها نظام الأسد وغيره من الجماعات التكفيرية العنيفة كـ«جبهة النصرة»، كما أنها ستساعد «المعارضة السورية»، ولن يجلب الاستقرار المطلوب لسورية ولن يؤدّي إلى احتواء تهديد «الجهاد السنّي».

بغضّ النظر عن هوية الشخص الموجود في السلطة، فلا يمكن لأحد أن يحكم سورية على ما هي عليه اليوم. فهي مقلوبة رأساً على عقب، كان يمكن للنظام المركزي أن يكون فعالاً مع وجود ثمانية ملايين مواطن، غير أنّ هذا النظام لا ينطبق على 25 مليوناً. الخبراء في النظام يدركون ذلك تماماً، وقد لمّحوا مراراً إلى الحاجة الضرورية إلى اعتماد المزيد من «تقرير المصير» و«اللامركزية». وبالنظر إلى استمرار نموّ تهديد «داعش» المتزايد، فإن لدى الولايات المتحدة الآن هدفاً يتمثل في إقناع الدول التي دعمت «المعارضة» السورية أن تخفف من دعمها هذا، ومن التركيز على إسقاط نظام الأسد، والتركيز بدلاً من ذلك على الحدّ من زيادة العنف. وعلى إدارة أوباما ألّا يغيب عنها، في الوقت عينه، أنه لا القوى الإقليمية ولا «المعارضة» السورية ستسمح بتنفيذ وقف قريب لإطلاق النار.

من غير المسموح أن تتحول اللامركزية الفعلية إلى «صفقة» حيث يبقى نظام الأسد في السلطة إلى أجل غير مسمّى. هذا غير مسموح. يمكن للتحوّل الحقيقي في سورية أن ينتظر، لكن لا بدّ له أن يأتي في نهاية المطاف.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى