حرب استنزاف في عفرين… وفشل تركي في تغيير خطوط الانتشار العسكرية جنبلاط يقرع جرس الطائف… والتوترات الرئاسية لا تُصيب موعد الانتخابات

كتب المحرّر السياسي

تواصلت الحرب التركية في شمال سورية لليوم الثالث، من دون تسجيل أيّ تقدّم في ميادين القتال البرية، رغم الزجّ بجماعات المعارضة المسلحة التابعة لأنقرة، في ثلاثة محاور فشلت في إحداث اختراق جدّي عليها، فيما سجّل سقوط عشرات الإصابات بين المدنيّين بالقصف المدفعي والجوي، ورغم الفسحة المعطاة للجيش التركي ليحقق بعضاً من الأهداف التي وضعها لمعركته في عفرين، بدا أنّ حرب استنزاف تلوح في الأفق إذا بقي العجز عن تحقيق أيّ تقدّم ميداني سمة الهجوم التركي، خصوصاً أنّ المداخلات الدولية التي تراعي الوضع التركي لا تزال هي الحاضرة، سواء مع الدعوة التي وجّهتها فرنسا لمجلس الأمن الدولي للتشاور، والتي انتهت من دون بيان أو قرار، أو باللغة التي اعتمدها كلّ من الروس والأميركيين والتي تبدي تفهّماً للتطلعات التركية، ولو تبادل فيها الدبلوماسيون في موسكو وواشنطن الاتهام بتحميل المسؤوليات عن تدهور الوضع.

بالتوازي شهدت موسكو تحرّكات متعاكسة حول مستقبل مؤتمر سوتشي للحوار الوطني السوري، فبينما تحدّثت مصادر قيادية في الجماعات الكردية التي كانت مدعوّة للمشاركة عن نيّتها مقاطعة المؤتمر وتحميل موسكو مسؤولية تسهيل ما وصفته بالعدوان التركي على المناطق الكردية، التقى وزير الخارجية ووزير الدفاع في موسكو وفداً رفيعاً من هيئة التفاوض التابعة لجماعة الرياض لمناقشة فرص المشاركة في محادثات سوتشي، وهو ما بدا نوعاً من المسعى التركي لدعم الحركة الروسية أملاً بالحصول على مزيد من الفرص للفوز بحاصل المواجهة العسكرية قبل أن تقرّر موسكو البدء بالتغيير لصالح الدعوة لوقف النار، وتقديم الأولوية لدعوات احترام السيادة السورية والحوار السياسي بين الفرقاء.

لبنانياً، وقّع رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون مرسوم دعوة الهيئات الناخبة، في رسالة تأكيد عدم تأثر موعد إجراء الانتخابات النيابية بالتجاذبات السياسية التي تشهدها العلاقات الرئاسية والخلافات المتصلة بتعديل مهل قانون الانتخابات التي تنتظر حسماً حكومياً، بينما سجل على صعيد التجاذبات الرئاسية انضمام النائب وليد جنبلاط إلى موقف علني مؤيّد لموقف رئيس مجلس النواب نبيه بري من زاوية التحذير مما سمّاه الرئيس بري باللاطائف واللادستور، ووصفه النائب جنبلاط بالمخاطرة بالطائف ولغة التوافق، منبّهاً من أنّ قرار الحكومة حول مباريات مجلس الخدمة المدنية غير دستوري، لأنّ التعيينات في الفئات الثانية والثالثة والرابعة لا تخضع للتوزيع الطائفي وفقاً للدستور، داعياً رئيس الحكومة للعودة إلى التحرك لترتيب البيت الحكومي تحت سقف التوافق والتفاهمات التي يقوم الطائف على احترامها، بينما بقيت الملفات الخلافية عالقة بانتظار عودة رئيس الجمهورية من زيارة الكويت وعودة رئيس الحكومة من مشاركته في مؤتمر دافوس الاقتصادي في سويسرا.

بري وجنبلاط يرفعان السقف: لا لتجويف الطائف

وفي ما يعيش قانون الانتخاب حالة من المدّ والجزر، عادت أزمة مرسوم الأقدمية لتتصدّر المشهد السياسي مع رفع جبهة عين التينة – كليمنصو سقف مواقفها الرافضة لمحاولات تفريغ اتفاق الطائف من مضمونه.

وقد أدرك رئيس المجلس النيابي نبيه بري أن رئيس الحكومة سعد الحريري جمّد مساعيه على خط الوساطة مع الرئيس ميشال عون الذي كرّر موقفه الرافض أي تسوية واعتبار المرسوم نافذاً لا سيما بعد رأي «هيئة التشريع والاستشارات» الذي أجهض اقتراح بري الذي عوّلت عليه عين التينة لحل الإشكال.

هذا الواقع دفع برئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط الى إرسال موفده النائب وائل أبو فاعور الى عين التينة، حيث التقى الرئيس بري، الذي اختصر حجم الأزمة بقوله أمس: «الذي يطبق اليوم على اللبنانيين هو اللاطائف واللادستور». بينما قال النائب جنبلاط عبر «تويتر»: «وخلف كل قرار تقريباً من مجلس الوزراء يجري تعميق وزيادة العجز بدل الحد منه، لكن الاخطر يجري تجويف وتفريغ الطائف بدل التمسك به وتطويره».

وقال جنبلاط في تغريدة أخرى: «كفى تلاعب بمصير الناس، أن الفئة الرابعة والثالثة والثانية لا تخضع للتوازن الطائفي». وأضاف: «أن قرار مجلس الوزراء عن الخدمة المدنية مخالف للدستور فكفى تطويع انتخابي في الجيش والأمن الداخلي».

وقد أكد أبو فاعور بعد لقائه بري أن «وساطة رئيس المجلس في ما خصّ أزمة مرسوم الأقدمية فُرملت ولا مصلحة لأحد في ذلك». وتحدّث عن «مخاوف جدية على الطائف، خصوصاً أن البعض يريد اعتباره نصاً مهملاً»، وأشار الى أن «هناك اليوم قفزاً فوق الطائف في النصّ والروحية وقد وُضع لضمان مشاركة الجميع»، وأمل من رئيس الحكومة سعد الحريري «معاودة مساعيه على هذا الخط». وقال أبو فاعور «إننا في دوامة حقيقية اليوم، ولا يجوز اتخاذ مواقف نصبح أسرى لها واتخاذ مواقف غير واقعية كالقول إن المرسوم أصبح نافذاً، فالمرسوم لم يصبح خلفنا».

وحذّرت مصادر نيابية في كتلة التنمية والتحرير من أن «القفز فوق الدستور هو طعن بالدستور نفسه، وقالت لـ «البناء»: «إذا كانوا يريدون تعديل الطائف فليعلنوا هذا الأمر وليطرح الموضوع على بساط البحث وعلى طاولة الحوار بين جميع القوى السياسية».

ورفضت المصادر وضع زيارة موفد جنبلاط في خانة إنشاء جبهة ضد بعبدا، مضيفة أن «جنبلاط يؤيد بري في توصيفه بأن ما يحصل خرق دستوري وانتهاك للطائف لا سيما أن بري تنازل عبر اقتراحه دمج المرسومين غير أن من أشار على رئيس الجمهورية في توقيع المرسوم قطع الطريق على مبادرة الحريري عبر رأي هيئة القضايا والاستشارات في وزارة العدل».

وتعود المصادر بالذاكرة الى اتهام البعض للثنائي الشيعي بمحاولات تعديل الطائف لمصلحة تكريس المثالثة في الحكم، مشيرة الى أن «المكوّنات الشيعية لم ولن توظف فائض القوة في تغيير روح أو جوهر الطائف بل ستصرفه في تثبيت وتدعيم الطائف واستكمال تنفيذ بنوده، لأنه الصيغة الثابتة والوحيدة الذي يحكم العلاقات ويحقق التوازن بين الطوائف والاستقرار في البلد».

وأوضحت أن «المبنى القانوني والدستوري في مرسوم الأقدمية لا يكتمل إلا بتوقيع وزير المال بمعزل عن طائفته، لأنه وزير الوصاية المالية على باقي الوزارات لا سيما في القرارات والمراسيم التي ترتب أعباءً مالية»، وتتساءل المصادر: «لماذا خرج مرسوم الأقدمية من طاقة المجلس النيابي ودخل من الباب العريض لمجلس الوزراء؟». وتنظر المصادر بعين الريبة إلى إثارة البعض قضية إيلاء وزارة المال الى الطائفة الشيعة بعد أزمة المرسوم مباشرة، ما يثير تساؤلات حيال تكريس الثنائية واستبعاد مكوّنات أساسية من المشاركة في الحكم؟

مقاربة جديدة في بعبدا؟

في المقابل نقل زوار بعبدا لـ «البناء» إصرار الرئيس ميشال عون على موقفه من مرسوم الأقدمية واعتبار توقيعه قانونياً ودستورياً ويندرج في صلب صلاحياته، ولفت الزوار الى ضرورة معالجة الأزمة عبر حوار مباشر بين الرئيسين عون وبري، مشيرين الى خطورة استمرار الأزمة وامتدادها الى مختلف الملفات كالانتخابات النيابية والقضايا الحياتية والاقتصادية، لكن الزوار خرجوا بعد لقائهم الرئيس عون بانطباع بأن رئيس الجمهورية سيعيد مقاربته للخلاف المستجدّ مع رئاسة المجلس من زاوية المصلحة الوطنية.

وعشية مغادرته لبنان، وقع رئيس الجمهورية مرسوم دعوة الهيئات الناخبة لانتخاب أعضاء مجلس النوّاب في 6 أيار في لبنان، 3 أيار الموظفين المشاركين في العملية الانتخابية، 27 نيسان اللبنانيين في الدول العربية، و29 نيسان اللبنانيين المسجلين في أميركا وأوروبا وأفريقيا.

وأقرن عون توقيعه المرسوم بموقف حاسم وجازم من الاستحقاق النيابي الذي تتلاطمه الأمواج السياسية في ضوء التحذير من أن تؤدي عاصفة الخلافات حول الإصلاحات الانتخابية الى تطيير الانتخابات. وأكد عون اليوم أن «الانتخابات النيابية خط أحمر وستجري في موعدها لسلامة الديمقراطية والجمهورية معاً»، مشيراً أمام المجلس العام الماروني الى أن «مسيرة الإصلاح ومكافحة الفساد وصرف النفوذ ومنع الهيمنة على مقدرات الدولة لن توقفها عوائق».

وعلّق وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق على توقيع عون في تغريدة بالقول: «توقيع الرئيس عون مرسوم دعوة الهيئات الناخبة هو أبلغ ردّ على كل الشكوك والشائعات، وتأكيد أن الانتخابات ستجري في مواعيدها الدستورية، ولا رجوع عن الالتزام بإجرائها».

«التيار الحر»: المهلة لا زالت متاحة للتعديل

على خط تعديل المهل لتسجيل المغتربين وتعديل قانون الانتخاب، قالت مصادر نيابية في التيار الوطني الحر لـ «البناء» إن «المهلة لا زالت متاحة أمام مجلس الوزراء لوضع الآليات التقنية والقانونية لتطبيق الإصلاحات الواردة في قانون الانتخاب حتى منتصف شباط المقبل»، ولفتت الى «أنه إذا كان إصدار البطاقة الممغنطة يحتاج الى وقت وتكلفة مادية كبيرة، غير أن البطاقة البيومترية ليست كذلك وبالإمكان إصدارها ووزير الداخلية أقرّ في أحد اجتماعات اللجنة الوزارية أن وزارته تستطيع إنجازها». وأوضحت المصادر أن «الوزير جبران باسيل اقترح بأن يتمّ الاقتراع خارج مكان القيد لرفع نسبة المشاركة وإنشاء 7 مراكز كبيرة «ميغاسنتيرز» موصولة ببعضها إلكترونياً لتجنب التزوير، وبالتالي يمكن التصويت من دون تسجيل مسبق، لكن هذا رفض أيضاً من قبل الآخرين غير أننا عدنا ووافقنا على التسجيل المسبق فعادوا ورفضوا ما يعني أن محاولات لإجهاض الإصلاحات في مهدها، ودعونا الحكومة لإعداد مشروع قانون يحدد بعض الإصلاحات ويتعهد الجميع بأن لا يطالبوا بتعديلات أخرى، فاتهمنا بتطيير الانتخابات، فهل مَن رفض التمديد يتّهم بذلك؟».

وحذرت المصادر من أن «عدم تطبيق القانون ومواده الإصلاحية يشرع الباب أمام الطعن فردياً أو بالمجلس برمته».

على صعيد آخر، علمت «البناء» أن التيار الوطني الحر حسم مرشحيه في دائرة بعبدا عن المقاعد المارونية الثلاثة وهم النواب الحاليون ألان عون وناجي غاريوس وحكمت ديب، فيما كان حزب «القوات اللبنانية» قد أعلن سابقاً عن مرشحه في بعبدا وهو وزير الشؤون الاجتماعية بيار أبي عاصي، كذلك حسم النائب وليد جنبلاط اسم مرشحه لهذه الدائرة وهو مفوض الداخلية في الحزب التقدمي الاشتراكي هادي أبو الحسن، على أن يعلن جنبلاط رسمياً عن باقي مرشحيه في مختلف الدوائر في مؤتمر صحافي يعقده الأحد المقبل، ولم يحسم «التيار الحر» تحالفاته في دائرة بعبدا، لكنها ثابتة مع حزب الله بحسب مصادر «التيار». وتضمّ دائرة بعبدا 6 مقاعد 3 موارنة و2 شيعة ومقعد درزي.

النفايات تجتاح الشاطئ

وقبل أن تحلّق طائرتا رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة فوق الأجواء اللبنانية الأولى باتجاه الكويت والثانية الى دافوس، كان الشاطئ اللبناني على موعدٍ مع كارثة بيئية تمثلت باجتياح نفايات مطمر برج حمود للشاطئ المواجه المنطقة الممتدة بين نهر الكلب ومعمل الزوق الحراري. وفي وقت أشارت معلومات الى أن أمواج العاصفة حملت نفايات مطمري برج حمود الجديدة والغدير الكوستابرافا الى شاطئ كسروان إثر انهيار الجدران التي تحيط بالمطامر، نفى مجلس الإنماء والإعمار في بيان هذا الأمر، مشيراً الى أن «المطمرين محميان بمنشآت خرسانية يستحيل معها أن تدخل مياه البحر إليهما».

وقد أعطى رئيس الحكومة توجيهاته للهيئة العليا للإغاثة للتحرّك بسرعة لمعالجة هذه المشكلة. وقد تقرر على الأثر الإيعاز لفرق التنظيفات المختصة بهذا الموضوع للمباشرة ابتداء من السادسة من صباح اليوم الثلاثاء واتخاذ الإجراءات المطلوبة ووضع كل الإمكانات اللازمة لإزالة النفايات وتنظيف الشاطئ كلياً، وإعادته كما كان عليه.

الى ذلك تزايدت المخاوف من تكرار هذه الكارثة في أكثر من منطقة بحرية وسط توقعات مصلحة الأرصاد الجوية من قدوم عاصفة جوية جديدة تضرب لبنان والبحر الأبيض المتوسط تحمل معها أمطاراً وثلوجاً ورياحاً قوية.

الوفد الأميركي في بيروت!

في غضون ذلك وغداة نفي الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله المزاعم والاتهامات للحزب بالاتجار بالمخدرات، وتحذيره المسؤولين اللبنانيين من التراخي في التعامل مع هذه القضية، وصل الى بيروت أمس، وفد أميركي رفيع برئاسة مساعد وزير الخزانة لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب مارشال بيلينغسليا، حيث يمكث فيها يومين ويجتمع بكبار المسؤولين وشخصيات ادارية ومالية بشأن الشبكات السرّية الإرهابية، وتلك التي تتاجر بالمخدّرات والممنوعات وتهريب الأموال بين الدول. وبدأ الوفد لقاءاته أمس، بلقاء الرئيس الحريري بحضور السفيرة الأميركية إليزابيث ريتشارد، وعرض معه الأوضاع العامة في لبنان والمنطقة والعلاقات الثنائية بين البلدين، ثم التقى الوفد الرئيس عون الذي أبلغ ضيفه أن «لبنان يشارك بفعالية في الجهود العالمية الهادفة الى مكافحة تمويل الإرهاب وتبييض الأموال، من خلال مصرفه المركزي والسلطات المالية المختصة، وذلك وفق المعايير والقوانين الدولية المعتمدة». وشدد الرئيس عون على ان «المؤسسات الامنية اللبنانية ساهرة على ملاحقة الخلايا الارهابية النائمة بعد الهزيمة التي ألحقها الجيش بتنظيم «داعش» في الجرود اللبنانية، وان العمليات الأمنية الاستباقية أثبتت جدواها».

وأكد رئيس الجمهورية أن «الأجهزة المختصة والجمارك أحبطت الكثير من عمليات تهريب المخدرات على أنواعها، علماً أن المهربين استخدموا أساليب متطورة لتمرير المخدرات لكن محاولاتهم باءت بالفشل». ونبّه الرئيس عون الى ان «الإرهاب والمال مصدران أساسيان للحروب، الإرهاب يوفر الحافز والمال يؤمن الوسائل».

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق