السقوط الكبير للاقتصاد على طريقة الحريريّة السياسية؟

د. وفيق إبراهيم

ما يحدث في لبنان حالياً أكبر من أزمة اقتصادية عابرة، يمكن للنظام السياسي إيجاد حلول لها بالكثير من الدَّيْن، فالمزيد من الاقتراض يشبهُ في لبنان والبلدان التي على شاكلته، كبالعِ سُمّ مُحلّى ومفعوله القاتل بطيءٌ وتدريجيٌ وحاسم.

لذلك لا بدّ من الإشارة إلى تراجع نظرية التحشيد الطائفي والمذهبي والشعارات الوطنية والإقليمية أمام صعود الجوع وتفلّت جياعه بشكل غير مسبوق لم تعرفه بلاد الأرز منذ تشكّل دولتها في 1948. بما يعني اضمحلال نظرية جذب الناس باستحضار القدّيسين والأولياء والأئمة والأخطار الخارجية، فهؤلاء لا يتحمّلون عيارات فساد على النموذج اللبناني، أيّ الفساد السياسي والاقتصادي قاعدة الحكم الأساسية، فيما النزاهة استثناء طفيف.

لماذا يتفلّت الشارع؟

الاضطرابات التي شملت العاصمة ومدناً وقرى في الشمال والجنوب والبقاع هي عيّنة بسيطة للمقبل من الأحداث. فالتراجع الاقتصاديّ مستمرّ بمعدلات بطالة كارثية وتضخم قاتل، وسط غياب مرتفع جداً لخدمات الكهرباء والمياه العذبة ورفع النفايات المنتشرة في زوايا لبنان الذي يفترض أنه بلد سياحي.

هذه الاضطرابات لا تزال بسيطة وغريزية تعكس انسداداً كاملاً للآفاق أمام الشباب اللبناني الذي تضاعفت مصائبه الداخلية بالانقطاع شبه الكامل لإمكانية العمل في الخارج. فالخليج متوقف عن استقباله بنسب عالية جداً وكذلك أوروبا وكندا والولايات المتحدة الأميركية. ويُضاف التضييق المصرفي الكبير بقرار مقاطعة أميركي على حركة التحويلات، ما استتبع تراجعاً في تحويلات المغتربين اللبنانيين إلى ذويهم في الداخل بمعدلات عالية جداً.

كما أنّ الدعم الإقليمي للقوى السياسية في الداخل اللبناني مقطوع بدوره وينعكس تضييقاً على الدوائر الشعبيّة المستفيدة منه، ومجمل الحركة الاقتصادية في البلاد راكدة بيعاً وشراء، وإلا كيف نستوعب إقدام رئيس الحكومة سعد الحريري على إقفال تلفزيون المستقبل الخاصة والمعبّرة عن سياسة حزبه المستقبل واتجاهاته الإقليمية والدولية، ربطاً بما للإعلام من قدرات على التحشيد.

إنّ مجمل هذه العناصر المذكورة المرتبطة بفساد سياسي من النظام الطائفي الحاكم للبلاد ووكلائه في الإدارة والقضاء نهبت الاقتصاد اللبناني بقسمَيْه الخاص والعام مبدّدين الأملاك البحرية والعامة وعابثين بالجمارك والمرافئ والمعابر والمطارات والصفقات، فارضين عشرات آلاف الوظائف لأنصارهم في القطاع العام من دون أدنى حاجة إليهم مكرّسين الموالين اليهم قيادات في مواقعهم ما أدّى الى تعطيل الأعمال السليمة وتصاعد مفهوم الرشى من السريّة إلى العلنية من دون أيّ حياء أو مساءلة قانونيّة، حتى أنها أصبحت ضريبة إضافية يدفعها صاحب الحاجة من دون مساءلة أيضاً، ولم يعُد التشهير بسياسيّي لبنان في الإعلام ووسائل الاتصال الجماهيري يكفي لإيقاف فسادهم، لأنهم يعرفون أنّ بضعة أيام فقط على رواج الاتهامات كافية لكي ينساها الناس بغياب أدوات المتابعة الحزبية والجماهيرية.

هناك ملاحظة لا يجوز إغفالها وتتعلّق بإصرار قسم من الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان على إغلاق الحدود مع سورية ومنع التعامل الاقتصادي معها مع الاكتفاء بمرور اجتماعي بسيط، وذلك تلبية لأوامر ارتباطاتها الدولية الأميركية والعربية من السعودية الذين أرادوا إسقاط نظامها السياسي. وهذا تسبّب إلى جانب فساد الحكام السياسيين بضرب قطاع الخدمات اللبناني وإضعاف السياحة ما أصاب نصف اللبنانيين تقريباً.

كيف وصل الوضع إلى هذا المستوى الإفقاري؟

تميّزت مرحلة المارونية السياسية العام 1948 وحتى بداية التسعينيات بولاء للغرب والخليج إنما على قاعدة فساد متدنّ وإنتاج إداري عالي المستوى، واهتمام مركّز على قطاع الخدمات والسياحة، وكانت الحدود السورية رئة الاقتصاد اللبناني، على الرغم من تبعيّة لبنان السياسيّة لدول لا تزال تعادي سورية حتى الآن.

هذا النمط السياسي المتدبّر انقلب رأساً على عقب مع وصول المرحوم رفيق الحريري الى رئاسة حكومة لبنان مدعوماً من ثلاثية أميركية سوريّة وسعودية، فحمل معه نمطاً شبه مستسلم يوالي فيه هذه التغطيات الداعمة بشكل مفتوح.

مقابل هذه التغطية انتزع الحريري ميزة إدارة الاقتصاد اللبناني بنظرية الإنماء بالدَّيْن على قطاعات غير منتجة وفي بلدٍ لا إنتاج فيه، وحين حذّره اقتصاديون موالون له من مخاطر هذه النظرية أجابهم بأنّ»السلام المقبل مع «إسرائيل» بإمكانه إعادة الازدهار إلى لبنان وتسديد كامل الديون».

لم يكتفِ «الشهيد» بهذه الحدود، ففتح أموال الدولة لإرضاء المحاور الشيعية والدرزية والمسيحية وإلحاقها بمشروعه، حتى أنه استعمل النفوذ الغربي لجذب القيادات الكنسيّة على شاكلة الكاردينال الراحل صفير.

هذا ما ضاعف من حجم الدين العام الى جانب استشراء حركة فساد أكملت على ما تبقى من أموال اللبنانيين، وواصل ورثته تطبيق طريقته السياسية الاقتصادية إنما مع شيء إضافي وهو التذرّع باندلاع الأزمة السورية، لإقفال العلاقات الاقتصادية مع دمشق والسماح لبعض أنواع الإرهاب باستخدام الشمال والمخيّمات مراكز لشحن الإرهابيين فكرياً ونقلهم لوجيستياً الى سورية. فكيف يمكن لبلد في حالة حرب داخلية مخيفة مثل سورية ان يؤمّن الكهرباء 24 ساعة يومياً، بانياً عبر شركات إيرانية شبكة كهربائية كاملة ويعمل على بناء أخرى فيما لبنان ينتج الكهرباء من استئجار بواخر تركية بمليارات الدولارات؟

وكيف تستطيع شركة سيمنس الألمانية بناء شبكة كهرباء في العراق بعام واحد ولبنان رفض عروضها مواصلاً استئجار البواخر؟

هذه هي الحريريّة السياسيّة من الأب الشهيد الى الابن المتّهم اليوم بإهداء راقصة جنوب أفريقية 16 مليون دولار دفعة واحدة.

يبدو أنّ البلاد تمرّ بمرحلة أفول الحريرية السياسية سياسياً واقتصادياً، لكن البديل فيها يحتاج لوقت كافٍ للتشكل. وكلّ الخشية أن لا تكون هذه المرحلة الانتقالية مرحلة اضطرابات شعبية عنيفة ومروّعة قد تستفيد منها فئات خارجية لإعادة الاقتتال الطائفي الى البلاد. فاحذروا أيّها السياسيون من مقبل الأيام، وذلك بالالتزام بسياسات تغيير جذرية تتطلب أولاً ما لا يمكن ان تفعلوه، وهو رحيلكم وتخلّيكم عن السلطة لمصلحة لبنان الجديد.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق