إيران على رأس لائحة القوى الإقليمية !

د. وفيق ابراهيم

أربعة عقود بدت كافية لتنتقل إيران من جمهورية اسلامية تتعرض لحروب ومقاطعات وحصار وبشكل متواصل الى دولة إقليمية وازنة تجيد الدفاع عن مسألتين: أراضيها وتحالفاتها وبالتالي إقليميتها.

لم تصل إيران الى هذا النجاح إلا بعد صراع مفتوح ومستمر مع الولايات المتحدة الأميركية التي استهدفتها منذ اعلان جمهوريتها الإسلامية في 1979، حتى استنفدت كامل آلياتها بدءاً من العراق في مرحلة 1980 1988 ومصر والسعودية و»إسرائيل» وتركيا وباكستان.

اليوم بعد 40 عاماً على ولادة جمهوريتها الإسلامية تشارك إيران اواخر هذا الشهر مع روسيا والصين في مناورات بحرية في المحيط الهندي المتصل ببحري الأحمر والخليج بما يشبه رسالة حادة لمن يهمه الأمر بولادة ائتلاف بين القطبين الروسي والصيني اللذين دخلا في نظام القوة الاساسية في العالم في اطار معادلة متعددة الرؤوس وبين إيران التي تمكنت من التربع على أعلى الدرجات في لائحة الدول الإقليمية في الشرق الاوسط.

كيف احتلت الجمهورية هذا الموقع؟

التأكيد على تميّزها، ليس مديحاً انشائياً ليس له ما يعادله، والدليل بدأ مع الحرب العراقية التي شنها الرئيس العراقي السابق صدام حسين عليها لثماني سنوات متتالية 1980 1988 مستغلاً حالة الضعف والإرباك التي عاشها بعد سقوط دولة الشاه في 1979.

اما خصائص هذه الحرب فعراقيتها عسكرياً وتغطيتها الأميركية وتمويلها الخليجي الكامل والتأييد العربي الإسرائيلي لها. سورية بمفردها وقفت ضد هذه الحرب، لكن إيران نجت بدفاع مستميت استلزم أعواماً ثمانية حتى دحرت العراقيين الى بلادهم في معارك عنيفة أوقفها الخميني عند حدود بلاده مع العراق.

وهكذا أسقطت إيران مشروعاً صدامياً كان يريد دوراً لبلاده في الإقليم.

كما منعت إيران مصر من نشر ثقافة الاستسلام باتفاق كمب ديفيد الذي عقدته مع «إسرائيل» 1979 فمولت وسلحت قوى فلسطينية ولبنانية مقاومة. ودخلت بشكل مباشر للدفاع عن عراق ما بعد صدام في وجه إرهاب مدعوم من تركيا وعالمياً وأميركياً فنجحت مع القوى العراقية المتحالفة معها في دحره وتحقيق توازن لمصلحتها في عراق لا يزال قسمٌ منه محتلاً من الأميركيين.

بذلك أعادت التوازن الى القضية الفلسطينية وحالت دون القضاء عليها، هذا بالإضافة الى دعمها المباشر لسورية تمويلياً وعسكرياً واستشارياً في وجه إرهاب دولي بمئات آلاف المسلحين 2001 2019.

لقد تمكنت إيران الإسلامية في الحروب على الارهاب من القضاء على ادوار قوتين إقليميتين هما تركيا و»إسرائيل» كما اصابت الدور الإقليمي السعودي في لبنان وسورية والعراق ومنعته من التمدد نحو الداخل الإيراني، كما كان يخطط ولي العهد محمد بن سلمان.

هناك اذاً دولٌ كانت تتمتع بأدوار إقليمية اساسية في الشرق الاوسط، وهي مصر والعراق والسعودية وتركيا تراجعت لمصلحة تقدم الدور الإيراني.

هذا الى جانب المجابهة الإيرانية الإسرائيلية في ميادين سورية والعراق والتي انتهت بدورها او على وشك ان تنتهي بعجز إسرائيلي عن إحداث اي تغيير في معادلة المنطقة.

لجهة تركيا فتحاول إيران استيعابها بتنظيم التباين في وجهات نظريهما في سورية والعراق، مقابل التعاون في وجه الحصار الأميركي المستهدف للبلدين معاً.

فلا يتبقى إلا باكستان من الدول القادرة على أداء دور إقليمي في الشرق الاوسط، لكنها تجنح تاريخياً لأداء هذه الادوار في آسيا الوسطى وتخشى من تحالف إيراني مع الهند العدو اللدود لباكستان.

لذلك اعتمدت إيران لتحييد باكستان النووية الخاضعة للنفوذ الأميركي وذات العلاقة المميّزة بالسعودية على عناصر عدة لمنع استغلال باكستان في حصارها.

أول هذه العناصر هو الغاز الإيراني الذي تستورد باكستان منه كميات كبيرة، الى جانب التبادل الاقتصادي بينهما الذي يصل الى 15 مليار دولار، أما العناصر الأخرى فتعرضهما المشترك لأخطار قومية «البلوش» الموجودين في مناطق حدودية بين البلدين ويريدون الانفصال عن إيران وباكستان. هذا بالاضافة الى ان 30 في المئة من الباكستانيين هم من الشيعة.

لذلك فضلت باكستان عدم الانجرار في إطار الخطة الأميركية السعودية لمهاجمة إيران. واكتفت بحياد دقيق حرصاً على أمنها الخارجي والداخلي.

بذلك تكون الجمهورية الإسلامية استهلكت بالكامل معظم الآليات الشرق اوسطية العاملة في اطار الخطة الأميركية، وهي مصر والسعودية وعراق صدام وتركيا و»إسرائيل» وباكستان. وهذا لا يعني انها انهتها كافة في المنطقة، لكنها استوعبت خطرها بوسائل عسكرية وسياسية واقتصادية واسهمت بتشكل حلف كبير يساندها من افغانستان الى اليمن فالعراق وسورية ولبنان.

فهل يمكن نسيان إسقاطها طائرة مسيرة أميركية واحتجازها بارجة بريطانية ونجاح حلفائها اليمنيين في تفجير مصافي أرامكو وتحرير 500 كيلومتر مربع في أعالي الحدود اليمنية، وسيطرة حلفائها في العراق وسورية ولبنان على السياسة في بلدانهم.

في إطار هذه المعطيات التي تؤكد على الدور الإقليمي الكبير لإيران وتفوقها على المنافسين، يمكن استيعاب اسباب الإصرار الروسي الصيني على التحالف مع إيران وتنظيم مناورات عسكرية معها في المحيط الهندي.

وهذا اعتراف واضح بنجاح الجمهورية الإسلامية في تثبيت دور إقليمي كبير يقف غير بعيد عن أبواب القوى العالمية المتعددة القطب، في معظم القارات التي أصبحت متيقنة من أن إيران باب رئيسي وازن للشرق الأوسط الجديد

اضف رد