تركيا والعدوان على سورية.. تواطؤ أميركي وانكسار كردي.

د. حسن مرهج

من جديد يعود مشهد الشمال السوري إلى واجهة الأحداث والتطورات في سياق الحرب على سورية، لكن هذه المرة، يبدو أنّ الشمال السوري سيكون على موعد جديد مع معادلات واصطفافات إقليمية ودولية جديدة، خاصة أنّ تركيا أردوغان وفي ظلّ الأحلام العثمانية، قد ذهبت بعيداً في أطماعها بالجغرافية السورية، وبصرف النظر عن الذرائع التركية لجهة المنطقة الآمنة أو التهديدات الكردية، فإنّ الواقع السياسي والعسكري في الشمال السوري، يفرض على كافة الأطراف الفاعلة والمؤثرة في الشأن السوري، أن تتعامل مع العدوان التركي من منظور توسعي مُهدّد ليس للدولة السورية فحسب، بل إنّ نتائج وتداعيات العدوان التركي على الشمال السوري، ستطال المسارات السياسية والعسكرية كافة في الشرق الأوسط، على اعتبار أنّ سورية نقطة تحوّل جوهري في الاستراتيجيات الناظمة للعلاقات الإقليمية والدولية. وعليه فإنّ العدوان التركي على سورية يُدخل المنطقة وسط توترات في جغرافية تشهد تعقيدات جمّة، الأمر الذي سيؤدّي بلا ريب، إلى المزيد من التعقيدات لجهة الحلّ السياسي في سورية.

في حيثيّات العدوان التركي على الشمال السوري، يبدو واضحاً أنّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قد سقط في الفخ الأميركي، من بوابة أطماعه وخططه. فالمنطقة الآمنة التي تمّ الاتفاق عليها بين الطرفين، لم تكن سوى لغم سياسي زرعته واشنطن في سياق الاستفزازات التركية لواشنطن، خاصة أنّ واشنطن لم تنسَ بعد صفقة الصواريخ الروسية S-400، كما أنّ ترامب وبدهائه السياسي، يُريد خروجاً مُشرّفاً له من سورية، ليتمّ استثماره سياسياً في الانتخابات المقبلة، وبالتالي فإنّ أردوغان قد ذهب بقدَميه إلى المستنقع السوري، فإنْ كان يظن أنّ عدوانه على سورية سيكون بمثابة جائزة ترضية أميركية على خدماته في سورية، فهو واهم. وإنْ كان يظنّ بأنّ في هذا العدوان مكاسب سياسية له تُصرف في الداخل التركي عُقب خسارته في الانتخابات فهو واهم أيضاً. كما أنّ جُملة المواقف العربية والغربية المُنددة بالعدوان، وإنْ كانت تأتي في سياق سياسي غير مؤثر أو فعّال لجهة الحرب على سورية وتفاصيل الحلّ السياسي فيها، إلا أنها تُعتبر سدّاً منيعاً في وجهة طموحات أردوغان، وستُشكل في مضمونها وأهدافها أبعاداً قد لا يُدرك أردوغان تبعاتها وتأثيراتها على جُلّ خططه وأحلامه.

في المقابل، فإنّ الكرد أيضاً قد أسّسوا لمشروع وهمي بالاعتماد على الأميركي، ولعلّ التقاط الفرص قد لا يتكرّر وسط التعقيدات المرافقة للحرب على سورية. فالكرد أغرقوا أنفسهم في لعبة دولية وهم أساساً لا يجيدون السباحة في التيارات المعاكسة. فالأميركي صنع منهم مجذافاً للعبور في المستنقع السوري وتحقيق أطماعه، وتركيا صنعت منهم أكذوبة تُهدّد الأمن القومي التركي، ليكونوا بذلك شماعة تُدخل تركيا إلى الجغرافية السورية، وبين الأميركي والتركي تاهت خُطى الكرد. فاليوم تشهد مناطقهم استهدافات تركية غايتها الأولى والأخيرة تغيّر المشهد السوري، وهم ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا وقوداً لأميركا وتركيا على السواء. فحين فُتحت لهم أبواب دمشق، آثروا أن يرتموا في حضن الأميركي، رغم أنّ الرئيس بشار الأسد قد حذرهم وفي مناسبات عديدة من اتباع الأميركي الذي سيودي بهم إلى الهاوية. وها هم اليوم، باتوا ضائعين في الجغرافية السورية بعد أن تخلى الأميركي عنهم، ورفع الغطاء السياسي عن تحركاتهم، ليعودوا بعد ذلك عبر استجداء روسيا لتكون نقطة وصل مع دمشق، وعليه فقد باتت معاركهم مع داعش دون رصيد، فالأميركي سيد الصفقات، والتركي سيجلب لهم نبعاً من الدماء، وبالتالي ذهبت أحلام الكرد فارقاً في الحسابات السياسية الأميركية والتركية.

صحيح أنّ الكرد قد سُلّحوا أميركياً، وباتت لديهم خبرات قتالية عالية وتحديداً في مناطق تمركزهم، على اعتبار خبرتهم الجغرافية، لكن لن يكون بمقدورهم الصمود أمام الآلة العسكرية التركية، ومعركة غصن الزيتون خير مثال على ذلك. بالإضافة إلى ذلك هناك تعقيدات ميدانية أخرى. فالعملية العسكرية التركية تجري في منطقة شاسعة ومفتوحة، ما يشي باحتمال أن تتداخل فيها عناصر تتجاوز ثنائية القتال بين تركيا والكرد.

في جانب آخر، لا يمكن الإضاءة على كلّ المواقف المُندّدة بالعدوان التركي على شمال سورية، لكن لا بدّ من الإضاءة على الموقفين الروسي والإيراني، فروسيا تتبع مع تركيا سياسية الاحتواء واللعب على المدى الطويل، خاصة أنّ روسيا لا تريد أن يفقد أستانا جوهره، وسوتشي معناه، وبالتالي فإنّ الموقف الروسي الضمني يأتي مؤيداً لتركيا، لكن روسيا وانطلاقاً من استراتيجيتها في سورية والمتوافقة مع دمشق، لن تسمح نهائياً بالعبث بالمنجزات السورية والروسية التي تحققت على مدى سنوات طويلة. فالسيادة السورية خط أحمر، كذا إيران، لا يمكن أن تسمح لأردوغان بالعبث بما تمّ تحقيقه، خاصة أنّ إيران لا تزال وضمن نظريات العمق الاستراتيجي مستهدفة أميركياً، حتى أنّ تمركزها في سورية يُعدّ بمثابة المعادلة الاستراتيجية السورية الروسية الإيرانية. وعليه فإنّ روسيا وإيران تراقبان التحركات التركية من منظار استراتيجي، يرصد بدقة أيّ تجاوز تركي لتتمّ معالجته.

في المحصلة، لا شك في أنّ الحرب على سورية قد دخلت مُنعطفاً جديداً، هو منعطف استراتيجي سيتمّ استثماره سورياً. فتركيا تُدرك معنى الدخول إلى سورية، كما أنّ إرهابيّي أردوغان قد ذاقوا طعم النيران السورية، وكذلك الكرد، لم يبق لهم سوى دمشق حضناً ومدافعاً عنهم. فهل سيدركون أبواب دمشق قبل أن تُدركهم قطعان أردوغان الإرهابية؟

اضف رد