«ثورة» بحاجة إلى تصحيح سريع!

. وفيق إبراهيم

الحراك للبنانيين بارقة ضوء في عتمة طويلة كتمت أنفاس الناس منذ بناء الدولة في 1948 وخنقتهم بشدّة فريدة مع بداية عصر الحريرية السياسية في 1992 التي أوصلت البلاد إلى فقدان كامل للخدمات الأساسية مع ديون تزيد عن 120 مليار دولار وسرقات تعدّت الـ 300 مليار وصعود هائل للبطالة والتضخم.

ميزة هذا الحراك أنه الأول من نوعه في التاريخ السياسي للبلاد، لجهة وطنيته والتزامه بمصالح الطبقات الفقيرة والوسطى وإصراره على استعادة المال العام المنهوب وضرب الفساد السياسي وإحداث تغيير جذري في الطبيعة الطائفية للنظام.

عند هذا الحدّ بدا وكأنّ ملامح انتفاضة تتجه للتشكل على قاعدة تغيير كبير في بنية النظام، خصوصاً على مستوى استبدال طائفيته السياسية بنظام مدني يتساوى فيه اللبنانيون في الاقتصاد والاجتماع والسياسة.

لقد استمرّ هذا البرنامج ذو الطبيعة الوطنية في اليومين الأولين للانتفاضة وسرعان ما تراجعت الأحلام حين تمكّنت أحزاب «القوات» والتقدمي الاشتراكي و»الكتائب» من التسلّل إلى قيادته، وصولاً الى التحكم في خطاب الانتفاضة فأصبح سلاح حزب الله ورئيس التيار الوطني الحر وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل ورئيس الجمهورية العماد ميشال عون أهدافاً أساسية لساحات الاعتصام.

والفضيحة أنّ أحد المعتصمين في ميدان جل الديب قال بصوت غير خجول إنه يفضل «إسرائيل» على سلاح حزب الله.

كان الوضع مقبولاً وتحت السيطرة، لكن تطوّر التسلل إلى قيادات الحراك من اتجاهات سياسية خطيرة جداً يدفع لتوجيه رسائل تحذيرية لهذا الحراك قبل سقوطه الخطير المتوقع.

بداية، فإن استهداف حزب الله من قبل قيادات في هذا الحراك أمر شاذ ولا يستقيم ضمن أي منطق.

لذلك كان اللازم اعتبار مرحلة 1982 2006 تاريخاً لبنانياً مجيداً يشكل القاعدة التحريرية الأساسية لأي مشروع تغييري سياسي للنظام اللبناني، فكيف يمكن بناء نظام سياسي جديد في ظل احتلال إسرائيلي وصل الى العاصمة بيروت محتلاً ثلث لبنان تقريباً طيلة 18 سنة متواصلة ومعاوداً محاولة احتلاله في 2006.

فهذه مقاومة حقيقية ألحقت هزيمة شنيعة بالاسرائيلي المحتلّ والمدعوم أميركياً وعربياً.

لذلك فإنّ «انتفاضة حقيقية» ما كانت لتقبّل بهجوم بعض مكوّناتها على المراحل الحقيقية في تاريخ لبناني كتبه المحتلّ الفرنسي بفبركة مقاومات لمؤسسي هذه الدولة الركيكة، التي ما كانت لتقوم لولا إرادة فرنسية ومجموعة من عملاء الداخل من كلّ الفئات.

فهل هذه ثورة تطلق الرصاص على قلبها وعقلها وهي المقاومة التي سجلت وعلى كلّ صفحات تاريخ العرب أنها الفئة الوحيدة التي انتصرت على «إسرائيل» وخلقت مع الكيان المحتلّ توازن قوى جديداً لم يعد يسمح لجيش العدو باختراق حدود لبنان وبحره وقريباً كامل أجوائه، أما النقطة الثالثة في هذه الرسالة الموجّهة الى الحراك فتتعلق بضرورة تنظيف ميادينه من سيطرة رئيس حزب القوات سمير جعجع والكتائب ورئيس الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط والنائب نهاد المشنوق والوزير السابق أشرف ريفي والفتنة الإعلامية المتنقلة، فهؤلاء هم جزء حيوي من نظام طائفي مدعوم من النفوذ الأميركي وهم لا يريدون وطنية الحراك وأبعاده الإصلاحية الثورية، فكيف يمكن للأطراف الأكثر سوءاً في هذا النظام الطائفي ان يتصدّروا قيادة المتظاهرين بتوجيههم نحو افتعال فتن داخلية بخلفيات طائفية.

وما إقفال الطرقات أمام المدنيين إلا طريقة ضغط من قبل هذه القيادات لزعزعة أوضاع المجتمع ودفع الجزء المخالف لهم في النظام السياسي للاستسلام لشروطهم، يكفي أنّ هذه الشروط تريد حكومة تكنوقراط تبعد حزب الله والتيار الوطني الحر عنها، وترفض إدخال معادلة الشعب والدولة والمقاومة ضمن بيانها الوزاري، بما يرضي الأميركيين والسعوديين والاماراتيين و»إسرائيل» في آن معاً.

فمن يحمي الإصلاح المطلوب: المشنوق وريفي ام انها البندقية الساهرة على الوطن من دون أية أعباء سياسية او اقتصادية؟

فكيف يمكن تحقيق الدولة المدنية فيما قيادات الحراك هي قيادات طائفية ومذهبية واقطاعية تخدم النفوذ الخارجي للاستمرار في زعامتها الداخلية.

فهل يتعظ هذا الحراك قبل فوات الأوان معتبراً أنه امتداد سياسي داخلي لمقاومة عسكرية ومجتمعية حررت لبنان؟

هذه هي المعادلة التي تستطيع بمفردها إحداث تغيير عميق في السمة الطائفية للنظام ومفاسده السياسية والاقتصادية.

وهي الوحيدة التي تُعيد بناء لبنان على قواعد الازدهار الداخلي والمناعة في وجه «إسرائيل» والنفوذ الخارجي.

اضف رد