الحل بتكامل اقتصاديّ.. قرار لا خيار ثانِ

سماهر الخطيب

منذ مئات السنين ومنطقتنا لم تهدأ وتستكين.. من احتلال عثماني إلى انتداب فرنسي وبريطاني وصولاً إلى تدخل أميركي ومحاولات للسيطرة على موارد وثروات هذا الخزان الغذائي الطبيعي في منطقتنا..

واليوم وبعد سلسلة حروب عصفت بمنطقتنا وكان لها الأثر والتأثير على ما أسموه دولاً وفقاً لاتفاقية سايكس بيكو المشؤومة ليتضح يوماً بعد يوم أنّ هذه الدول خلاصها بتكاملها مع بعضها بعضاً إن لم ترد العودة إلى ما قبل «سايكس بيكو»، فليكن التكامل الاقتصادي بالتعاون مع إقليمها الحيوي وليس الفضائي..

فالحروب التي شهدتها المنطقة من حرب الخليج، إلى حرب العراق، وحرب تموز، والحرب السورية جميعها أكدت استهداف المنطقة وشعوبها لنهب ثرواتها، كما أكدت تأثر سورية ولبنان والعراق والأردن في الوقت نفسه وبالدرجة نفسها. مثلاً الاعتداءات الصهيونية على الفلسطينيين تأثر بها لبنان والعراق وفلسطين والأردن، دون أن تتأثر السعودية مثلاً، كذلك كان التأثر نفسه بالحرب العالمية على سورية والكل متأثر بالكل تحت القاعدة الكلية الجغرافية التي وإن قسمتها حدود سياسية مفتعلة، فإن الجغرافية الطبيعية لا يمكن تجاوزها مهما تطورت العلاقات الدولية ومهما تقدّمت في علومها وأنظمتها..

والأمثلة كثيرة في العالم، فمثلاً وتحت مبدأ مونرو حظرت الولايات المتحدة الأميركية الاقتراب من الدول اللاتينية أو دول دول البحر الكاريبي باعتبارها تمس أمنها القومي، فيما اعتبرت هذه الدول اللاتينية بأنها شعب واحد متمرّد على اللعبة السياسية، وراعيتها الأميركية، رغم ما تقوم به الولايات المتحدة من سياسات تخريبية في «حديقتها الخلفية» إنما اتضح جلياً وحدة شعوب تلك الدول وتوجهها نحو تكامل اقتصادي على حساب الأنا الأميركية، في حين لا تعتبر شعوب منطقتنا من هذا التمرّد..

وما تشهده اليوم دول المنطقة من احتجاجات شعبية مطلبية وإصلاحية من بيروت إلى دمشق فبغداد وعمان وعدم القدرة على تلبية تلك المطالب تحت حجة العقوبات الأميركية والحصار الاقتصادي وغيره من الأسباب التي تقول بتأثر الاقتصاد السياسي بمجريات السياسة الدولية. وكما العادة الدول الضعيفة ستتأثر بقرارات الدول القوية في المجتمع الدولي وستكون تابعة مجرّدة من القرار وتنتظر لتنفيذ ما يثملى عليها من قرارات تنتهك سيادتا رويداً رويداً حتى تصبح معدومة السيادة وفاقدة للسيطرة على مواردها البشرية قبل النفطية والغذائية..

ولكن في وسط كل هذه المجريات والمتغيرات الدولية لا تزال الفرصة سانحة أمام اتخاذ قرار جماعي تحت بند «الإنقاذ الوطني» ولو أنّ هذا القرار يحوي في ثناياه تمرّداً على الراعي العالمي إنما سيكون تمرداً واعياً وقراراً لا ندم بعده، خاصة أنّ هذا الراعي العالمي والمتمثل بالأميركي قد بات عجوزاً لا يقوى سوى على رفع الصوت. وقد ثبت بالدليل القاطع أنه بات بلا حول ولا قوة في كثير من القضايا الدولية بدءاً من سورية وصولاً إلى حديقته الخلفية وفي الكاريبي، وتحديداً فنزويلا وبات بلا شك لا يقوى سوى على افتعال الأزمات التي إن دلت على شيء إنما تدلّ على تخبّط مديري البيت الأبيض في رسم استراتيجية واضحة المعالم بعد أن خرج الجميع عن السيطرة. وفي الاتحاد الأوروبي خير دليل. فتصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأخيرة عن ضرورة إيجاد تحالفات جديدة، تؤكد أنّ السيل بلغ الزبى من تلك السياسات الأميركية العقيمة والنرجسية. فالناتو ليس حلفاً عادياً إنما هو ذراع أميركا العسكري والقول بأنه بات في نعشه، بعد موته الدماغي، ليس كلاماً فحسب ليؤكد نظيره النمساوي ما صدر عنه ولتتجه دول الاتحاد الأوروبي نحو تطوير المزيد من الأسلحة بمنأى عن الولايات المتحدة والسعي لإنشاء جيش دفاعي خاص فيها ما هو إلا فقد الثقة بالأميركي والتهيؤ لما رآه من خبث أميركي وما يحبكه مع طليقته البريطانية سيعدّ له الأوروبي العدّة..

وفي أميركا اللاتينية سقوط القناع الأميركي في فنزويلا والتوجه نحو بوليفيا عسى أن تجد أميركا «ماسكاً» آخر يقيها تشوّهات ظهرت على تلافيف وجهها الخبيث أمام الشعوب اللاتينية..

وفي الصين، مراوحات ومراوغات أميركية، عسى أن تصل لطاولة مفاوضات تتقاسم معها ما توصلت إليه الصين من إنجازات..

وفي روسيا تهديد عسكري دبلوماسي، من نوع آخر، بعد أن باتت مفاتيح حلول الأزمات التي افتعلتها أميركا في بوابة الكرملين..

وفي أفريقيا لم تجد أميركا موطأ قدم بعد أن انشغلت بما انشغلت به في المنطقة من بؤر ونزاعات، فراحت لتقصي الأخبار في القارة السمراء وإشعال ما تحتاج إليه من أزمات لتفقد السيطرة عليها مجدداً كما في المنطقة ولتجد الصين وروسيا في مرصادها واقفتين..

وفي الهند رسخت العلاقات الأميركية إنما الاقتصاد يحكم والدولة التي استنهضت شعبها المتعدد الطوائف والملل والأديان بات واحداً وراء دولته ساعياً معها نحو التطور. فباتت الهند تمسك بزمام الأمور وتختار مصلحتها أولاً وليس كما يُقال أميركا أولاً..

وحتى تركيا فضلت مصلحتها القومية وسعت وراء ما تمليه عليها تلك المصلحة رغم التجاوزات التي قام بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في سورية إنما بات واضحاً خروجه عن الطاعة الأميركية..

وأما دول الخليج فلا زالت في ذلك النوم العميق رغم التوجّه نحو تقوية العلاقات بروسيا والصين وغيرها إنما ثبات التبعية الأميركية لا زال مسيطراً على الموقف الخليجي..

وفي إيران تمرّد من نوع آخر يصبّ في مصلحة شعب لازال تحت الحصار ولا زال تطوره التكنولوجي والعسكري والفضائي حتى يسيطر على الموقف ويلغي كل فكرة تبعية تخطر ببال الراعية الأميركية..

وبعد هذه البانوراما العالمية ألم يحن الوقت لجمع الشتات وتجاوز الحدود السياسية والوعي والإدراك أنّ الحل الاقتصادي يكمن في هذه الجغرافية الطبيعية عبر تكامل اقتصادي يحل كل الأزمات المعيشية والمطلبية.. ويتجاوز العقوبات الاقتصادية في إقليم منغلق على نفسه وبعيد آلاف الأميال عن ذاك «الغول» الأميركي.. فهي فرصة تاريخية لدول المنطقة إذا ما أرادت انتهاز الفرصة واتخاذ القرار بلا تردد أو توجّس فالمصلحة الوطنية تقتضي بقرار وطني شامل بعيداً عن الإملاءات الخارجية..

اضف رد