فان غوغ متألّقاً في برلين
«سيأتي يوم تصبح فيه هذه اللوحات لدى الآخرين أغلى من حياتي»… تقتحم هذه العبارة ـ المكتوبة باللغات كلّها ـ أنظار زوار معرض الرسام الهولندي المعروف فنسنت فان غوغ 1853 ـ 1890 المقام حديثاً في العاصمة الألمانية برلين.
فان غوغ كان يعاني من مرض عصبي يسمى «دوار فيبر»، وهو التهاب مستمرّ في الأذن الداخلية يؤدّي إلى نوبات حادة ونخزات ألمٍ قوية. وبسبب عدم توفّر العلاج الطبي للمرض آنذاك، عالج فان غوغ المرض بقطع أذنه، وذلك بعد خلاف نشب بينه وبين صديقه المقرّب الفنان بول غوغان، أثناء إقامتهما في مدينة «آرل» جنوب فرنسا.
قطع فان غوغ آنذاك أذنه وأرسلها إلى المرأة التي يحبّ. ولعل التأثير الفني للمرض العضوي يظهر جليّاً في أعماله، إذ تتميز الغالبية العظمى من لوحاته بضربات الريشة السريعة المتوترة القلقة، والألوان القوية الحادة المشبعة، كما أن آراءه تتسم غالبيتها بالتطرّف.
ما يميّز المعرض الحديث لفان غوغ في برلين، عدم وجود لوحة أصلية واحدة للفنان، إذ يضمّ المعرض ثلاثة أقسام أساسية موزّعة على ثلاث قاعات فسيحة.
في القاعة الأولى، نصادف تصميماً واقعياً حقيقياً ملموساً مطابقاً تماماً للوحة فان غوغ الشهيرة «غرفة النوم»، إذ نتلمس الرغبة البشرية العارمة بالاستقرار والهدوء ومكافحة تغيّر الأمكنة، وهي مسألة عانى منها فان غوغ كثيراً، وذكرها في مراسلاته مع أخيه ثيو.
في هذه الغرفة، الطاولة في اللوحة هي طاولة في الواقع فعلاً، والسرير هو سرير فعلاً، مع تطابق مذهل في درجات الألوان مع اللوحة.
فإذا كان فان غوغ قد حوّل مشهداً واقعياً إلى لوحة فنية، فإن فكرة الغرفة تكمن في تحويل اللوحة الفنية إلى مشهد واقعي، وهذا ما جعل الزائر يدخل الشرط الواقعي نفسه الذي أنتج العمل الفني، أي إعادة إحياء ألم الفنان وعذابه الشخصي.
في القاعة الثانية، تُعرض المراسلات المكتوبة بين فان غوغ وأخيه ثيو، والمراسلات معروضة بنسخها الأصلية، وهي مكتوبة باللغة الهولندية، ومترجمة إلى اللغتين الألمانية والإنكليزية.
تُظهر المراسلات حياة التقشف والفقر والعناء والحرمان القاسية التي كان يعيشها فان غوغ. كما تُظهر مدى ثقة فان غوغ بأخيه ثيو، إذ يطلعه ويأخذ رأيه في كل شاردة وواردة في تفاصيل أعماله الفنية، ويخبره عن هواجسه.
وتقول الرسالة الأخيرة بينه وبين ثيو: «عزيزي ثيو، إلى أين تمضي الحياة بي؟ ما الذي يصنعه العقل بنا؟ إنه يُفقد الأشياء بهجتها ويقودنا نحو الكآبة، إنني أتعفن مللاً لولا ريشتي وألواني هذه، أعيد بها خلق الأشياء من جديد، كل الأشياء تغدو باردة وباهتة بعدما يطؤها الزمن. ماذا أصنع؟ أريد أن أبتكر خطوطاً وألواناً جديدة، غير تلك التي يتعثر بصرنا بها كلّ يوم، كل الألوان القديمة لها بريق حزين في قلبي، هل هي كذلك في الطبيعة أم أنّ عينيّ مريضتان؟ ها أنا أعيد رسمها كما أقدح النار الكامنة فيها».
في القاعة الثالثة، وهي قاعة سوداء معتمة، تُعرض لوحات فان غوغ بتقنيات الإسقاط الضوئي على الجدران المتقاطعة، ويقضي الزائر أكثر من ساعة ليشاهد أمامه أكثر من سبعمئة لوحة للفنان الهولندي.
عُرض أعمال فان غوغ وفق فترات زمنية متباعدة ربطت بالتغيّرات الكبرى في حياته، كاللوحات المرسومة أثناء عمله في مناجم الفحم، والألوان والمعاني الطاغية في تلك الحقبة، أو لوحاته أثناء دخوله إلى مشفى الأمراض العقلية في فرنسا، أو أثناء إقامته في بلجيكا.