رواية «أنثى برّية» لجهينة العوّام… سيميائية العنوان والأبعاد الوجودية

د. لؤي زيتوني

لا يمكن للقارئ أن يلج العمل السردي بلا نفاذٍ إلى الاحالات التي يمكن أن يقدّمها لنا العنوان، والتي قد توجّه نحو مساراتٍ دلاليةٍ شديدة الأهمية. ولعلّ هذا ما يجعل من العنوان علامةً سيميائيةً قائمةً بذاتها، وواحداً من المستويات المكوّنة للبنية الدلالية الكبرى داخل النصّ. ولا تختلف حال الأعمال السردية المعاصرة عن هذا النظام لا سيما أنّ الظروف المعاصرة، إلى جانب التطوّر المطّرد في تقنيات السرد وفي الأبعاد الإيحائية التي يختزنها الفنّ الروائي، قد جعلت من اختيار العنوان مسألةً شديدة التعقيد وشديدة الارتباط بالأبعاد الدلالية للأحداث أو للمستويات الأخرى من العمل.

انطلاقاً من هذا الفهم، يمكننا أن نقرأ رواية «أنثى برّية» للكاتبة جهينة العوّام.

الأنثى علامة الافتراق

الجزء الأوّل من العنوان يتمحور حول العنصر الأنثوي، إذ إنّ المرأة تحضر بشكلٍ فاعلٍ عبر تصدّرها العنوان. غير أن اختيار اللفظة شكّل ـ بحدّ ذاته ـ علامةً سيميائيةً شديدة التعبير، إذ إنّ لاستخدام كلمة «أنثى» وقعاً خاصاً على المستوى الدلالي يدفع إلى التساؤل عن الطابع الذي دفعها إلى الواجهة على حساب كلمة «امرأة» أو غيرها… ومن خلال استرجاع التاريخ العميق الذي تحمله هذه الأخيرة، نلاحظ ارتباطها بالحال الاضطهادية التي تضعها في موضعٍ أدنى من الطرف الآخر، وأعني الرجل. في حين أنّ لفظة «أنثى» تتحرّر من ذلك الموروث الاجتماعي ـ الثقافي لتدخل في إيحاءاتٍ جماليةٍ من ناحية، وفي وضعيةٍ خصوصية تحيل حاملة هذه الصفة إلى المحور بعيداً عن الهامش الذي ورثته بنات جنسها.

وبالدخول في عمق الرواية، نجد أنّ العنوان يمهّد أمامنا ارتباط العقدة بشخصية الأنثى التي مثلتها «الدكتورة ماري»، الأستاذة الجامعية في علوم الصيدلة، والتي شكّلت محور الأحداث، منطلقاً وغايةً. إذ قد مثّلت صفة أنثى من خلال امتلاكها المواصفات الجمالية: «طبيعية، جذابة غير متكلفة، ذكية، بسيطة، صريحة وعميقة واضحة وجريئة»، والثقافية: «نحن أمام مشهد فاجعة حضارية تهذي فيه المرأة من تسلّط الرجل وجهله وتشريعاته، ويهذي فيه الرجل من ثقل واجباته ونفاق السلطة وفساد الحكومات وانصياعه مرغماً لتقاليد مجتمعاته».

وهي، إلى ذلك، خارجة على حضور المرأة التقليدي الخاضع للرجل، أو على الأقلّ الذي يدور في فلكه. وبالتالي، فإنّها أنثى تعمل على رفض ما ألقي على عاتقها من موروث الاضطهاد والدونية. ولعلّه، من هذا المنطلق، يمكن فهم عدم نجاح زواجها من شخصية «وسيم» الكاتب والإعلامي المشهور.

البرّية صفة التمرّد

نصل إلى الطرف الآخر من العنوان، وأعني به لفظة «برّية» التي تعود بنسبتها إلى البراري، وهي المدى الذي يشكّل قوانينه الخاصة حيث البقاء للأقوى. وأن تُعطى هذه الصفة للأنثى يدلّ هذا على صفة الاستقلالية والتمرّد في شخصيتها وفي تفكيرها، ويبدو ذلك واضحاً في آرائها المتّسمة بالجرأة: «كلّ شخصٍ يولد وهو وثنيّ. من لحظة ولادته يبدأ بتلقّي أساليب القولبة من مجتمعه والمحيطين به ليصبح كما يريدون له أن يكون… الوثنية والإلحاد برأي المتدينين لها عندي معنى آخر: هي فطرتك وتميّزك وعلبة مواهبك الخاصة التي تولد بها لتكون مستعدّاً لمعرفة خالق الأكوان».

يشير هذا الاستشهاد إلى مدى الجرأة التي تتمتّع بها «الدكتورة ماري»، والذي ينبع من قوّةٍ داخليةٍ دفعتها ليكون حضورها فاعلاً وراسخاً. وقد يظهر ذلك أبرز ما يكون في حضور هذه الشخصية داخل دائرة الحرب، أي في زمنٍ يتّسم بالبرّية والتوحّش، وفي طبيعة المواجهة المتبادلة بينها وبينه. فقد جعل منها ضحيةً لأحد التفجيرات الإرهابية، وفي الوقت عينه جعل منها أنثى مميزة بفضل ردّ الفعل الذي قامت به للمواجهة. فنقرأ بُعيد حدوث الانفجار:

«لا وقت للألم، لا رغبة لي بمسامير جديدة تهشّم جسدي، أحتاج كلّ حواسي وإيماني، لن أغيب عن الوعي ولن أقطع هذا الاتصال الهشّ بين جزئَي قدمي، لن أسمح لهم ببترها، لن أكون الضحية التالية … سأرفع تركيزي لأقصى درجة».

وهذا عدا الصدمة التي أصابتها بعد إنبائها بمقتل زوجها السابق «وسيم» الذي جمعتهما علاقة حبّ، وانفصلا بسبب عنصرَي الاستقلالية والتمرّد في شخصيتها: «لم تسمع ماري أيّاً من كلمات المحقّق، لوّحت بنفسها للمخدّر المنتظر على المصباح، فقفز إلى صدرها وظلّ رابضاً قرابة الساعتين».

وفي هذا الإطار تبرز خصوصية صفة البرّية، فهي ليست برّية بالمعنى التوحّشي للكلمة بقدر ما كانت تعني صفة التمرّد على زمنٍ برّي متوحّشٍ ضاعت فيه القيم بعدما تراكمت عناصر الظلم والاضطهاد ضدّ المرأة وما تمثّله، وبعدما بلغ المجتمع الدرك الأدنى في الانحطاط الأخلاقي.

الرمزية الاجتماعية والحضارية في «الأنثى البرّية»

من خلال اتحاد طرفَي العنوان، نجد أنّ الشخصية الرئيسية تصبح استثنائيةً بفعل امتلاكها الصفتين الآنفتين. وهذا ما يمكن أن نراه عبر تأثيرها الشديد في محيطها هذا التأثير الذي دفع بشخصيةٍ مشهورةٍ إلى الوقوع في حبّها، وفي الألم بسببها، والزواج بها، والخضوع لإرادتها في الانفصال…

وقد يتبدّى ذلك التأثير بشكله الأبرز في وصف شخصية «ماري» من قبل «وسيم»، زوجها السابق، حينما وقع في غرامها إذ يوجّه لها الكلام: «كتبتُ يوماً أصف الأنثى وأذكّرها بطبيعتها البرّية الحقيقية فقلت: ارقصي كعذراء، اضحكي كأمّ، فكري كملكة توّجتكِ الطبيعة بحكمتها وجمالها وحبّها الأزلي هذه كانت دوماً حالي معك». هذا الكلام يدلّ على قوّة التأثير الذي تمتّعت به في حبيبها، إلى درجة جعلها ملكة.

على هذا الأساس، نجد أنّ هذه الشخصية امتلكت قدرةً استثنائيةً في التأثير، بلغت حدّ إعادة تشكيل شخصية كاتب وصحافي مشهور على نحوٍ كلّي: «أهدته تلك الأنثى البرّية نبتة الألوفيرا… تلك الأنثى التي خلقته، شكّلته، كتبته، يذكر كلماتها حرفاً حرفاً».

إذاً، فهي وصلت إلى مرحلةٍ تجعلها أرقى رتبةً من الرجل، على نحوٍ مخالفٍ لما يمكن أن نراه في الواقع. ولعلّ هذا ما يمكن أن نجده مفارقةً سيميائيةً واضحة، لكونه قلب طبيعة الهيمنة الذكورية السائدة في المجتمعات الحاضرة، لا سيما في مجتمعاتنا، إلى هيمنةٍ أنثوية، وهو ما نستخلصه من وصفها نفسها: «هي إلهة أنثى… ومن مواصفاتها تُعرَف… لا تحتاج إلى من يعبدها ولا تفرض عليك شرائع وتعاليم، وبحبّها تشمل الجميع لذلك تدعى في الوثنية بالأمّ الكونية».

الخاتمة

يمكننا، من خلال ما تقدّم، أن نرى في عنوان «الأنثى البرّية» حضوراً سيمائياً فاعلاً، نظراً إلى الأبعاد الدّلالية التي يقدّمها لنا، وإلى الإشارات الموحية التي تمهّد لأحداث الرواية ورسائلها. فمن ناحيةٍ، نعثر على سمة الافتراق عن الموروث الثقافي الذي يدني من شأن المرأة ويجعلها تحت سلطة الرجل، من خلال التمسّك بتسمية الأنثى بما فيها من تخلّ عن ذلك الموروث ومن مواصفات جمالية. ومن ناحيةٍ أخرى، نرى التمرّد على ما لصق بالمرأة من أوصافٍ شائعة ومواجهةٍ عصرٍ اتّسم بالتوحّش وجعل منها ضحية، وهو ما ألحق بها صفة البرّية. وهذا ما أوصلنا إلى جعل اجتماع لفظتَي «الأنثى» و«البرّية» حضوراً مؤثّراً في المحيط، إلى حدّ قلب المقاييس نحو رفعها نحو رتبةٍ أرفع من الرجل، نحو كونها إلهةً له.

من خلال هذا الارتباط القوي بين العنوان بعلاماته السيميائية، وبين طبيعة تشكّل الأحداث حول الشخصية الرئيسية، إضافةً إلى الإيحاءات الفكرية التي رأينا بعضها في ما سبق دفع بالرواية نحو الواجهة ونحو موقعٍ جيدٍ في أدبنا.

يبقى أن نشير إلى مسألةٍ في غاية الأهمية داخل العمل، قد أثقلت كاهله في أحيانٍ كثيرة… إذ نلاحظ أنّ كثافة الأساليب الشعرية عملت على إرهاق الرواية وتشتيت ذهن القارئ عن الغاية الأخيرة منها، بغية إبراز قدرة الكاتبة على حساب السياق السردي.

وهذا، من دون أن نغفل ما تحتاج إليه الأعمال الأدبية حرصاً على تقديمٍ صادقٍ للموهبة وعلى إيصالها إلى المتلقّين بالشكل السليم، وأقصد في ذلك الانتباه إلى الهفوات والهنات اللغوية التي قد تتوزّع داخل صفحاتها، وإيلاء أهمية أكبر لمراجعة الطباعة وضبطها.

ومهما يمكن من أمر ذلك، فإنّ رواية «الأنثى البرّية» رواية حاملة للجودة في طيّاتها، وتستحقّ بالفعل القراءة، كما تستحقّ الإضاءة على جوانب فنّية وفكرية أوسع من تلك التي قد يستطيع مقال كهذا الإحاطة بها.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق