مقالات وآراء

الفيديو التعليميّ في زمن الكورونا: الصورة ليست وردية

} ماجد جابر*

تزخر وسائل التواصل الإجتماعي وقنوات اليوتيوب والمنصات التعليمية (المتزامنة وغير المتزامنة) للمدارس والجامعات يومياً بكمّ هائل من الفيديوات التعليمية لتقديم المحتوى التعليمي للتلامذة والطلاب كوسيلة تعليم عن بُعد، وذلك بسبب التعطيل القسري الذي تفرضه جائحة كورونا. وتتفاوت هذه الفيديوات بشكل كبير في ما بينها لناحية الجودة في إنتاجها، ومنهجية تصميمها، وأساليب الشرح المتبعة فيها، ومضمون محتواها، وطريقة عرضها، ومدّتها الزمنية، وغيرها من الأمور.

لا شكّ أنّ النظرة التربوية إلى الفيديو التعليمي قد تغيّرت بشكل كبير في ظلّ جائحة كورونا نظراً للأهمية التعليمية التي يوفرها خلال التعليم عن بُعد، إذ إنّ الفيديو التعليمي يساعد على احتفاظ التلامذة بالمعلومات لفترة أطول خصوصاً تلامذة المراحل التعليمية الأولى، كما يحفزهم على المشاركة في العملية التعليمية، ويسمح بتسجيل الشرح وتوفيره لهم في أيّ وقت يريدون العودة إليه، وبالتالي لم يعد يقتصر استخدام الفيديو كوسيط تعليمي ووسيلة سمعيةبصرية في عملية التعليم، سواء في التعليم المدمج blended learning، أو التعليم المقلوب (المعكوس) flipped class room، من أجل نقل المعلومات والمعارف والاتجاهات وقواعد التفكير إلى المتعلم فقط، بل تطوّر مفهومه ليشمل كلّ العناصر الموجودة في العملية التعليميةالتعلمية (شرح دروس ومفاهيم وأفكارتوضيح أمثلةمحاكاة علميةحلّ تمارينتقييم ذاتي للمتعلم، وغير ذلك…)، الأمر الذي يحتم مراعاة الفيديو شروطاً ومعايير تقنية وتربوية ومقومات أساسية في تصميمه ومنهجية إنتاجه، ومكوناته من البصريات visuals (رسوم بيانيةصور طبيعيةأنفوغراف infographوايقونات icons)، والأصوات (َمقاطع موسيقية…)، والنصوص (جملأحرف على الشاشة…)، والشخص المتكلم (المعلمكاركاتيرشخصية كرتونية…)، من أجل تحقيق الجودة التعليمية المتوخاة،

وتغيّرت بذلك النظرة الى مفهوم المعلم، ليصبح تقنياً تربوياً Educational technologist، ومصمّماً تعليمياً Instructional designer، الى جانب كونه خبيراً أو متخصّصاً في مادته التعليمية Subject matter expert.

إطلالة متأنية على عدد كبير من الفيديوات المسجلة على منصات تعليمية أو على اليوتيوب، أو تلك المعروضة بشكل متزامن ومباشر عبر تطبيقات زووم Zoom وميكروسوفت تيمز Microsoft teams وغوغل ميت Google meet وغيرها، والتي لا شك أنّ أصحابها بذلوا جهوداً مضنية وحثيثة في إنتاجها، وقطعوا أشواطاً متقدّمة في التعليم الرقمي والإلكتروني عما كانت عليه الحال في بداية الأزمة الصحية، تظهر أنّ هذه الفيديوات، وبالرغم من تنوّعها (عرض شرائح باوربوينت screen cast مع تسجيل صوتيشرح مصوّر بهاتف على ورقة بيضاء A4شرح باستخدام ألواح إلكترونية panels كتلك المعتمدة في khan academy – Active inspire recorded video، فيديوات لشرح عن اللوح الصفي بكاميرات عادية، فيديوات ممنتجة ببرامج مخصصة مثل: Screencast-O-Matic

Snagit – ink screen- camtasia – video Ant- playposit)، ما زالت في غالبيتها تعاني افتقاراً في منهجية صناعتها لناحية تطبيق المعايير التربوية والتقنية والتعليمية المطلوبة، وغياب السياق التراتبي للخطوات التسع في التصميم التعليمي الذي يوصي بها الكاتب الأميركي Robert Gagne>s، الأمر الذي يعيق حتماً تحقيق الفعالية التعليمية المرجوة، ويبدّد الجهود المبذوله لها، وربما يعود الأمر إلى عدم امتلاك المعلمين الكفايات والمهارات الكافية لإنتاج الفيديو التعليمي بسبب عدم الخضوع لتدريب كاف، أو ربما لعدم استخدام برامج إنتاج حديثة، واعتماد وسائل لا تتوافر فيه التقنيات الكافية للإنتاج، أو لعدم توافر الإمكانيات اللازمة وغيرها من العوائق.

 ففي دراسة مسحية survey شملت مشاهدة واستعراض حوالي 120 فيديو تعليمي مسجل بالإضافة إلى متابعة العديد من اللقاءات المتزامنة لمعلمين ومعلمات على التطبيقات المتزامنة المباشرة (zoom، teams، google meet، وغيرها)، تمّ اختيارها بطريقة عشوائية لمدارس متنوّعة (رسمي وخاص، ومن كلّ المناطق، ومن جميع المراحل التعليمية)، وتقييمها وفقاً لمعايير حديثة ومحكمة، تبيّن أنّ هذه الفيديوات تعاني مشكلات عديدة في إنتاجها وتصميمها ومنهجيتها وكيفية إدارتها. الدراسة أظهرت أن أكثر من 85 % من الفيديوات مكتظة بالملوثات السمعية والبصرية (زوائد لا علاقة لها بالأهداف التعليمية ولا تخدم تحقيقها عند المتعلمألوان زائدةأصوات لا ضرورة لهارسومات طبيعية أو بيانية لا حاجة لها…)، كما أنّ جزءاً كبيراً من هذه الفيديوات تعاني الحشو البصري والسمعي عبر عناصر مضغوطة (نصوص كبيرة في شريحة slide واحدة، أصوات مطولة، احتشاد صور في شريحة واحدة…) وتحتاج إلى تجزئة وتدرّج في عرضها على أكثر من شريحة، الأمر الذي يزيد بشكل كبير الحمل الذهني على دماغ المتعلم وذاكرته. أكثر من ذلك، تعاني غالبية هذه الفيديوات ضعفاً في التآزر السمعي البصري، أيّ سوء التناغم والتوازي بين ما ينطقه المعلم وبين ما يشاهده المتعلم على الشاشة (تجميد صورة نص لأكثر من دقيقتين مثلاً…)، وهذا ما لمسناه كثيراً في اللقاءات المتزامنة، حيث يقوم المعلم أو المحاضر بشرح شفهي قد يتجاوز 10 دقائق أو أكثر دون أن يكون هناك مشاركة على الشاشة لأي محتوى تعليمي بصري، أو جمود لصورة واحدة لا تمكن المتعلم من مواكبة وقراءة ما يقوله المحاضر، وأيضاً عدم اعتماد التركيز السمعي البصري لتوجيه المتعلم نحو العنصر التعليمي المحدد ضمن مجموعة عناصر معروضة على شريحة العرض (تسليط الضوء highlight…)، فضلاً عن افتقار العديد من الفيديوات إلى الإشباع السمعي والبصري الذي يحتم ترك فراغ زمني للدماغ (ثانيةثانيتين) حتى يعالج معلومة ما ويخزنها قبل استقباله لمعلومة لاحقة، هذا إلى جانب الإكثار من الانتقالات السمعية البصرية transitions غير السلسة والناعمة بين موضعين (من مقطع صوتي إلى آخر، أو من فيديو إلى آخر، أو من شريحة عرض إلى أخرى) بدلاً من اعتماد انتقال واحد، الأمر الذي يشوش الذاكرة ويزيد الحمل الذهني عليها، ويرهق دماغ المتعلم في معالجة هذه الانتقالات بدلاً من معالجة المعلومات. ناهيك عن سوء الاتساق (النسق) السمعي والبصري (الذي يشوش دماغ المتعلم ويزيد الحمل الذهني عليه (تغيير دائم لمواضع: العناوين وألوانها وأحجامهاالصورصورة المتكلم في الشاشةنمط المحاكاة (animation).

الدراسة المسحية أظهرت أنه لا يقل عن 70 % من الفيديوات تجاوز وقتها نصف الساعة، وفي ذلك عدم مراعاة للمعايير العلمية المتوافق عليها وعدم أخذ لعامل الوقت ودوره في إنجاح فعالية الفيديو التعليمي بعين الاعتبار، حيث أثبتت الدراسات الحديثة أنّ الوقت الأنجح لتقديم فيديو تعليمي هو 7 دقائق. إذ إنّ نسبة التركيز عند المتعلم تكون 80 % في هذه الفترة الزمنية وتنخفض هذه النسبة لديه في الدقيقة العاشرة إلى 60 %، وعند الدقيقة 15 لا تتجاوز نسبة التركيز 20 %. إنّ وقت الفيديو الممتاز هو 7 دقائق، وعند الضرورة 10 دقائق، و 15 دقيقة كحدّ أقصى، وهذا الوقت الأخير يكون لطلاب الحلقة الرابعة، حيث إنّ مدة الفيديو التعليميّ منوطة بالشريحة المستهدفة التي من أجلها نعد مادتنا التعليمية.

إضافة إلى كلّ ما تقدّم، يجب أن نلتفت أنه إذا قرّرنا إنتاج فيديو فعّال، علينا تطبيق مجموعة معايير لنجاح المادة التعليمية التي نقدّمها للمتعلمين. أولاً، علينا أن نقسم الفيديو لثلاثة أقسام رئيسة: التمهيد intro وهو يتضمّن 10-15 % من وقت الفيديو، والشرح ويتضمّن 75 % والإقفال outro بنسبة 10 % من الفيديو التعليمي. في التمهيد (15 % من الفيديو)، على المعلم أن يعرّف عن نفسه، والمادة واسم الصف، وعنوان الدرس، وأن يذكر ما أخذ سابقاً من أجل خلق التحفيز الذهني عند المتعلم كي يتلقى معلومات جديدة، وبعدها يعلن عن الأهداف التعلمية الجديدة والمخرجات المرتقبة بوضوح (هدف واحد كبير، أو هدفين عاديين كحدّ أقصى). ثم يطلب من المتعلم الأدوات والتجهيزات المطلوبة، لتحضيرها قبل البدء حتى لا يضطر المتعلم إلى قطع الشرح لإحضارها، ومن ثم يقدّم مدخل قيمي أو علمي أو سؤل تحضيري من خلال فكرة ذكية وجذابة (قولكاريكاتيرصورة، أو طرح سؤال تحفيزي، حزورة،….) لتحضير المتعلم نفسياً وتعليمياً للانخراط في المادة.

في الإقفال (10 % من الفيديو) على المعلم أن يلخص الأفكار الرئيسة التي وردت في متن الفيديو التعلميي بشكل سريع وبقدر الإمكان من خلال استخدام خرائظ ذهنية mind maps وصور بصرية من أجل مساعدة دماغ المتعلم على تخزين المعلومات في الذاكرة الطويلة، كما يتوجب أن يتضمّن الإقفال تمهيداً للأهداف والموضوعات والقضايا التي ستطرح على المتعلمين في الفيديو اللاحق.

وحتى ينجح المعلم في تقديم ما يصبو إليه، عليه أن يُشرك المتعلم في الفيديو التعليمي، وأن يُشعر المتعلم أثناء تقديمه للفيديو التعليمي بأنه ما زال موجوداً في بيئته الصفية، ويكون ذلك عبر تعزيز المدخل العاطفي من خلال الخطاب اللطيف، والأداء الليّن، واستخدام بعض الحركات، والألفاظ، والعبارات الفكاهية التي اعتاد المعلم إصدارها داخل الصف، وكل ذلك يحصل عندما يحرر المعلم نفسه من جمود الكاميرا.

إنّ مراعاة كلّ ما تقدّم، الى جانب اتّباع معايير تقنية (اختيار علمي للصور من ناحية القياس والجودة لناحية عدد البيكسل pexil الخاص بها وأن تكون مفرّغة، ومن نوعية PNG format، واختيار مقطوعات ومؤثرات صوتية مناسبة كتلك التي توفرها خاصية MP3، واعتماد قياس موحد للباوربوينت ppt والفيديو…) في إنتاج الفيديو التعليمي من خلال برامج مناسبة وحديثة (camtasia Sceencast o matic, ink, screen وغيرها)، واعتماد منهجية تصميم علمية (توفير العناصر البصرية والمؤثرات الصوتية التي تتوافق مع الموضوع المحدد والأهداف التفصيلية له، ومن ثم إنتاج النصوص والتسجيلات المناسبة لها)، والالتفات إلى تطبيق المعايير التربوية (إعطاء الفروض والواجبات بقدر معقول، تنويع الأساليب السمعية والبصرية، الاستفادة من المصادر على شبكة الانترنت بشكل لا يتعارض مع المبادئ الثقافية والوطنية والقيم الأخلاقية والاجتماعية، واحترام حقوق الملكية الفكرية للموارد المتوافرة على الإنترنت…) سيساهم بشكل كبير في تحقيق الأهداف التعليمية المتوخاة عند المتعلمين في أسرع وقت وأقل جهد وأفضل جودة.

*باحث تربوي

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى