الوطن

هل يقطع برّي «لبن العصفور» عن الحريري؟

} محمد حمية

منذ انفجار الشارع واستقالة الحكومة حتى الساعة، والرئيس نبيه بري مستمرّ بـ»جهاده السياسي» على مختلف المحاور والجبهات. واضعاً رصيده الوطني وشبكة علاقاته الداخلية في خدمة احتواء الأزمة المتفجرة سياسياً وشعبياً ومالياً واقتصادياً ومصرفياً وحياتياً. فبموازاة الضغط الهائل الذي بذله رئيس حركة أمل لامتصاص الغضب في جمهور «الحركة» والقاعدة «الشيعية» عموماً لضبط الشارع والحؤول دون تحوّل التوترات المتنقلة في أكثر من شارع ومنطقة الى فتنة مذهبية وطائفية، لم يألُ جهداً في تفعيل عمل المجلس النيابي لسد ما تيسر من الفجوة الكبيرة التي خلفها الفراغ الحكومي، عبر إقرار عدد من اقتراحات ومشاريع القوانين.

وعلى الرغم من تعطيل الجلسات وتلقيه «السهام الموجهة» سياسياً من الشارع وخناجر بعض حلفائه السياسيين، لكنه آثر كعادته لا سيما في المفاصل الأساسية التعامل بكبرياء وطنية.

ومواكبة لتفاقم الأزمة، لم تهدأ محركات بري على صعيد الملف الحكومي، فقد لعب دوراً محورياً وغالباً بعيداً عن الأضواء في عملية التفاوض على الأسماء التي طرحت تباعاً للتكليف في جلسات طويلة بين الخليلين والحريري في دارة الأخير، وكان أكثر المرشحين جدية المهندس سمير الخطيب الذي أيّده بري على مضض وبقيت عينه منصبّة الى بيت الوسط، فما إن سقط خيار الخطيب حتى ارتفع منسوب التفاؤل في «العين»، بحسب مصادر «البناء» وتحديداً بعد موقف دار الفتوى بدعم الحريري حصراً ما اعتبره البعض سلبياً، إلا أن بري نظر الى «القسم الملآن من الفنجان» ورأى في موقف «الدار» حافزاً للبيت الحريري لإعلان ترشيحه رسمياً وعقد تسوية جديدة مع الأطراف السياسية وبدء التفاوض على الصيغة الحكومية.

 لكن ما نُقل عن بيت الوسط أمس، بأن الحريري متمسك بحكومة تكنوقراط كشرط أساسي لعودته الى السرايا الحكومية أو البحث عن غيره، شكل صدمة وإحباطاً لدى رئيس المجلس، وفي تلك اللحظات بدأ بري يتلمس خطورة أكبر للأزمة القائمة وبأن «ما وراء الأكمة ما وراءها» والبحث بخلفيات موقف الحريري ما إذا كان فقط لرفع سقفه التفاوضي قبل الولوج بجولة تفاوض جديدة قبل الاثنين، أم يعكس تشدداً أميركياً بحكومة بلا حزب الله والوزير جبران باسيل!

وترى عين التينة، بحسب مصادر «البناء» في موقف «الشيخ سعد» مزيداً من تعقيد الأزمة، وتشير الى أنه «رغم انسداد الحلول حتى الساعة، لكن الآمال معقودة على جهود يبذلها بري قبيل الاثنين المقبل موعد الاستشارات التي تقول مصادر بري إنه اثنين الحسم والتكليف للحريري أو شخصية أخرى والبدء بالتأليف، لأن البلد لم يعد يحتمل لعبة حرق الأسماء والوقت ولا حرق أعصاب اللبنانيين.

وتؤكد المصادر في هذا السياق أن «الاتصالات بين الرئاستين الثانية والثالثة لم تنقطع عبر الوزير علي حسن خليل، لكنها تشير الى أنه «حتى الآن لم يطلب أحد من بري التدخل على صعيد تقريب وجهات النظر». غير أن  دور بري يزداد أهمية وحاجة مع انقطاع التواصل على خط بعبدابيت الوسط وتوتر العلاقة بين الحريري وباسيل، فضلاً عن التباعد المستجدّ بين حزب الله وتيار المستقبل بسبب التباس وغموض موقف الحريري إضافة الى بعض التباين حكومياً وفق معلومات «البناء» بين حارة حريك وميرنا الشالوحي، لكن رئيس البرلمان يراهن على تحوّل بوصلة الحريري الى حدود البحث رسمياً بتكليفه تمهيداً للتأليف، ويؤشر بري الى عامل مسهّل لعودة الحريري متمثل بتراجع غربي وتحديداً فرنسي عن حكومة «التكنوقراط» لصالح حكومة «فاعلة توحي بالثقة»، فلماذا يُصرّ الحريري على «التكنوقراط»؟

ومن المخارج المطروحة في التداول بحسب معلومات «البناء» والتي لم تظهر بشكل رسمي، هو حكومة تكنوسياسية برئاسة الحريري بمشاركة حزب الله وحركة أمل والحزب الاشتراكي وتمثيل بعض مجموعات الحراك مع انتقال التيار الوطني الحر الى صفوف المعارضة فيما ينال رئيس الجمهورية ميشال عون حصة وزارية مسيحية وازنة، وهذا ما تشير اليه أدبيات الوزير باسيل المستجدّة عن «عدم التمسك بالكراسي بل بحكومة منتجة وناجحة». لكن أي صيغة جدية لم تطرح رسمياً حتى الآن بحسب المعلومات التي أكدت لـ»البناء» أيضاً أن رئيس الجمهورية لن يؤجل الاستشارات إسبوعاً آخر، بل ستُجرى بمن حضر وسيجري التكليف وفقاً لنتيجتها ويبدأ التأليف.

مصادر مقرّبة من رئيس المجلس النيابي ترى أن «موقف دار الفتوى يحمل سلبية وإيجابية في آن معاً لجهة نتيجته على الملف الحكومي، فحصر الترشيح بالحريري إيجابي إذا دفع الأخير الى اعلان ترشحه وتسهيل التأليف، أما الشق السلبي فيتمثل بإغلاق الباب على أي مرشح آخر يجري الذهاب اليه اذا تعذّر تكليف الحريري، ما يعني أن الازمة مرشحة للمزيد من التعقيد بعد الاثنين. وتسأل المصادر: هل يتنازل الحريري في الوقت المتبقي؟ وماذا إذا أصرّ على موقفه و»ريجيمه السياسي»؟ وما هي الخيارات البديلة؟ وهل يتنازل بري عن خيار الحريري ويقطع عنه «لبن العصفور» الذي قدّمه له لصالح مرشح آخر تسمّيه الأكثرية النيابية لتأليف حكومة مواجهة؟ 

يُفضل بري الانتظار لقراءة نتائج مؤتمر باريس اليوم ومشاورات الأيام الفاصلة وحينذاك يتبين الخيط الأبيض من الأسود، وتنحصر في ضوئها الخيارات بثلاثة: الحريري وفق صيغة حكومية جديدة أو حكومة الأكثرية النيابية أو أن البلد يتجه الى أزمة طويلة مع خطر الانهيار الاقتصادي والمالي، ولا تخفي عين التينة قلقها من خطورة الأزمة على المستويين الاقتصادي والحياتي والأمن الغذائي والصحيّ للمواطنين، وتنظر بعين الريبة الى الاستغلال الإسرائيلي للأزمة للمسّ بحقوقنا السيادية لا سيما النفطية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى