الوطنكتاب بناء

النظام اللبنانيّ في عيون المستثمرين به «وحلّابيه»!

} د. وفيق إبراهيم

التمعّن في تصريحات حديثة أطلقها فريق رباعي من قوى النظام السياسي اللبناني يشعر وكأنه امام واحد من احتمالين: إما أن يكون في مأتم يشيع فيه عزيزاً غالياً قد يؤدي عدم العثور على مثيل مشابه له إلى وضع نحو واحد في المئة من اللبنانيّين في دور للأيتام أو السجن.

أما الاحتمال الثاني فيشجّع على اعتبار هذه التصريحات دعوات صارخة لقسم من «أهل النظام» استفاد من مغانمه، إلا أنه يحاول في هذه المرحلة قيادة التغيير على أساس أنّه ثوريّ وفوق الشبهات.

مَن هم هذا الرباعي؟

الأول هو سعد الدين الحريري الذي أصدر حزبه المستقبل بياناً يدين فيه الخطاب الأخير لرئيس الحكومة حسان دياب بذريعة أنه نعي «للنظام الديموقراطي» وانقلاب على النموذج الديموقراطي والاقتصادي، معتبراً أنه سدد ايضاً طعنة رعناء في دور لبنان الطليعي.

لجهة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط فتعمّد الابتعاد عن الشعر و»لبنان العظيم»، مؤكداً ان خطاب دياب «يذهب الى الانتقام من «طبقة سياسية» بأدوات الحقد السياسي والظلام الشمولي»، معتبراً ان هذا البيان الحكومي لم يذكر أي كلمة عن الإصلاح والكهرباء وحماية الصناعة والتهريب من الحدود الشرعية وغير الشرعية، والتشكيلات القضائية وكيفية التعامل مع مسألة الديون والاتجاه الى تعميم الإفلاس.

بدوره اعتبر فتى الكتائب سامي الجميل أن استهداف النظام السياسي هو رمي على لبنان التاريخي والأرز والديمقراطية، مستنكراً إطلاق ست رصاصات في ليل بهيم على مقرّ الحزب في الصيفي ومتهماً بالطبع أطرافاً تريد النيل من تموضع الكتائب في خندق «لبنان الأبدي والسرمدي».

والطريف أن «الشيخ» سامي قال إن حزبه مستهدف من الطبقة السياسيّة معلناً انتسابه الى «الثورة» واستعداده لحمايتها!

بالنسبة لجعجع قائد حزب القوات فإنه كما يزعم ثوري يريد التغيير، لكنه لا يوافق على خطاب دياب لانه يرمي إلى «النظام الديمقراطي للبنان العظيم».

ما هي القواسم المشتركة لهذا الرباعي؟ لبنان ونظامه الديمقراطي الفريد من نوعه، ونظامه الاقتصادي الحديث ودوره الطليعي ومهاجمة الظلام والحقد.

ما هو غريب هنا أن هذا الرباعي يقرّ بوجود انهيار اقتصادي كامل، لكنه يهرب من أي تحميل أحد مسؤوليته لأي جهة وكأنه أتى من مصدر خارجي او من الفضاء الخارجي، ويتكلمون عن ديمقراطية او نظام ديمقراطي في بلد يحكمه زعماء طائفيّون في أحزاب طائفية، تستعمل التباين الديني وسيلة لإضعاف المجتمع وتقوية أوضاعها.

فهل هناك مَن يُنكر أن الجنبلاطية هي وريثة جنبلاطية القرن السادس عشر من علي جنبلاط الى أولاده وصولاً الى فؤاد والسيدة نظيرة جنبلاط وكمال ووليد وتيمور، وهكذا يستمرّ التوارث حتى انقضاء المعادلة اللبنانية بتغطية من حزب تقدمي اشتراكي، لا علاقة له بكل هذه الصفات والسمة الأساسية التي تتحكم فيه هي الرئاسة الجنبلاطية التي تجمع بين الإقطاع والبورجوازية والدكتاتورية والسيطرة على طائفة بكاملها، وذلك بالإمساك بتفاعلاتها من الدين الى الدنيا. فكيف يكون لبنان هذا ديموقراطياً وطليعياً مع هذا النمط من أحزابه «الحاكمة»؟

وهذا ما ينطبق على حزب المستقبل الذي تنتقل قيادته بالتوريث من المرحوم رفيق الى سعد وبهية وأبنائها، وأقربائها، وبهاء بالانتظار يترقب تغطية سعودية للحلول مكان أخيه.

هنا تكفي الإشارة الى ان هذا الحزب يعتبر النموذج السعودي ملهمه إنما مع شيء من الحداثة اللبنانية الشكلية التي تتمظهر على شكل توزير نساء ومنح سيدات مقاعد نيابية وإدارات عامة.

فإذا كان نموذج الحريريين هو مملكة آل سعود، ألا يعني ذلك أنهم يحاولون صناعة نموذج مماثل لهم في لبنان مع الإقرار بضرورة تمثيل الطوائف للتعبير عن خصوصية البيئة اللبنانية؟

بأي حال هناك اتفاق سياسي من الخارج المرتبط بلبنان والداخل، ان الانهيار الاقتصادي الحالي يحتاج ليصل الى هذا المستوى الى سياسة ريعية اقتصادية في بلد لا إنتاج فيه، وهذه المرحلة هي العصر الحريري الذي بدأ منذ 1992 متوقفاً عند استقالة السعد من رئاسة الحكومة قبل أشهر، بمعنى أن السياسة الاقتصادية التي يطبقها لبنان منذ وصول «الرفيق أبي بهاء» هي التي أدت الى هذا الإفلاس البنيوي.

يتبقى جعجع وهو الحليف الاساسي للحريرية السياسية ولم يتخل عنها الا بعد إيعاز سعودي أشار عليه بالتوقف عن التنسيق حتى إشعار ملكي آخر.

فأي ديمقراطية هي التي ينادي بها حزب قواتي قام على مفهوم طائفي للسلطة وطبقه بالحديد والنار ضد الخصوم والحلفاء متعاملاً مع قوى خارجية لا يزال لبنان السياسيّ متعادياً معها ولا يعترف بها؟

فأين هو هذا لبنان الطليعي الديمقراطي هذا ونموذجه الاقتصادي الفريد؟

وهل يستطيع الكلام المعسول إخفاء هذا السطو الفريد من نوعه على لبنان الشعب والدولة من قبل هذه العصابات السياسية؟

هنا لا بدّ من الاعتراف بأن جنبلاط هاجم مباشرة من يعتقد أنه مسؤول عن تدمير دور الطبقة السياسية التي ينتمي إليها، واستولى بواسطتها على كل ممتلكاته وهي برأيه قوى الحقد والظلام، وبما أن حسان دياب مدعوم من التيار الوطني الحر وحزب الله فإنه يشكل معهما هذه القوى الحاقدة والظلامية. هذا برأي جنبلاط الذي يحلم بالعودة الى النظام الطليعي الديمقراطي الذي أفقر لبنان وأفلسه.

لكن المؤشرات تؤكد أن لبنان ذاهب تدريجياً نحو وقف التدهور والعمل تدريجياً على بناء بلد جديد يبتعد عن شعر الكتائب والقوات وإرهاصات جنبلاط والقرون الوسطى الحريريّة السعوديّة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق