الوطنكتاب بناء

هذا ليس تهويلاً

} د.وفيق إبراهيم

المخابرات الأجنبية «السارحة» في ميادين لبنان من دون أي معوقات داخلية، تعمل في هذه المرحلة وبسرعة قياسيّة مع منظمات دينيّة متطرّفة لتشكيل مجموعات عسكرية من ثلاثة موارد.

هذا ليس تهويلاً إنه المشروع الأخير لسياسات اميركية ـ خليجية، تعمل على إعادة تجذير نفوذها في لبنان. وهذا لا يكون إلا بإزاحة اصحاب النفوذ الحالي أي حزب الله، بما يعنيه الإقصاء من انهيار سريع لمجمع تحالفاته كما يعتقدون، فقسم منها مستعدّ حسب مزاعمهم لتغيير وجهته عند انبثاق موازنات جديدة وجزء آخر يكتفي بالصمت، إلى جانب أنواع من الحلفاء الذين لن يتركوه وحيداً، معلنين إصرارهم على القتال معه مهما بلغت الصعوبات.

هذا هو عمل المؤامرة وسعيها الدؤوب ولهذه الخطة متابعون ومنظمون وثلاثة مكوّنات يحشدونها طائفياً ومالياً.

هؤلاء المنظمون هم المخابرات الأميركية العاملة في لبنان مع ادوار هامة للمخابرات السعودية والإماراتية والتركية، واحزاب جند الاسلام والاخوان المسلمين والقاعدة وأرحامها وشيوخ التطرف كسالم الرافعي وحسام الصباح ونبيل رحيم وكنعان ناجي، إلى جانب أجنحة محسوبة على المستقبل والميقاتي واشرف ريفي وعميد حمود، أما الدور الأكبر فهو لبهاء الحريري وقدراته التمويلية على جذب، الفقراء في الطريق الجديدة والبقاع الغربي والشمال ورجله الحلبي.

هذا الدور معروف حتى الآن ويساعده حزب القوات وبقايا حراس الأرز من المتوغلين في «الاسرائيليات» بالعمالة التاريخية العلنية.

لكن هذا الجانب أصبح جزءاً من خطة أكبر كشف أمرها الأمن اللبناني بعد سلسلة اعتقالات تبين له فيها اتساع حلقات هذا المخطط الداخلي ليشمل مخيمات النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين.

هذا العمل لا يزال متجهاً حتى الآن الى إحداث فتنة سنية ـ شيعية او المحافظة على توتر عميق بين طرفيها.

بالمقابل تتعامل القوى المتطرفة الشمالية مع نافذين بين النازحين السوريين وآخرين فلسطينيين بالتحريض الديني والجذب المالي.. فتصبح الخطة اشتباكات داخلية مذهبية في أكثر من منطقة تتزامن مع غارات إسرائيلية على مواقع لحزب الله.

هناك معلومات توصلت اليها جهات أجنبية أن هذه الخطة وضعت أموالاً تكفي لتنظيم نحو عشرين الف سوري وفلسطيني بموازاة اشتراك نحو عشرة آلاف مسلح لبناني من الاحزاب الشديدة التطرف.

لذلك يعتقد أصحاب الخطة ان هذه الكمية الكبيرة من المسلحين مع تمرّد لحزب القوات اللبنانية في المناطق ذات الاكثرية المسيحية كفيل بإلحاق هزيمة كبيرة بحزب الله، وانتزاع السلطة من الرئيس ميشال عون وإبعاد رئيس مجلس النواب نبيه بري من رئاسة السلطة التشريعية ومعه حركة امل المستعدة لقتال شديد الى جانب حزب الله.

ماذا يريد أصحاب الخطة الخارجيون؟ يعتقدون ان ضرب حزب الله يؤدي تلقائياً الى نتيجتين سريعتين: تسهيل صفقة القرن في ضم الجزء الأكبر من الضفة الغربية الى الكيان المحتل والغاء الدور الايراني في لبنان وسورية.

هذا ما يجعل السلطات في لبنان مجرد أدوات أميركية ـ إسرائيلية خليجية كاملة لا وجود فيها لمصالح لبنانية فعلية، وتسارع الى الاعتراف بـ»اسرائيل» وتنظيم علاقات تؤدي الى تسهيل ولادة الحلف العربي ـ الاسرائيلي المعادي لإيران والذي يتجه تدريجياً لمعاداة الصين وروسيا.

ان الاعتقالات التي نفذتها الأجهزة الامنية اللبنانية توصلت الى توقيف «فتاة محجبة» تعمل مع المخابرات الإسرائيلية وتزوّدها بمعلومات عن حزب الله وحلفائه.

كما انتزعت من معتقلين فلسطينيين وسوريين معلومات هامة حول بدء عملية تطويع واسعة في المخيمات تعتمد على حالة الفقر الشديد المستشرية في لبنان، خصوصاً بين النازحين، فهؤلاء أصبحوا مخيرين بين الموت جوعاً او العودة الى سورية في هذه الظروف الصعبة، ما يعني النتيجة نفسها من الفقر والجوع المتضاعف مع سريان «قانون» قيصر بحصار سورية.

هذا الجانب يتعلق بالخطة، لكن حزب الله ليس غافلاً عما يخططون له حتى داخل بعض المتورطين في المخيمات الفلسطينية، ويعمل مع حلفائه من الفلسطينيين والسوريين على إجهاض مشروع الفتنة والتوريط.

المعتقد هنا، أن السوريين والفلسطينيين لن ينجذبوا الى هذه المحاولات لأنهم يعلمون سلفاً أنها فاشلة وتهدد استقرارهم في لبنان، معتبرين ان هذه الخطة تصب في مصلحة الكيان الاسرائيلي والمجموعات الطائفية الحاقدة، وهم ليسوا مع الكيان ولا مع الإرهاب الديني.

لذلك فإن حجم المنخرطين منهم لن يزيد عن بضع عشرات أغراهم المال السعودي والإماراتي. بذلك تبقى المشكلة اللبنانية الداخلية هي الأخطر خصوصاً حين تغطي العدوان الإسرائيلي الذي يريد استهداف حزب الله.

هنا يجيب المنطق ان مناصري حزب الله في الطوائف اللبنانية هم أكثر عدداً بكثير من أخصامه، وإذا كانت الاحزاب الارهابية تستهدفه فإن احزاباً وشخصيات وفاعليات من مختلف انحاء لبنان تسانده وتعتبره اساساً للدفاع عن لبنان ضد الجيش الاسرائيلي.

ان مثل هذه التوازنات تحبط داعش ومؤيديها والاخوان المسلمين في الداخل اللبناني، لكنها قد تمنعهم من إثارة النعرات، وهذا لا يكفي لشق الشارع.

فلا يتبقى الا العدوان الاسرائيلي، وهذا قد لا يتجرأ على تنفيذ غاراته، عندما يعلم أن الاسباب الداخلية المعادية لحزب الله ضعيفة وواهنة، وان عشرات آلاف الصواريخ متأهبة لإصابة اهداف في فلسطين المحتلة، بالاضافة الى عشرات آلاف المجاهدين المختفين في باطن الأرض يترقبون هجوماً اسرائيلياً لإبادته.

يتبين ان المحاولات التآمرية موجودة وكثيرة، لكن القدرة على تنفيذها مستحيلة في توازنات قوى يبدو فيها الحزب وتحالفاته ممسكين بالداخل اللبناني ولهم دور كبير في الإقليم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق