أولىكتاب بناء

الإرادة الشعبيّة في مواجهة ديلسبس!‏

 د. محمد سيّد أحمد

 

ولد فرديناند ديلسبس لأسرة فرنسية اشتهر أفرادها بالعمل الدبلوماسي، وكان والده ماتيو ديلسبس أحد المقرّبين من نابليون بونابرت حيث أوفده إلى مصر مبعوثاً شخصياً له، وتمكّن من بناء شبكة علاقات جيدة مع شيوخ الأزهر، خاصة علماء الديوان، والذي كان نابليون قد أسّسه في القاهرة. وخلال فترة الفراغ السياسي من 1801 إلى 1805 تعرّف على الضابط الألباني محمد علي وقرّبه من المشايخ والعلماء، وبعد أن تولى محمد علي الحكم بإرادة شعبية استدعى نابليون ماتيو ديلسبس وحلّ محله فرنسي آخر هو دوروفيتي وأصبح المستشار الفعلي السياسي والعسكري والإداري لمحمد علي.

 وكان آخر ما طلبه ماتيو ديلسبس من صديقه محمد علي قبل رحيله هو الأخذ بيد ابنه الوليد فرديناند ديلسبس، وفي سنّ السابعة والعشرين اختير فرديناند ديلسبس قنصلاً مساعداً لفرنسا بالإسكندرية عام 1832، ومن هنا بدأت حكايته مع الأسرة العلوية باعتباره أحد المقرّبين منها، حيث أصبح يتمتع بنفوذ كبير وكلمة مسموعة في دوائر صنع القرار.

وعلى الرغم من أنّ فكرة حفر قناة السويس فكرة قديمة لها جذورها منذ العصر الفرعوني، إلا أنّ الفكرة التي تحوّلت إلى مشروع القناة الحالية بدأت عام 1840 على يد المهندس الفرنسي لينان ديبلفون الذي أعدّ مشروعاً لشقّ قناة مستقيمة تصل بين البحرين الأحمر والأبيض من دون أيّ مخاوف من ارتفاع منسوب مياه البحر الأحمر عن مياه البحر المتوسط، وفي أوائل عام 1846 أنشأ «السان سيمونيون» جمعية لدراسات قناة السويس في باريس، وأصدر المهندس الفرنسي بولان تالابو تقريراً في أواخر عام 1847 مبنياً على تقرير لينان ديبلفون أكد فيه إمكانية حفر القناة من دون حدوث أيّ طغيان بحري لأنّ هناك تساوياً في منسوب البحرين الأحمر والمتوسط.

وعند هذه اللحظة جاء دور فرديناند ديلسبس وهو الفتى المدلل من محمد علي وأبنائه، ولمَ لافقد ساهم والده في صعود محمد علي لسدة الحكم في مصر، وقام الفتى المدلل بعرض الفكرة على محمد علي، لكنه رفضها خوفاً من تدخل الدول الأجنبية في شؤون البلاد، ثم جاء عباس الأول خلفاّ لجده محمد علي فهو إبن الأمير طوسون الذي توفي مبكراً في عام 1816 فاحتضنته جدّته أمينة هانم زوجة محمد علي باشا، ودلّلته كثيراً ورفضت إرساله للخارج مع البعثة المصرية خوفاً عليه، وقام ديلسبس بعرض الفكرة مجدّداً عليه، لكنه رفضها أيضاً حيث كان النفوذ البريطاني كبيراً في عهده، وكانت بريطانيا رافضة للمشروع وتثير الكثير من المخاوف منها طغيان البحر الأحمر لارتفاع منسوبه عن البحر المتوسط، وقدّمت بريطانيا مشروع السكة الحديد بين القاهرة والإسكندرية بديلاً للوالي عباس الأول.

وفي عام 1854 تمّ اغتيال الوالي عباس الأول، وتولى الحكم من بعده عمه محمد سعيد باشا الابن الرابع لمحمد علي باشا، وكان صديقاً مقرّباً من ديلسبس فانتهز الفرصة وعرض عليه المشروع مرة أخرى، وبالفعل تمكّن من انتزاع موافقته وحصل على موافقة الباب العالي في اسطنبول، فقام بموجبه بمنح الشركة الفرنسية برئاسة ديلسبس امتياز حفر وتشغيل القناة لمدة 99 عاماً.

استغرق حفر القناة عشر سنوات من 1859 إلى 1869 وساهم في عملية الحفر ما يقرب من مليون عامل مصري، وهو ما يقدّر بربع سكان مصر في ذلك الوقت، مات منهم أكثر من 120 ألفاً أثناء عملية الحفر نتيجة الجوع والعطش والأوبئة والمعاملة السيئة، حيث كان العمل بالسخرة، ويمثل هذا العدد 3 % تقريباً من مجموع تعداد المصريين في ذلك الوقت، ومع الافتتاح الأسطوري للقناة وضع تمثال ضخم لديلسبس في مدخل القناة في بورسعيد.    

 وفي عام 1956 قام الرئيس جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس، ومع الإعلان تمّ العدوان الثلاثي على مصر، وقاوم العدوان أهالي بورسعيد ببسالة، ثم توجّهوا إلى التمثال وقاموا بهدمه ووضع بعد ذلك في مخازن الترسانة البحرية لقناة السويس ولم يبقَ من التمثال إلا قاعدته التي يصل ارتفاعها إلى عشرة أمتار، ومؤخراً أطلت علينا جمعية أصدقاء ديلسبس والتي تنسب له فضل حفر قناة السويس، وتحاول إقناع محافظي بورسعيد الواحد تلو الآخر بإعادة وضع تمثاله بمدخل قناة السويس، على الرغم من أنّ هدم التمثال كان بالإرادة الشعبية، ولا تزال هذه الإرادة رافضة لتزوير وتزييف التاريخ.

فالحقيقة تقول إنّ الذي حفر هذه القناة هم أبناء الشعب المصري وليس ديلسبس، وعودة التمثال هو خيانة لدماء الشهداء الذين قدّروا بثلاثة بالمئة من تعداد المصريين وقت حفرها، وإذا اعتبرت هيئة الآثار التمثال أثراً فليتمّ وضعه في أحد المتاحف، أما قاعدة التمثال الحالية فيجب أن يوضع فوقها تمثال للرئيس جمال عبد الناصر الذي حرّر مصر من الاستعمار وقام بتأميم القناة، ويجب على محافظ بور سعيد أن لا يصطدم بالإرادة الشعبية التي تقف في مواجهة ديلسبس، وهي التي تستغيث اليوم بالرئيس عبد الفتاح السيسي لينتصر لها ويحقق مطلبها المشروع في وضع تمثال لابنها وليس تمثالاً للجلاد الذي اغتال أبناء شعبنا أثناء عملية الحفر. اللهم بلغت اللهم فاشهد

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق