أولى

القداسة للاستراتيجيّة لا للتوقيت

 سعادة مصطفى أرشيد*

 

 

(يجب على إسرائيل أن لا تفوّت الفرصة وتفقدها لاعتبارات خارجية. إن عدم تنفيذ عملية الضمّ في موعدها ودون إبطاء، سيعرّض أمن دولتنا ومستقبلها للخطر على المدى القصير والطويل أيضاً). هذا ما طالب به ألف من الجنرالات وضباط الاحتياط في الجيش الإسرائيلي في رسالة بعثوا بها إلى رئيس وزرائهم بن يامين نتنياهو، يطالبونه بإلحاح بانتهاز الفرصة الذهبية التي لن تتكرّر أبداً

الرسالة بكاملها مثيرة للاهتمام حيث إنها تمثل تعبيراً دقيقاً للعقيدة العسكرية والأمنية لديهم، ولكن من اللافت للانتباه استعمال كلمة الاعتبارات الخارجية، التي تذكرنا بإحدى مقولات وزير الخارجية الأميركي الأسبق والعارف بالشأن الإسرائيلي د. هنري كيسنجر، الذي كان يرى أن لا سياسة خارجية لـ«إسرائيل» وإنما سياسات داخلية لها انعكاساتها الخارجية. تفيد الأخبار العبرية وكما يورد المختصون الراسخو العلم في الشؤون الإسرائيلية، أن الوفود الدبلوماسية الأميركية التي تتلاحق في زياراتها لتل أبيب، كان هدف معظمها فتح حوارات مع الأحزاب والقوى السياسية لدفعهم لاتخاذ موقف مشترك من عملية الضم، ولإجراء مصالحات بين المتخاصمين منهم.

من ينظر بعين مدققة للحراك السياسي في «إسرائيل»، يدرك أن الخلاف بين تلك المكونات اليمينية واليمينية المتطرفة، لا يكمن في الجوهر غالباً وإنما على هوامش شكلية ضيقة، ففي حين يرى الجنرالات والضباط الألف ومعهم فريق من الحكومة ضرورة تنفيذ الضم في موعده فيما يرى بن يامين نتنياهو ضرورة تنفيذ الضم، ولكن مع احتمالية تأجيله لوقت قصير أو تنفيذه بالتقسيط في حال استطاع قبض أثمان مجزية مقابل هذا التلكؤ منها ما يمكن أخذه من واشنطن، ومنها ما يمكن أن يبتز به الأردن ومصر والخليج ومنها أيضاً ما يعزز وضعه كبطل لا كفاسد أمام سيف المحكمة المسلط، ويعزز من مكانته السياسية ما دام في دائرة العمل السياسي ويدخله التاريخ لاحقاً مع قائمة ملوك «إسرائيل» الأقوياء من أمثال شاؤول وداوود وسليمان ورحبعام، يرى فريق آخر أن عملية الضم تأخذ شكلاً فجاً وهي لا داعي لها، إذ إن المناطق المنوي ضمها هي تحت «السيادة» الإسرائيلية بالكامل وذلك منذ حرب حزيران عام 1967، ثم أن اتفاقية أوسلو كانت قد صنفت هذه المناطق المنوي ضمها (مناطقc ) باعتبارها ستبقى حكراً تحت السيادة الإسرائيلية تاركة للسلطة مغارم تقديم الخدمات لسكانها، وأنه لا احد يستطيع بناء بيت أو حفر بئر أو حتى نصب خيمة دون إذن أو غض نظر الجيش الإسرائيلي، هذا ويتطابق أطراف الحكومة في الأخذ بالعقيدة العسكرية والأمنية للدولة التي ترى في غور الأردن مصيدة الدبابات والتي لا يمكن التنازل عنها والتفريط بها أو السماح بوجود سيادة غير سيادتهم عليها، تحت أي ظرف من الظروف، ولكن الفريق الذي لا يميل إلى تنفيذ الضم، يرى أن الشكل الخشن للقرار من شأنه تأليب الرأي العام العالمي على «إسرائيل»، ويؤثر سلباً على العلاقة مع الأردن ومصر، ويبطئ من سرعة التطبيع العلني مع السعودية والإمارات، ثم أنه في حقيقة الأمر وعلى ارض الواقع لن يفعل أكثر من نقل المسؤولية عن إدارة هذه المناطق من صلاحيات الجيش ووزارة الدفاع لصلاحية موظفين يرتدون الزى المدني ولصلاحيات وزارة الداخلية الإسرائيلية.

ينظر كثير من الإسرائيليين نظرة نقدية لبعض أبطال بناء دولتهمالآباء الأوائل، ومع أن الشواهد على ذلك عديدة إلا أن شاهدنا في هذا الوقت هو في نقدهم لبطل استقلالهم دافيد بن غوريون الذي رأى عام 1948 ضرورة عدم إغضاب الانجليز أكثر مما يجب، وضرورة إبقاء باب التفاوض مع العرب موارباً لاحتمال قبولهم بوجود «إسرائيل» إلى جوارهم، فاكتفى بتجاوز قرار التقسيم بقليل وفيما يرى منتقدوه المعاصرون أنه كان يستطيع احتلال كامل فلسطين الانتدابية دفعة واحدة ومعها منابع الليطاني في جنوب لبنان الحالي وأجزاء من سورية والأردن، وانه لو فعل ذلك في حينه لما استطاع الإنجليز والسوريون والأردنيون واللبنانيون فعل شيء أكثر من العويل والصراخ والاحتجاج. ويرى منتقدوه أيضاً بأنه كان عليه طرد كل من ليس يهودياً من أرض الدولة اليهودية، في حين أن بن غوريون رأى أن وجود قليل من الفلسطينيين قد يكون مفيداً لإيجاد عمالة رخيصة ولدرء صفة العنصرية عن الدولة. بالطبع لم يدرك أن معدلات الخصوبة الإنجابية لدى الفلسطينيين مرتفعة، وها هم قد أصبحوا بتعدادهم يقاربون ربع السكان ومرشحون ليصبحوا النصف أو يزيد بعد عقد من الزمن. ومن الشواهد أيضاً النقد الذي طال وزير الدفاع الأشهر الجنرال موشيه دايان، إذ فور احتلال القدس عام 1967، قام الجيش الإسرائيلي برفع الأعلام فوق قبة الصخرة وعلى أسطح المسجد الأقصى، منع دخول المسلمين للمسجدين والباحة المحيطة وذلك لبضعة أيام، إلى أن جاءه السفير التركي ناصحاً بإنزال الإعلام، قائلاً له إن من شأن ذلك تأليب مليار مسلم على دولة الاحتلال وقد يقود إلى دعوات جهادية يشارك بها الملايين من (طنجة إلى جاكرتا)، وقد أخذ دايان بالنصيحة وأنزل الأعلام، وسمح بالدخول للمسجدين، ترى النظرة النقدية المعاصرة أن الأخذ بالنصيحة التركية كان خطأ فادحاً ارتكبه موشيه دايان، فلو لم يفعل لكانت تلك الأماكن (جبل الهيكل) تحت سيادتهم، وأن لا أحد في العالم كان سيتحرك أو ليمارس ضغطاً في الدفاع عن تلك الأماكن.

الموعد الذي انتظره الفلسطيني بقلق، والإسرائيلي بشوق وشغف، قد استحق اليوم، فقد يعلن نتنياهو اليوم عن الشروع في تنفيذ إجراءات الضم بشكل فوري وقد يؤجل ذلك لبعض الوقت، ولكنها مهما تأخرت فإنها آتيه لا محالة ولن تعيقها إلا أحداث خارج الحسابات السياسية التي بين أيدينا، وبكلمة أخرى أحداث من عالم الغيب، وذلك مما لا يعوّل عليه بالسياسة.

يساعدنا على تقدير الموقف الإحاطة بمجموعة من المسائل، منها أنّ منطلق فكرة الضم كانت قد جاءت باعتبارها ركناً أساسياً من أركان صفقة ترامب (صفقة العصر)، وهي تمثل رؤية الإدارة الأميركية الحاكمة، ولم تأت باعتبارها ملحقاً إسرائيلياً للخطة (الصفقة)، وبالتالي فهي مدثرة سياسياً بالدثار الأقوى عالمياً، ومن المسائل جديرة  بالملاحظة، أن الرئيس الأميركي وطاقمه على وشك الدخول في مرحلة الدعاية الانتخابية، للاستحقاق الرئاسي في مطلع تشرين الثاني المقبل، يحتاج ترامب أكثر ما يحتاج لاستمرار الدعم من الطائفة الانجيلية(Evangelicals)   وهي من أقوى الطوائف في الولايات المتحدة وأكثرها ديناميكية وتماسكاً وقابضة على كم مهم من الأصوات الانتخابية، هذه الطائفة ترى في عملية الضم ضرورة إيمانية مرتبطة بمعتقداتها ورؤى عودة المسيح المخلص، وهي كذلك من الداعمين لليمين الحاكم ونتنياهو، الذي يرى بدوره انسجاماً بين إيمانهم وضروراته السياسية.

لا زال نتنياهو يملك ترف اللعب بالوقت، وهي فرصة لابتزاز أطراف عربية ودولية، مقابل تأجيل إجراءات الضم أو تقسيطها، لديه بضعة أشهر تنتهي في مطلع تشرين الثاني المقبل، لا يرى نتنياهو المواعيد مقدسة، وإنما القداسة للاستراتيجية وضرورات الأمن القومي التي لا ترى محيداً عن اتخاذ هذه الخطوة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*سياسي مقيم في جنينفلسطين المحتلة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى