الوطن

إبن سلمان مشروع
 لاستنزاف السعوديّة!

} د. وفيق إبراهيم

انفجار الصراعات الأميركيّة الداخليّة يفتح شهية أوروبا لتعبئة مساحات من النفوذ القطبيّ الأميركي الشاسع، خصوصاً في مناطق موارد الطاقة التي تستطيع الاستيراد دائماً ولديها من الإمكانات ما يسيل لها لعاب الأمم المنتجة.

هذه المعادلة تشمل روسيا والصين واليابان، التي تراهن على تراجع الأحادية الأميركية القطبية لأسباب داخلية وخارجية فيصبح بوسعها التسلل إلى الخليج وبيعها سلعاً وأسلحة وسياسة.

ما يجعل هذه المعادلة التي تقوم على بيع مواقف سياسيّة مقابل تطوير العلاقات الاقتصادية هي المتحكمة بين الأميركيين وولي عهد السعودية محمد بن سلمان الذي يستند عليها للتسلل الى العرض الملكي وسط نقمة الآلاف من أمراء العائلة السعودية الغاضبين من هذه القطبية التي بناها إصرار الرئيس الأميركي على تأييد ابن سلمان في كل ما يفعله من جرائم وقتل وتدمير وصولاً الى سجن أولاد عمومته والإقامات الجبرية في منازلهم والفنادق مانعاً حركتهم في الاتصال الداخلي والخارجي.

لقد بدا واضحاً ان الدعم الأميركي الكامل لابن سلمان منذ وصول ترامب الى الرئاسة الأميركية في الـ 2016 وضع الإمكانات الاقتصادية السعودية في خدمة السياسة الأميركية ولوبياتها الاقتصادية ومصانع أسلحتها. وهذا يشمل الدول المؤيدة للسعودية في البحرين والإمارات وجهات واسعة.

هناك تغييرات أصابت هذه المعادلة التقليدية المعمول بها منذ معاهدة كوينسي بين عبد العزيز السعودي وروزفلت الأميركي في 1945 على اساس الحماية الأميركية مقابل الإمساك الأميركي بالاقتصاد السعودي. وأضاف اليها ترامب دفعاً كبيراً أمّم بموجبه معظم عائدات السعودية لمصلحة بلاده بالهبات والديون الشكلية غير القابلة للسداد والصفقات.

لكن التراجع القطبي الأميركي من جهة وصعود التباينات العمودية من خلافات عرقية وجهوية ودينية من جهة أخرى، نتيجة لسياسات حاول فيها ترامب كسب أصوات البيض الأميركيين.

 أدى انتعاش آمال القوى الاوروبية بالعودة لالتهام حصة من العائدات الاقتصادية في بلدان الخليج.

هذه الريوع التي كان ترامب يحتكر أكثر من 90 في المئة منها بمفرده.

كيف يحاول الأوروبيون الاستحصال على قسم منها؟

يحاولون الاستفادة اولاً من التقهقر النسبي للدور العالمي الأميركي ويرون أنها فرصة للتموضع في قلب الاقتصادات الخليجية من دون احتكاكات كبيرة بالأميركيين.

فيجدون في ولي العهد محمد بن سلمان الجسر الملائم لتطبيق هذه الخطة، مباشرين تطبيقها بالتهديد والوعيد للوصول الى فرض الاتفاقات الاقتصادية.

ابتدأت الدول الأساسية في الاتحاد الأوروبي بتأمين تغطيات إعلامية وسياسية لتيارات وجمعيات سياسية، عادت لاستحضار موضوع الاغتيال الذي نفذه الجهاز الأمني لمحمد بن سلمان بالمعارض السعودي جمال الخاشقجي في قنصلية السعودية في اسطمبول التركية. وهذا انتقل الى مطالبة تيارات سياسية أميركية وكندية بضرورة التحقيق مع محمد بن سلمان بتهمة جديدة وهي محاولة اغتيال معارض سعودي هو الجبري الذي كان موالياً للوزير السابق محمد بن نايف المعارض لمحمد بن سلمان وبالفعل وجدت المحكمة العليا الأميركية نفسها مضطرة لاستدعاء بن سلمان للتحقيق.

وبالطبع قد تجد هذه المحكمة طريقة تحايلية تقبل بها مثول محامٍ يمثل محمد بن سلمان في جلساتها فلا يموت الذئب ولا يفنى الغنم.

لذلك فإن هذه المحاولة الأميركية بدت وكأنها ردة فعل على محاولات أوروبية لتطويق محمد بن سلمان وإرغامه على الاستسلام الاقتصادي للأوروبيين.

بذلك يبدو بن سلمان مضطراً لتوفير حصص استيراد اضافية للأوروبيين الى جانب القسم الأكبر للأميركيين، وإلا فإن المطالبات الدولية بالتحقيق معه في اغتيال الخاشقجي ومحاولة اغتيال الجبري لن تهدأ وتبقى في تصاعد.

وهذا يفرض على ولي العهد إرضاء الروس أيضاً وذلك على مستويين: التسويات مع موسكو في أسواق الطاقة على مستوى تأمين استقرار للأسعار والإنتاج ومحاولات استيراد ما يسمح به الأميركيون من سلع روسية.

كما ان الصين مستعدّة لمواصلة ادوارها الهادئة طالما أن الاسواق الخليجية مفتوحة امام حركة سلعها التي لا نظير لها بشعبية أسعارها والاتجاه التدريجي لإنتاجها الى الجودة. هذا لا يضع اليابان الاقتصادية العميقة في حال من العزلة، فمقابل تجاهلها للمواقف السياسية وتسربلها بلغة اقتصادية صرفة كحال الصين، تستطيع احتلال مساحة تصديرية معقولة بموافقة محمد بن سلمان وبركاته.

كما أن الكيان الاسرائيلي الذاهب الى التطبيع قريباً مع دولة محمد بن سلمان يريد دوراً اقتصادياً في السعودية ويعلن عن استعداده لتصدير السلاح والخبراء العسكريين. وهذا ما يريده ابن سلمان بشكل دقيق.

هذه الأوضاع تدفع الى التساؤل عن مدى قدرة السعودية على تلبية كل هذه الكميات من المستوردات لأسباب معظمها سياسي الطابع بهدف إرضاء القوى الكبرى وتأمين حمايتها لابن سلمان في تدحرجه نحو العرش السعودي.

فماذا يبقى لتلبية الإنماء الداخلي والحاجات الشعبية؟

وهذا يؤكد أن المشروع السياسي لابن سلمان يقوم على حساب تطور بلاده الداخلي، ولامبالاته إزاء مستقبل السعودية وأدوارها الداخلية والخارجية.

هل ينجح مشروع بن سلمان؟

هذا مرتبط بعودة ترامب الى الرئاسة ونجاحه في احتواء أوروبا. وهذا لا يعني ان نجاح بايدن منافس ترامب مزعج له الى درجة اضمحلال مشروعه، لكنه يعني أنه مضطر لبذل المزيد من الأموال السعودية لإرضاء قوى عالمية جديدة للنجاح في صراعه مع أجنحة سعودية منافسة في الصراع على العرش.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى