أولى

هل لتوصية مجلس النواب قوة إلزاميّة لإلغاء أو تعديل نصوص دستوريّة وقانونيّة؟

 معن الأسعد*

 

على عجل اجتمع «مجلس الأمة» لمناقشة رسالة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون إليه، حول التدقيق الجنائي. الحقيقة المرة أنّ مجرد فكرة أن يشكو رئيس جمهورية موظفاً لديه لمرجع آخر، أمر غير معتاد، وغير مفهوم،

وهو بحدّ ذاته دفن لقاعدة مبدأ فصل السلطات، خاصة

أنّ رئيس الجمهورية يحمل صفة وصلاحيّة رئيس السلطة التنفيذيّة، أيّ رئيس مجلس الوزراء حينما يجتمع بوجوده، وهذا يعني أنّ الموظف برتبة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، خاضع لمراقبته ومحاسبته وصولاً لعزله سنداً لنص المادتين 19 و20 من قانون النقد والتسليف وإنشاء المصرف المركزي.

أن يشكو أيّ ربّ عمل موظفاً لديه، لأيّ شخص آخر، فهذا إقرار واضح وصريح بأنّ هذا الموظف يتبع لمرجع آخر، يعني بالعربي «المشبرح»، موظف مدعوم «مش فارقة معه أحد».

سنتجاوز هذه المسألة، لنصل إلى رسالة فخامة الرئيس، ومسارعة دولة رئيس مجلس النواب لتلقفها والدعوة إلى مناقشتها.

الشيء الجيّد الوحيد في هذه الجلسة أنها لم تكن منقولة مباشرة إعلاميّاً على الهواء، الأمر الذي حرم الكتل النيابية الممثلة في السلطة منذ 30 عاماً من متعة الاستعراض و«البهورة»، وادّعاء العفة، والتبجّح والمغالاة، بمحاسبة الفاسدين أمام المواطنين، الذين أدمنوا على سماع كلماتهم ومعاركهم المفتعلة، مع أنهم لا يصدّقون كلمة واحدة، ولا يثقون بالطبقة السياسية ولا بأيّ واحد من مكوّناتها. في محاولات حثيثة منها لإقناع المواطنين بأنّ هؤلاء حيتان المال والسلطة هم رموز المعارضة وأبطالها.

اجتمع نواب «الأمة»، وتسابقت كتلهم للمطالبة بالتدقيق، ليس فقط بحسابات المصرف المركزي، بل في جميع الإدارات العامة من دون استثناء.

بصراحة كنتُ شخصياً في حالة ضياع وذهول وتساؤل،

هل من الممكن أن يقوم فاسد بمحاسبة نفسه، وتبيانه للثروات التي راكمها على مدى 30 عاماً؟ أو إقدامه بملء إرادته على كشف آلية النهب والسرقات التي أدّت إلى إفلاس الدولة وانهيارها والسطو على أموال الشعب في المصارف؟ وهل من المعقول أن يحصل هذا الأمر؟ لكن الإجابة على الأسئلة لم تتأخر، حيث أقرّ مجلس النواب «توصية» بإخضاع كلّ المؤسسات العامة للتدقيق.

بداية، فإنّ كلّ المؤسسات العامة هي أصلاً خاضعة للمراقبة والمحاسبة بشكل أو بآخر عبر مجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي وديوان المحاسبة والنيابة العامة التمييزية والمالية وذلك من دون توصية أو منّة من أحد،

إلا أنّ العائق الوحيد لكشف ومحاسبة الفاسدين واسترداد ما استولوا عليه من مال عام وخاص، يكمن في القوانين التي تمنع او تمنح حصانة لهؤلاء الفاسدين. السؤال البديهيّ، لماذا توصية فقط؟ وأين تُصرف هذه التوصية؟ وهل لها قوة إلزامية يمكن أن تلغي أو تعدّل نصوصاً دستورية أو قانونية؟

أقرّ مجلس النواب «توصية» جدلية ستحمل معها الكثير الكثير من التفسير والتأويل الأمر الذي سيدفن، فكرة أيّ تدقيق ومحاسبة، والشيطان يكمن في التفاصيل.

هذا هو تماماً ما خططت له السلطة السياسية الحاكمة، ونفذته بكل وقاحة ومن دون أن يرفّ لها جفن.

ألم يقرّ مجلس النواب، في هذه الجلسة قانوناً لاعتبار شهداء تفجير المرفأ، كشهداء المؤسسة العسكرية، واستفادة الجرحى من تقديمات الضمان الاجتماعي مدى الحياة بناء على اقتراح مشروع قانون تقدّمت به إحدى الكتل النيابية؟

ولماذا لم يتمّ إقرار قوانين رفع السرية المصرفية، وإسقاط الحصانات، والإثراء غير المشروع واستعادة الأموال المنهوبة والمهرّبة؟

الجواب باختصار هو أنّ إقرار هذه القوانين يعني حكماً زجّ عصابة اللصوص الحاكمة في السجون واسترداد ما نهبوه،

 ولو بعد حين

نواب «الأمة» دفنوا في جلسته الأخيرة، أيّ احتمال للتدقيق والمحاسبة. وأعادوا بتوصيتهم الملغومة، تنصيب الفاسد رياض سلامة امبراطوراً متوّجاً بأوراق غار الدولار، مع منحه حصانة مطلقة تمنع عمليّة التدقيق والمحاسبة. وأعادت السلطة السياسية الحاكمة أيضاً، إقرار قانون العفو العام عن الجرائم التي ارتكبتها إبان الحرب الأهلية البغيضة فور تسلّمها السلطة سنة 1992.

على كلّ حال لا أحد أقوى من الله عزّ وجلّ وهو من وصفهم حق وصف «ويمدّهم في طغيانهم يعمهون».

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*محامٍ وأمين عام التيار الأسعدي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق