الوطن

فلسطين أقوى من الفتنة !

} د.وفيق إبراهيم

ارتدت قضية فلسطين طابع النسيان الداخليّ والعربيّ والعالميّ عدة عقود من الزمن كادت فيها أن تتحول الى قضية تاريخية تصحو او تغرق في سبات عميق حسب الضرورات ويجري استعمالها حسب ظروف أصحاب القضايا.

وفجأة وفي أقل من يومين كاملين عادت فلسطين قضية أهلها المشردين في أقصى الأرض من المسلمين والمسيحيين والدرع الأصلية لكل العاملين في وجه الهيمنة الغربية على العالم، والأداة الغليظة التي تهز العصا للعرب في الخليج ومصر والشرق الأوسط وشمال افريقيا المرتبطين بالسياسة الأميركية في المنطقة.

ها هي فلسطين تجذب إليها روسيا والصين وتفرض على مؤيدي «إسرائيل» البحث عن تسويات هي في خاتمة الأمر غير مقبولة منها، حتى أن أوروبا تأخذها الريح حسب مكامن القوة فتدافع تارة عن الفلسطينيين وطوراً عن «اسرائيل» كدولة قوية موالية للغرب في عرين النفط والغاز في شرقي العالم.

يمكن التأكيد وباختصار شديد ان ما يجري منذ أسبوعين تقريباً منقطع النظير، لقد هبت فلسطين عن بكرة أبيها بشعب أعزل سلاحه الحجارة وكمية من الآليات والصواريخ والرصاص والبنادق والطائرات المسيرة وكل أنواع القذائف المصنعة في الداخل في وجه أعتى قوة في منطقة الشرق الأوسط وألهبتها بتحرّك شعبي يومي يشمل كامل الضفة بقدسها الشريف وغزة مهدداً بالتمدّد نحو كامل فلسطين المحتلة حيث الملايين منهم تترقب الظروف الموضوعيّة.

وأتت هذه التحركات الشعبية بعد محاولات إسرائيلية لضم القدس الشريف الى «اسرائيل» فكانت غلطة ما بعدها غلطة، سمحت للفلسطينيين بارتداء الأغطية السياسية والتاريخية الى جانب غيمانهم بقضيتهم واستعدادهم للقتال من اجل تحرير فلسطين التي كانت غافية تترقب الأحداث.

لذلك يتحرك الفلسطينيون منذ أسبوعين متواصلين ومستمرين حتى اليوم في أعنف تحرك شعبي مسلح لهم يشمل غزة الشموس مع كامل أغلفتها والضفة بمحاورها التاريخية.

فما يحدث هذه الأيام من قتال مستمر بين الفريقين لا يشبه أي مرحلة من تاريخ أصحاب القضية الفلسطينيين.

هذا الجانب المقاتل أصبح راسخاً في اذهان مليارات من البشر خصوصاً أن «اسرائيل» لم تتمكن من تدمير قوة المهاجمين المتصاعدة وفشلت في منح الثقة لعشرات البلدان العربية المؤيدة بأسف شديد لها، وعلى الرغم من ان هذه الدول نجحت في إسكات الصوت العربي الرسمي وأزعجت الصوت الشعبي، فأين هم العرب وجامعتهم الرسمية التي يترأسها أبو الغيظ واين جامعة الدول الاسلامية ومجلس التعاون الخليجي والمساعدات التي كان يفترض أن يجري إرسالها الى فلسطين وبالقوة؟ وأخيراً اين منظمة الأمم المتحدة التي تبحث في كل القضايا باستثناء قضية فلسطين؟

وبالإمكان قذف لوم شديد على الاصدقاء في روسيا والصين وبلدان اميركا الجنوبية لأن تحرك فلسطين على هذا النحو العالمي إنما هو دعم لصراعهم مع الأميركيين والأوروبيين، ومنحهم فرص التسلل الى الخليج الاقتصادي، لكنها لعبة المصالح الضيقة هي التي تحدّد مواقع الشعوب بما يؤكد أن استمرار الفلسطينيين وصمودهم الأسطوري لا بدّ أن يجذب كل القوى العالمية إليهم في خاتمة المطاف.

هنا يبدو أن قوة التحرك الفلسطيني أعطى الصورة التالية المتداولة مثيرة قلق الأميركيين والأوروبيين وتركيا وعموم الغرب، فهناك فلسطينيون مسيحيون مسلمون يهاجمون الإسرائيليين بكل شيء تقريباً، الى جانب جمهور عربي مترقّب ومؤيّد، لكن فرص تحركه ضئيلة نتيجة لضغوط الأنظمة وقمعها. وهذا تحرك يزداد اتجاهاً للتدخل وغرب متواطئ وخليج مع عرب داعمين له يريدون القضاء على الفلسطينيين ولا يستطيعون، ووسائل التحرك لديهم محدودة.

لذلك عادوا الى نغمات الفتنة القديمة، وهي اتهام إيران الشيعية بأنها تستعمل الفلسطينيين في وجه اليهود والعرب متغافلين عن موقعهم هم بالذات، وهل منعتهم إيران عن الدخول في الحرب الى جانب الفلسطينيين؟

وهكذا ابتدأوا بتحريك وسيلتين لضرب التأييد الشعبي للحركة الفلسطينية هما الدين والإعلام وبشكل مترابط. وبذلك ابتدأت الشاشات تعجّ بالمشايخ وهم يشتمون إيران رافعين التهديد تلو الآخر في وجه الشيعة ومتناسين أن المعركة هي مع اليهود وليست مع الشيعة الإيرانيين، ولم يكتفوا بذلك فأضافوا سورية الى سلسلة المتهمين بدعم الفلسطينيين متغافلين عن أن جزءاً من سورية محتل من الأميركيين ودول اوروبية مساندة ومن الأكراد والأتراك وتنظيمات إرهابية إضافية موالية للحكام العرب.

يكفي هنا أن أغرب موقف يصدر عن هؤلاء هو الموقف التركي الشديد المتناقض، فحزب العدالة والتنمية الحاكم يتبع الاخوان المسلمين، وحركة حماس الفلسطينية هي من هؤلاء الاخوان ايضاً، فكيف لا يرسل اردوغان نجدات مسلحة للاخوان في حماس؟

وكيف يمارس سياسات صامتة تعتبر أن العلاقة التركية – الأميركية أكثر أهمية من علاقة حزب العدالة بنصفه الآخر في حركة حماس؟

يكفي أن قسماً من الإعلام الشديد التركية يهاجم في إعلامه الداخلي الدور الإيراني في العالم العربي في حركة ابتزاز لدول الخليج من جهة والسياسة الأميركية من جهة ثانية.

هذه هي الفتنة التي يؤديها على شاشات التلفزة العربية واللبنانية نفر من المشايخ متخصّصون باستهداف إيران وهذه تسألهم لماذا لا يقومون هم بدعم الفلسطينيين وإرسال الرجال والسلاح بدلاً من النواح على الأطلال؟ وكيف يتركون اوروبا واميركا يمسكون باللعبة على حساب أدوارهم الميتة؟ واخيراً لا بد من سؤال اصحاب الفتنة إذا كانت فلسطين بلداً عربياً او غربياً، لأنه على اساس هذا الجواب يمكن البناء على علاقات صحيحة بين أعاريب مفتونين بالغرب ويبيعون يومياً فلسطين وعشرات الدول مقابل حمايتهم لها في عروشهم وتيجانهم.

فلا يبقى إلا أولئك الفلسطينيون يرمون بأسلحتهم المتواضعة والحجارة ومعهم جمع كبير من مواطني الدول العربية المحتاجين الى سلاح ودعم ليشاركوا في معركة الحق في فلسطين المحتلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى