الوطن

ميقاتي يرفع سقف المواجهة الداخلية ويُعلن خارطة الحلّ للأزمة الحكومية ومع الخليج حزب الله: لبنان ليس مكسر عصا وعلى السعودية التراجع عن عدوانها والاعتذار

فيما تواصل السعودية ضغطها، بكل قواها، على لبنان مع مؤشرات متلاحقة إلى نيتها في التصعيد، عاد رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، إلى بيروت خالي الوفاض من أي نتيجة إيجابية للقاءاته الكثيفة في اسكوتلندا، لحمل الرياض على التراجع عن مواقفها العدائية تجاه لبنان. وهذا ما عكسه ميقاتي نفسه برميه الكرة مجدّداً في ملعب وزير الإعلام جورج قرداحي ودعوته له ضمناً إلى الاستقالة من الحكومة، رافعاً سقف المواجهة مع شركائه في الائتلاف الحكومي على خلفية تطورات الملف القضائي المتعلق بانفجار مرفأ بيروت وتعليق اجتماعات مجلس الوزراء، معلناً عن خارطة طريق للحلّ.

فقد دعا ميقاتي خلال إطلاقه الرزمة السياحية الشتوية لعام 2021 – 2022، في احتفال في السرايا الحكومية، الوزير قرداحي إلى «تحكيم ضميره وتقدير الظروف واتخاذ الموقف الذي يجب اتخاذه ويبقى رهاني على حسّه الوطني لتقدير الظرف ومصلحة اللبنانيين وعدم التسبّب بضرب الحكومة بحيث لا تعود قادرة على الانتاج والعمل».

وعرض ميقاتي للواقع الحكومي قائلاً «بعد تشكيل هذه الحكومة أعلنّا أننا قادمون في مهمة إنقاذية سريعة تضع البلد مجدداً على سكة التعافي وتُطلق ورشة النهوض بالتعاون مع الجهات الدولية وصندوق النقد الدولي»، مضيفاً أن «اجراء الانتخابات النيابية هو الاستحقاق الأبرز الذي يتطلع إليه اللبنانيون والمجتمع الدولي، كونه سيحدّد الاتجاه الفعلي في البلد بعد الأحداث التي انطلقت في 17 تشرين الاول 2019».

 وأشار إلى أننا “نؤمن بأن الإنقاذ لا يُمكن أن يكون مسؤولية فردية، لذلك أطلقنا على الحكومة اسم “معاً للإنقاذ”، في دعوة صريحة لكل الأطراف والمكوّنات اللبنانية المشاركة في الحكومة أو التي هي خارج الحكومة، لنعمل معاً من أجل الإنقاذ”.

ورأى أن “الواقع المؤلم الذي يمرّ به وطننا، سيدفع الجميع إلى التعالي عن الحسابات والاعتبارات الضيقة والمشاركة الفاعلة في العملية الإنقاذية، لكن هذا الأمر لم يحصل ويا للأسف”.

 وتابع “إذا كان سلوك من اختاروا البقاء خارج الحكومة أو ينتهجون خط المعارضة يمكن فهمه وتبريره، فإن ما يجدر التوقف عنده هو نهج التفرّد والتعطيل الذي تعرضت له الحكومة من الداخل”، لافتاً إلى أنه “بعد شهر واحد من عمر الحكومة، واجهنا أول امتحان على طاولة مجلس الوزراء، بهدف استدراج الحكومة إلى التدخل بأمر قضائي لا شأن لها به، مع ما يتركه هذا التدخل من أضرار سيئة على سمعة لبنان والقضاء فيه وعلى التماسك الحكومي تالياً. من هنا فقد حدّدنا المسلمات التي نتعاطى بها مع أي ملف قضائي، مع تفهّم الظروف التي أوصلت هذا الملف إلى ما وصل إليه”.

 أضاف “حاولنا قدر المستطاع وسعينا بكل قوة إلى أن يبقى الملف القضائي لانفجار مرفأ بيروت في عهدة القضاء ورفضنا التدخل فيه مع التشديد على تصويب الشطط الذي وقع فيه المحقّق العدلي، خصوصاً في موضوع محاكمة الرؤساء والوزراء المناط حسب المادة 80 من الدستور بالمجلس النيابي، إلاّ أن الأمر لم يغيّر في موقف البعض شيئاً”.

 وقال” تعرّضت الحكومة لامتحان جديد هو الأصعب، بفعل مواقف شخصية أطلقها وزير الإعلام قبل توليه الوزارة لكنها أدخلت لبنان في محظور المقاطعة من قبل السعودية وبعض دول الخليج”، معتبراً أن “البلاد لا تُدار بلغة التحدّي والمكابرة بل بكلمة سواء تجمع اللبنانيين وتوحدهم في ورشة عمل واحدة لإنقاذ وطنهم، ومخطئ من يعتقد أنه قادر على فرض رأيه بقوة التعطيل والتصعيد الكلامي على المنابر”.

وأردف “مخطئ أيضاً من يعتقد أنه يمكنه أخذ اللبنانيين إلى خيارات بعيدة عن تاريخهم وعمقهم العربي وعلاقاتهم الوطيدة على كل الصعد مع الدول العربية ودول الخليج خصوصاً ومع السعودية تحديداً. مخطئ أيضاً من يعتقد أنه، وفي لحظة تحولات معيّنة لم تتضح معالمها النهائية بعد، يمكنه الانقلاب على الدستور وإعادة الوطن إلى دوامة الاقتتال الداخلي والانقسامات التي لا نزال ندفع ثمنها غالياً حتى اليوم”.

 وتوقف عند نقاط “لعل البعض يفهم خارطة الطريق التي عقدت العزم على السير بها لإنجاح العمل الحكومي والنهوض بالوطن”، وتتلخص بالأتي:

“- مجلس الوزراء هو المكان الطبيعي لمناقشة كل الملفات والقضايا التي تعني الحكومة بعيداً عن الإملاءات والتحديات والصوت المرتفع واستخدام لغة الوعيد والتهديد. ولن يكون مجلس الوزراء أبداً مكاناً للتدخل في أي شأن لا يخص الحكومة، وتحديداً في عمل القضاء.

على جميع الوزراء التزام التضامن الوزاري والتقيد بمضمون البيان الوزاري، الذي حدّد القواعد الأساسية لعمل الحكومة وسياستها. وكل ما يُقال خارج هذه الثوابت مرفوض ولا يُلزم الحكومة بشيء.

إننا عازمون على معالجة ملف العلاقة مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج الشقيقة وفق القواعد السليمة. ولن نترك هذا الملف أبداً عرضة للتساجل وللكباش السياسي وسنسعى بالتعاون مع جميع المخلصين للعودة عن القرارات المتخذة بما يعيد صفو العلاقات اللبنانية مع امتداده العربي الطبيعي.

وأضاف “هذه هي أولويات الحل وخارطة الطريق الطبيعية للخروج من الأزمة”، داعياً “الجميع إلى اختصار الطريق والقيام بالخطوات المطلوبة للمساهمة في الحلّ، مع التشديد على عودة الحكومة إلى العمل بنشاط وايجابية وتعويض الأيام التي ضاعت هدراً في مناكفات مجانية. وتعالوا نتجه جميعا بقلب منفتح صوب أشقائنا ونُعيد وصل ما انقطع بيننا نتيجة الظروف الماضية”.

وكان ميقاتي زار قبل إطلاق خارطته للحلّ، رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وقال بعد اللقاء “وضعتُ فخامة الرئيس بالأجواء التي أحاطت بزيارتي غلاسكو واجتماعاتي مع مختلف الجهات العربية والدولية وبحثت معه في سبل الخروج من الأزمة الراهنة مع السعودية ودول الخليج واتفقنا على خارطة طريق”.

وبعد بعبدا، زار ميقاتي مقرّ الرئاسة الثانية في عين التينة، حيث التقى رئيس المجلس النيابي نبيه برّي في حضور معاونه السياسي النائب علي حسن خليل، حيث جرى عرض للأوضاع العامّة وآخر المستجدات. وغادر ميقاتي عين التينة من دون الإدلاء بأي تصريح.

من جهته، أكد قرداحي أنه لن يستقيل وأن موقفه لن يتغيّر.

الضغوط لتغيير سياسة لبنان

وفي موزاة ذلك، أوضح حزب الله أن الضغوط على لبنان هي من أجل دفعه إلى تغيير سياساته، فقد أعلن نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم، في مقابلة أجرتها معه «الإخبارية السورية»، أن «لبنان ليس مكسر عصا ولا مطية، ويتعامل مع السعودية بنديّة وكدولة مستقلة ولا نقبل أن تتدخل السعودية ولا غيرها في خيارات الشعب اللبناني». ورأى أن «السعودية بدأت عدوانها، وعليها التراجع والاعتذار»، وقال «لن نستجدي رضاها ونحن أهل الكرامة والعزّة والمقاومة ويبقى رأسنا مرفوعاً».

 وأضاف “لم يترك الأميركيون والإسرائيليون والسعوديون ومن معهم أي طريق وأي وسيلة من أجل الضغط على لبنان من أجل أن يغيّر سياساته إلاّ واستخدموها وعملوا بها. عملوا من خلال حرب إسرائيل سنة 2006 وانتصرت المقاومة وهزمت إسرائيل. وعملوا على تحريك الوضع السياسي الداخلي لإيجاد صراع بين القوى، فبقي حزب الله ومن معه أقوياء وعندهم تمثيل شعبي واسع وقادرين أن يكونوا جزءاً من تركيبة السلطة وهذا أمر لم يقدروا على تجاوزه. تدخلت السفارة الأميركية في 17 تشرين (2019) وحاولت دعم بعض جماعات المجتمع المدني وأعطتهم الإمكانات من أجل أن يتقدّموا لإسقاط الرئاسات الثلاثة وتقريب موعد الانتخابات لم يوفقوا، قاموا بأعمال عسكرية وأعمال قطع طرقات والإضرار بمصالح الناس، وضغطت أميركا بمسألة الحصار الاقتصادي، كل هذا من أجل أن يكون هناك انقلاب على حزب الله وردة فعل عليه كذلك لم ينجحوا. استطاع حزب الله أن يخرق الحصار الأميركي من خلال استقدام المازوت الإيراني الذي أخذ تسهيلات من سورية ووصل إلى لبنان، وكانت هذه مفاجأة ضخمة لهم واضطرت السفيرة الأميركية أن تعلن قبولهم استجرار الغاز وكذلك الكهرباء من مصر والأردن، كل هذه المحاولات لم تنجح، وكل الفتن لم تنجح، والإيقاع بين الجيش اللبناني وحزب الله لم تنجح”.

بدورها، أكدت كتلة الوفاء للمقاومة “أننا في الوقت الذي نحرص فيه على مواصلة وتعزيز أمتن أواصر وعلاقات الأخوة مع شعوب ودول منطقتنا العربية والإسلامية، وفق قواعد من الرؤية الواحدة للمصالح المشتركة والتعاون والتضامن من أجل حماية الحقوق العربية وتحقيق الأهداف المتفاهم عليها، فإننا نحمّل المملكة العربية السعودية مسؤولية افتعال الأزمة الأخيرة مع لبنان ونرى أنها نتيجة طبيعية لمنهجيتها المتّبعة في كمّ الأفواه والتنكّر للحريات العامّة، وفي طليعتها حرية التعبير وإبداء الرأي، كما هي إفراز متوقع لحال الاحتقان الناجمة عن فشل سياساتها، ما يجعلها تكابر وترفض كل نقد أو اعتراض على أخطاء ارتكبتها، كما تستخف بكل نصح يلزم منه إعادة النظر في تلك السياسات”.

 وأشارت إلى أن “التوصيف الصحيح الذي كان الإعلامي جورج قرداحي، معالي الوزير راهناً، قد استخدمه للتعبير عن طبيعة الحرب التي تشنها المملكة ضد اليمن وشعبها المظلوم، لا يبرّر على الإطلاق ردة الفعل السعودية التي تكاد ترقى إلى ما يشبه إعلان الحرب. كما لا يبرّر أيضاً الإجراءات الهمايونية المتسرّعة التي اعتمدتها ضد لبنان وشعبه، والتي لن تغيّر قيد أنملة من قناعاتنا ولا من قناعة الغالبية العظمى من أبناء شعبنا اللبناني ولا من أبناء شعوب المنطقة والعالم بأن الحرب السعودية على اليمن وشعبها المظلوم هي حرب عدوانية وظالمة وعبثية ويجب أن تتوقف”.

 وإذ رفضت الكتلة ودانت “الإملاءات الخارجية حول خطوات عمل الحكومة، إزاء هذه المسألة أو غيرها”، رأت في ذلك “اتجاهاً لطعن الكرامة الوطنية من جهة أو لتهديد استقرار البلاد والإطاحة بالانتخابات النيابية من جهة أخرى، فضلاً عن كونها لن تعالج الأزمة المفتعلة، بل ربما تزيد من تفاقمها”.

لا استقالة للحكومة

من جهته، اعتبر عضو «تكتل لبنان القوي» النائب أسعد درغام، أن مسألة الأزمة بين لبنان والسعودية ليست مرتبطة بتصريح وزير أبدى رأيه في ملف معيّن قبل أن يصبح وزيراً والموضوع أكبر من ذلك، لافتاً إلى أن «من خلال التصريحات السعودية نرى أن المطلوب أكثر من استقالة وزير أو ربما الحكومة اللبنانية»، سائلاً «هل لبنان قادر على تلبية المطلب السعودي من خلال الصدام مع حزب الله؟ ولمصلحة من استقالة الحكومة؟».

وشدّد درغام، في حديث إذاعي، على “أن المطلوب أن تعقد الحكومة اجتماعاً في ظل التحديات، لتدرس إن كانت استقالة الوزير قرداحي بدايةً لحل المشكلة وإن كانت المشكلة فقط بتصريحه”، معتبراً أن الموضوع أكبر من ذلك.

واستبعد عضو “كتلة الوسط” النائب علي درويش استقالة الحكمومة وقال في حديث إذاعي “استقالة الحكومة غير واردة لأنها بمثابة إنهاء للبنان وعقد جلسة لمجلس الوزراء هو ما نتمناه والرئيس ميقاتي سيضع الجميع أمام مسؤولياتهم بوجوب دعم الحكومة والخروج بصيغة متوازنة”.

ردود فعل دولية

وفي الأصداء الدولية للأزمة اللبنانية السعودية، قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، إن «روسيا تعوّل على أقرب وقت ممكن لحل الصراع الدبلوماسي الدائر بين لبنان ودول الخليج»، مشيرةً إلى أنه لم يطلب أحد من الجانب الروسي التوسط لحلّ هذه الأزمة».

وأشارت زاخاروفا إلى أن التصريحات التي قالها قرداحي أتت في وقت لم يكن فيها بعد وزيراً يمثّل الدولة اللبنانية وحكومتها، داعيةً الأطراف إلى حلّ الخلاف في أقرب وقت ممكن.

إلى ذلك، توجه رئيس اللجنة الفرعية للعلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي كريس مورفي إلى السفير السعودي في واشنطن داعياً إياه «إلى عدم محاسبة دولة بأكملها وشعب بأكمله وقطع العلاقات الإقتصادية بسبب رأي أحد الوزراء».

وأمل مورفي أن تتحسن العلاقة السعودية اللبنانية في أسرع وقت متمنياً استعادة العلاقات الاقتصادية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى