أولى

ماذا بعد «طوفان الأقصى»؟

‭}‬ زياد حافظ*
مع استئناف العدوان الوحشي الصهيوني على غزّة وحملات القمع والتنكيل التي يقوم بها في الضفة الغربية لا بدّ من استشراف المشهد السياسي على الصعيد الدولي والإقليمي والعربي عبر طرح السؤال ماذا بعد «طوفان الأقصى»؟ قد يعتبر الكثيرون أنّ ذلك الاستشراف مبكر، لكن في رأينا كرّست عملية «طوفان الأقصى» حقائق عدّة كانت واضحة قبل تنفيذها لمن يريد أن يرى. فليس من عماء أكثر لمن لا يريد أن ينظر يقول المثل. وعمليّة «طوفان الأقصى» ستؤكّد التحوّلات التي رصدناها في أبحاث وتقديرات موقف ومقالات ومداخلات إعلامية تفيد بتراجع الغرب وصعود كتلة الدول الجنوب الإجماليّ بقيادة الكتلة الأوراسية وعناصر محور المقاومة من دول وقوى شعبيّة، جميعها رافضة للهيمنة الغربية غير المبرّرة وفي غرب آسيا للاحتلال الأميركي والصهيوني لأراض عربية.
فعلى الصعيد الدولي، وخاصة في الغرب، بات واضحاً أنّ وحشية العدوان الصهيوني على غزّة أوجدت شرخاً عميقاً بين النخب الحاكمة والتي تدور في فلك السلطة كالإعلام ومراكز الأبحاث وبين شرائح المجتمعات الغربية. فبينما سارعت النخب الحاكمة إلى تأييد الكيان الصهيونيّ في عدوانه على غزة واعتبار العدوان دفاعاً عن النفس كانت الأوساط الشعبية متردّدة في الأيام الأولى حول اتخاذ موقف، لكن سرعان ما تبدّدت تلك التحفظّات بعد انتشار صور الدمار والوحشيّة التي ألحقت في غزّة بالبشر والحجر. وأصبحت هذه الموجة الشعبية عاملاً ضاغطاً على الحكومات الغربية وداخل البنى الحاكمة بما فيها الجاليات اليهودية حيث الفئات الشابة لم تعد ملتزمة بسردية أهلها وخاصة سردية اللوبيات الصهيونية.
لكن هذه الضغوط الشعبية التي أطلقتها عملية «طوفان الأقصى» كانت نتيجة مسارات داخلية في المجتمعات الغربية حيث مصداقية النخب الحاكمة ضُربت عُرض الحائط وسقطت أمام الامتحان الداخلي والخارجي. فـ «طوفان الأقصى» كشف كذب سرديات النخب الحاكمة ليس فقط في الكيان بل في مختلف الدول الغربية المؤيّدة للكيان. والكذب في تغطية الحدث في غزّة تلازم مع الكذب والكتمان لما يحصل أيضاً داخل المجتمعات الغربية من تحوّلات ناتجة عن خيارات ساقطة وسياسات عبثيّة منافية للموروث الثقافي والقيمي الناتج عن قرون بل آلاف السنين. فالتهجم على الأسرة والقيَم على سبيل المثال أصبح معياراً جوهرياً في الليبراليّة الجديدة التي انتهجتها دول الغرب منذ بداية الستينيات حسب تقديراتنا وهذا ما أثار حفيظة شرائح واسعة من المجتمعات الغربية. المهمّ هنا أنّ المشهد السياسيّ في هذه الدول سيكشف المزيد من التناقضات والاشتباكات مع الزمر الحاكمة التي ستُضطر إلى المزيد من القمع والتسلّط وتقييد الحرّيات حتى تجميد فقرات عديدة في الدساتير التي تصون تلك الحقوق والحرّيات. فلا يمكن استبعاد حراك شعبي يقترب من الثورة تحت شعار حماية المكتسبات وإعادة الاعتبار إلى الحقوق التي تصونها الدساتير.
إلى أن يتمّ ذلك، وقد يأخذ الأمر بعض الوقت، يمكن التساؤل ماذا بعد، وخاصة في ما يتعلّق بدور تلك الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة في دعم الكيان والهجوم الوحشيّ على غزّة والضفة الغربيّة؟ إجابة على ذلك نعتقد أنّ المشهد السياسي يشبه حالة تحصل في العديد من مباريات الشطرنج تُسمّى بـ «الزوغزوانغ» (zugzwang) عندما يصل أحد اللاعبين، وهنا الغرب والولايات المتحدة والكيان الصهيوني، إلى حالة حيث أيّ خطوة يتخذها فستكون قاضية على آماله بالفوز أو التعادل. النتيجة الحتميّة تصبح الخسارة! وهي شبيهة بحالة الانتحار المفروض إذا جاز الكلام! فخيارات وسياسات الكيان والولايات المتحدة والدول الغربية اتخذتها، وهي كانت واعية لما كانت تقوم به كما في حالة حركات الشطرنج بسبب سوء التقدير لما يمكن أن يقوم به الخصم، أوصلتها إلى حالة أنّ أيّ خطوة يمكن أن تتخذها في الصراع القائم سيؤدّي إلى انهيارها.
فتجاهل الحق الفلسطيني على مدى قرن من الزمن وخاصة في العقود الأخيرة والوهم بإمكانية التحالف الغربي الصهيوني وتواطؤ النظام العربي تجاوز عقبة القضية الفلسطينية والمضي في سياسات اعتقدت أنها ستؤدّي إلى استقرار وأمان للمصالح الغربية والكيان الصهيوني وديمومة النظام العربي، فذلك الوهم وصل إلى طريق مسدود يهدّد بنية النظام العالمي القديم وينذر بتحوّلات داخل النظام الغربي والعربي. فذلك التجاهل أولد «طوفان الأقصى» و»الطوفان» قد يتحوّل إلى ثورة تجرف منتوج الحرب العالمية الثانية والحقبة الاستعمارية القديمة والجديدة. وتجلّى ذلك الوهم بمقال جاك سوليفان في مجلّة «فورين أفيرز» في عدد شهر نوفمبر 2023 سبقتها مقابلة له على محطّة «ان بي سي» أن وضع منطقة شرق الأوسط لم يكن أكثر أمناً مما هو عليه، أي قبل عملية «طوفان الأقصى». أليس ذلك دليل على مدى انقطاع النخب الحاكمة في الولايات المتحدة، ومعها دول الغرب، عن الواقع؟ فكيف يمكن إعطاء أي مصداقية لسياسات وقرارات ناتجة عن رغبات بعيدة عن الواقع وميزان القوة؟
هذا الانقطاع عن الواقع عند النخب الحاكمة الأميركية والغربية كان واضحاً في معركة أوكرانيا، حيث اعتبر الغرب الجماعي أنّ القدرات الروسية على مواجهة الحلف الأوروبي والأطلسي على الصعيد الاقتصادي والمالي محدودة جدّاً بسبب عدم معرفتها لواقع القدرات الروسيّة، وبسبب فقدانها لفائض من القيمة يعزّز قدراتها الاقتصادية بل يحيّدها في أحسن الأحوال أو يُلغيها في أسوأها. فسلسلة القرارات التي «تُعاقب» روسيا على الصعيد المالي والاقتصادي ارتدّت على دول الاتحاد الأوروبي وفي طليعتها ألمانيا. كما تلازمت مع الإخفاق العسكري الأوكراني في مواجهة العمليّة العسكرية الروسية في أوكرانيا. والغرب الإجماليّ في حالة «الزوغزوانغ» حيث أيّ خطوة سيُقدم عليها من إما تصعيد عسكريّ، وهذا مستحيل، وإما تجميد للحرب وهذا يتطلّب موافقة روسية غير موجودة في الأساس، وإما الإقرار بالهزيمة. وهذا ما لا تتحمّله تحالفات النخب الحاكمة في الغرب، فجميع هذه الاحتمالات ستؤدّي إلى انهيارات داخلية وفوضى قد تطيح بالبنى السياسية كمنظومة الاتحاد الأوروبي، أو منظمة الحلف الأطلسي، وربما التماسك الداخلي للدولة الاتحادية الأميركية. وتلازم مسار الحرب في أوكرانيا والعدوان على غزّة يسرّع في وتيرة التحوّلات التي ستقضي على الهيمنة الغربية بشكل عام، وخاصة في غرب آسيا ومنطقة الخليج.
وما يحصل في الميدان في غزّة يشكّل مسار الانهيار للكيان. صحيح أنّه يقوم بمذبحة مبرمجة في القطاع بتشجيع أميركيّ، ولكن أداءه العسكري في المواجهة مع المقاومة لا يدلّ على أنه ممسك بزمام المبادرة. فبعد الإعلانات المتتالية عن «سيطرته» على شمال قطاع غزّة ما زالت الاشتباكات مع المقاومة في تلك المنطقة قائمة وبشراسة ما يشير إلى أنّ القدرات القتالية للمقاومة ما زالت متوفرة وبشكل فعّال. أضف إلى ذلك فإنّ إطلاق الصواريخ من المنطقة «المسيطر» عليها صهيونياً تجاه العمق في فلسطين المحتلة وصولاً إلى تلّ الربيع فهي دلالة أخرى على أنّ «السيطرة» الصهيونية سيطرة افتراضية وغير ثابتة. والوضع الميداني في القطاع الأوسط والقطاع الجنوبي ليس أفضل بالنسبة لقوّات الاحتلال، ما يفرض التساؤل إلى متى يستطيع الاستمرار بالهجوم العبثيّ. فهل يتكرّر مشهد باخموت في أوكرانيا في غزّة، حيث الجدوى العسكرية مفقودة لأنّ استعدادات المقاومة تفوق إمكانيات التدمير التي يمتلكها العدو؟ نتيجة معركة باخموت كرّست الهزيمة الاستراتيجية العسكرية الأوكرانية وقد تكون غزّة تكريساً للهزيمة الاستراتيجية العسكرية الصهيونية. من هنا نفهم حرص عناصر محور المقاومة على إبراز الدور الفلسطيني في إلحاق الهزيمة العسكرية الاستراتيجية بالكيان والاكتفاء حتى الآن بالمساندة العسكرية عبر تشغيل جبهة الشمال في فلسطين المحتلة وعبر إرباك القوّات الأميركية في كلّ من العراق وسورية وعبر التهديد الفعلي بإغلاق باب المندب.
وبغضّ النظر عما يمكن أن يحصل ميدانياً في غزّة طالما المقاومة الفلسطينية موجودة فإنّ التداعيات على الصعيد الداخلي في الكيان الصهيوني قد تكون وخيمة. وحتى مع استمرار المعارك في غزة وأمام العجز في إجراء أيّ تقدّم ميداني للعدو فلا يمكن استبعاد تفاقم الخلافات داخل الحكومة إلى انفراط عقد تلك الحكومة عبر انسحاب عناصر أساسية من التحالف الحاكم. وليس من الواضح وجود إمكانية إجراء انتخابات والمعارك قائمة في غزّة ومعظم فلسطين المحتلة مستهدفة بصواريخ المقاومة. والسيناريو قد يتكرّر حتى عند وقف إطلاق النار بغضّ النظر عن شكله، فإنّ زمن المحاسبة والمساءلة ستطال ليس فقط رئيس حكومة الكيان ووزراءه بل أيضاً المؤسسة العسكرية والمؤسسات الاستخبارية والأمنية. فمن يستطيع ضمانة إجراء تلك المحاسبات بهدوء دون ارتدادات في الشارع؟ الكيان أصبح أمام خيارين: الموت البطيء أو الموت الفوري. هذه خياراته المتاحة حتى الآن.
توسيع رقعة القتال كما يسعى إليها نتنياهو رغم رغبة الولايات المتحدة ليس إلا هروباً إلى الأمام من الاستحقاقات الداخليّة. هذا عنصر لا يمكن استبعاده وإن رغبة توسيع رقعة المواجهة غير موجودة عند أطراف محور المقاومة وإن كانوا مستعدّين لها. لكن لولا توسّعت رقعة القتال وامتدّت إلى تفجير المنطقة برمّتها فأول الخاسرين هي الولايات المتحدة ورئيسها الذي سيخسر حتماً الانتخابات. والخسائر التي ستقع على عاتق الولايات المتحدة ستشكّل الصاعق لتفجير التناقضات الداخلية في الولايات المتحدة التي يمكن تفصيلها في مكان آخر. وكذلك الأمر بالنسبة للاتحاد الأوروبي الذي سيفقد ما تبقّى له من نفوذ في دول المشرق والمغرب العربيين. وفي كلتا الحالتين ستكون ارتدادات التحوّلات في الغرب حاسمة على النخب الحاكمة في النظام العربي الرسمي الذي راهن على قوّامة الغرب وامتلاكه 99 بالمئة من أوراق اللعبة. فشرعيّة مكوّنات النظام العربي مرهونة بالتصاقها في القضية الفلسطينية وغياب «الحماية» الغربية سيكون حاسماً في إجراء التحوّلات الداخلية.
لذلك يمكن القول إنّ توسّع رقعة الحرب قد يكون كارثياً على الكيان الصهيوني، الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، والنظام العربي. أما لو تمّ احتواء الصراع دون نتائج ملموسة للكيان فهذه هزيمة استراتيجية له ومعه الولايات المتحدة التي قد تستطيع استيعاب الهزيمة الصهيونية على الصعيد الداخلي. أما الاتحاد الأوروبي فهو خاسر أيضاً بسبب موقفه المؤيّد للكيان. والنظام العربي لن يكون بحالة أفضل لأنّ ارتدادات استمرار المقاومة وعجز الكيان عن الحسم سيفرض مراجعات مؤلمة للنخب الحاكمة العربية وربما لتغييرها قسراً أو طوعاً. فالمشهد الجديد الناتج عن العجز الصهيوني ومعه الغربي يتطلب قيادات عربية جديدة في أقطار الدول المطبّعة أولاً والدول التي كانت «متفرّجة» ثانياً ودول تحتاج إلى وصول نخب حاكمة أقرب لخيار المقاومة بعد حسم الصراع الداخلي ثالثاً. لبنان والعراق من الصنف الثالث.
هذا يعني أنّ الكيان الصهيوني ومعه الغرب بشكل عام والنظام العربي الرسمي عاجزون عن القضاء على المقاومة في فلسطين وفي المنطقة العربية. هذا يعني أنّ مكوّنات محور المقاومة ستكون لها الكفّة الراجحة في ميزان القوّة وستساهم في دعم التغييرات الداخلية العربية. أما على الصعيد الدولي، فالمستفيد الأكبر من الهزيمة الاستراتيجية للمحور الغربي والصهيوني في غرب آسيا هو الكتلة الأوراسية الصاعدة بقيادة روسيا والصين ومعها مجموعة دول الجنوب الإجمالي. هذا سيسرّع في وتيرة إنشاء نظام دولي جديد خارج عن الهيمنة الغربية. فبعد الخروج المذلّ من أفغانستان والهزيمة المحقّقة في أوكرانيا والمرتقبة في فلسطين لن يستطيع التحالف الصهيوني والغربي من فرض الإملاءات والتأثير على مسار الأمور. فهناك ضرورة لإعادة بناء القدرات الذاتية في الغرب على قاعدة مختلفة التي كانت عليها والمبنية على نهب ثروات دول العالم الجنوب الإجمالي. هذا يعني الانكفاء عن التدخّل في شؤون الدول. هذه هي معاني المعركة في غزّة وتداعياتها. فهي ترسم معالم النظام العربي والدولي الجديد الذي سيكون مختلفا كلّيا عما هو عليه اليوم.

*باحث وكاتب اقتصادي سياسي والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى