أولى

صراع إرادات

‬ سعادة مصطفى ارشيد*

تتواتر الأخبار حول قرب التوصل الى هدنة مؤقتة على جبهة غزة أو الوصول الى صفقة وقف دائم لإطلاق النار تنهي الحرب الطول في تاريخ الصراع مع دولة الاحتلال. مصادر هذه الأخبار جهات معادية (إسرائيلية) – أميركية – غربية وتلحق بها فضائيات عرب الإبراهيمية التي تقاتل في الحرب، ولكن بأسلحتها وسمومها الإعلاميّة غير الصادقة لا في نشر الخبر ولا في طريقة عرضه. تنفي المقاومة هذه التسريبات وتؤكد نفيها قرائن كثيرة تذهب جميعها باتجاه يقول إن الفجوة بين طرفي الحرب لا زالت عميقة ويصعب ردمها في زمن قريب.
كانت حروب دولة الاحتلال حتى عام 2006 خاطفة وسريعة وتحقق فيها انتصارات حاسمة، ولكن تدرك (إسرائيل) هذه المرة أنها تخوض حرباً مختلفة، هزيمتها فيها تعني بداية تفككها وتفسخها لا بل بداية فنائها وانعدام ثقة العالم الغربي بها الذي سيراها بعد هذه الهزيمة عبئاً عليه وغير قادرة على أداء وظيفتها في أن تكون عامل عدم استقرار يحول دون وحدة الأمة وغير قادرة على حماية مصالحه، لذلك فإن هذه الحرب بمنظور دولة الاحتلال هي حرب مصير، أما المقاومة فتدرك أن الهزيمة غير واردة أصلاً فمعالم النصر الذي لا يمكن تجاوزه قد تحقق في الساعات الأولى من صبيحة السابع من تشرين الأول والذي أثبتت فيه المقاومة أن هذا الكيان مهما بلغ من قوة ومن تسليح ومن تكنولوجيا ومن دعم لوجستي وسياسي وقانوني إلا أنه يبقى نمراً من ورق، وأن الضربات التي ممكن ان يرد بها على المقاومة مهما بلغت قسوتها، فإن المقاومة هي فكرة وهي حق مشروع، وهي إن هدأت لحين فلن تلبث ان تعود من جديد. وتدرك المقاومة أن في هذه الحرب التي تدور بين قوى غير متناظرة بين جيش نظامي مقابل ميليشيات مسلحة فحتى لو وصل الأمر لإطلاق بضع رصاصات كل يوم، فهذا يعني أن العدو لم ينتصر. وتدرك المقاومة أيضاً أن هذه الحرب هي خطوة على الطريق الصحيح في مسيرة أطول يتمّ في نهايتها شطب المشروع المعادي، فإن المطلوب في هذه الحرب هو الصمود والثبات وليس تحرير حيفا ويافا.
من هنا وعود إلى مقدمة المقال، فإننا من الناحية النظرية أمام أحد مسارين الأول وهو الأقل احتمالاً الوصول وبعد وقت متوسط الطول الى صفقة على طريقة لا غالب ولا مغلوب يتمّ فيها تحقيق بعض مطالب المقاومة من فك للحصار والاعتراف جزئياً بمشروعيتها وتبادل واسع للأسرى وشيء من إعادة الاعمار. ولا تبدو «إسرائيل» مهزومة وسيليها فتح «إسرائيل» جبهاتها مع باقي أطراف او مع بعض أطراف محور المقاومة، ولبنان هو المرشح بالدرجة الأولى.
والثاني وهو استمرار الحرب بضراوة أكبر وخاصة عند بدء معركة رفح المقبلة وما سينتج عنها من مجازر ومن تهجير، ثم اتساع رقعة الحرب مع جهة أخرى، وأيضاً لبنان في هذه الحال لا زال المرشح الأول، وذلك في محاولة من الاحتلال لزجّ العالم الغربي في هذه الحرب وإدخالها في المشاركة المباشرة في القتال. هذا ولا ريب أن الضفة الغربية بدورها على حافة الاشتعال ونحن على أبواب شهر رمضان حيث تشدّ الرحال نحو القدس والمسجد الأقصى الذي يعتكف فيه الصائمون، والمسجد الأقصى هو الذي منحته المقاومة اسم هذه الحرب (طوفان الأقصى).
في أيام الحرب الأولى تضامن العالم الغربي مع دولة الاحتلال وزار تل أبيب لفيف من رجال الصف الأول في العالم الغربي من رؤساء دول، أولهم الرئيس الأميركي ووزراء خارجية ودفاع ومنهم وزير الدفاع الأميركي لويد اوستن الذي صرّح بأنه لا يمكن السماح بهزيمة «إسرائيل» أو بانتصار المقاومة، ولاحقاً جاء تصريح يمكن اعتباره معادلاً لتصريح الوزير اوستن على لسان أمين عام حزب الله أكد فيه أنه غير مسموح بهزيمة المقاومة. بهذين التصريحين تظهر طبيعة المعركة على أنها ليست فقط بين الشعب الفلسطيني ودولة الاحتلال وإنما بين محورين يرى كل منهما أن له مصلحة حيوية واستراتيجية في انتصار حليفه، وخسارة فادحة أيضاً في حال هزيمته إنه باختصار صراع بين إرادتين.

*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير
– جنين – فلسطين المحتلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى