الوطنكتاب بناء

وقف إطلاق النار شرعنة لنتائج العمليّة العسكريّة على الأرض السوريّة والاستعداد للجولات المقبلة حاج علي لـ«البناء» «الاتفاق ثبّت السيطرة على 1500 كيلو متر
 كحالة مؤقتة في الطريق لإنهاء التمركز الأجنبيّ

سعد الله الخليل

لم يدم الهدوء الحذر الناتج عن الاتفاق الروسي التركي حول إدلب أكثر من 24 ساعة، فسرعان ما خرقت المجموعات الإرهابية المسلحة المدعومة من تركيا الاتفاق، حيث أعلنت وزارة الدفاع الروسية في نشرة لها بشأن الوضع في سورية، عن رصد الجانب الروسي في لجنة الهدنة الروسية التركية يوم الأحد ثمانية انتهاكات لنظام وقف العمليات العسكرية، أربعة في اللاذقية وثلاثة في حلب وانتهاك واحد في إدلب. هذه الحصيلة تضاف لانتهاكات المسلحين المتمركزين في محافظة إدلب في الشمال الغربي يوم السبت، والتي بلغت حصيلتها الإجمالية تسعة عشر خرقاً، بينما لم يرصد الجانب التركي أي انتهاكات من الجانب السوري والقوات الحليفة والرديفة.

ويشير الدكتور أحمد حاج علي الكاتب والمحلل السياسي للحالة السياسية التي يشكلها رجب طيب اردوغان قبل توقيع الاتفاق، وما رافقها من مواقف عدوانية مباشرة حيال سورية نتيجة العلاقة العضوية مع قوى الإرهاب، وما يترتب عليها من إشكالات خطيرة وكبيرة وصلت للتخوّف التركي على مصيرها، وأضاف في حديث لـ»البناء» لما شكله الاتفاق كتقرير واقعي لما يجب أن يكون في التداول، أو ما يأخذ به نظام رجب طيب أردوغان مع الإقرار بالسيادة ووحدة الأراضي السورية، وضرورة مكافحة الإرهاب بكل مقوّماته، والأخذ بعين الاعتبار أن هناك واقعاً قائماً على الأرض عسكرياً قبل أن يتحوّل لواقع سياسي في موسكو، أي أتى الاتفاق نتيجة للصدمة والنكسة على الأرض».

ليست المرة الأولى التي تخرق المجموعات الإرهابية المسلحة اتفاقات وقف إطلاق النار، وبالطبع لن يكون الأخير وهو ما تدركه موسكو جيداً نظراً لتعقيدات تركيبة تلك المجموعات من جهة، وصعوبة ضبط أدائها، ولاعتماد مشروعيتها على الأرض على القتال من جهة أخرى، والأهم غياب الثقة الروسية والسورية بطبيعة الحال بالجانب التركي بتنفيذ التزاماته بضبط إيقاع الجماعات الإرهابية المسلحة، ويقول حاج علي «لأننا ندرك أنه لا يجدي مع أردوغان حالة الالتزام فلا بدّ من الارتقاء لحالة الإلزام وهو ما تحقق في الاتفاق».

فتح الطرقات الدوليّة

نجح الاتفاق بعودة الحياة للطريق الدولية حلب دمشق (المعروفة بـ M5)، واستعادة حركته التجارية والبشرية انطلاقاً من عقدة الطرق التجارية من مدينة سراقب إضافة لطريق حلباللاذقية (المعروفة بـ M4)، الذي يصل الموانئ السورية غرباً بالحدود العراقية شرقاً، مروراً بمنطقة شمال نهر الفرات، والذي نص الاتفاق على إنشاء ممر أمني بعمق 6 كم من الشمال و6 كم من الجنوب، وفق معايير محددة بين وزارتي الدفاع في الجمهورية التركية والاتحاد الروسي في غضون 7 أيام، ما يعني انسحاب الجماعات الإرهابية من المناطق التي تسيطر عليها في ريف اللاذقية وريف ادلب المتداخل معه، والمطلة على الطريق الدولية ما يفقدها مواقع استراتيجية ونقاطاً حاكمة ومراكز ارتكاز وإمداد للخطوط الأمامية في مواجهة الجيش السوري وحلفائه، وهو ما يشكل بحد ذاته تحدياً جديداً أمام أنقرة للوفاء بالتزاماتها تجاه الاتفاق، خاصة أن القوى المسلحة في ريف اللاذقية تعمل تحت الأمرة التركية بشكل مباشر حيث يشكل التركمان العمود الفقري لتلك المجموعات، وهو ما يصعب المهمة أمام أنقرة في قادمات الأيام.

ويرى حاج علي أن تأمين تركيا لطريقm5  ضروري فالمسألة حالة إلزام وعلى تركيا فتح الطريق والتطبيق الدقيق للاتفاق وفق الالتزامات للحفاظ على أرواح الجنود الأتراك والسوريين.

وأضاف «الالتزامات الدولية والاتفاقيات تنصّ على تأمين الطرق الدولية، والاتفاق شرعن حالة إبعاد المجموعات المسلحة عبر الدوريات وبالتالي التحدّي أمام أنقرة تأمين طريق m5 حتى المهلة المحددة المنصوص عنها حتى منتصف الشهر الحالي، وفي حال عدم التطبيق ستصبح في حالة تعدٍّ، ونأمل الحفاظ على أرواح الجنود الأتراك والسوريين بتطبيق الاتفاق قبل عودة العمليات العسكرية في حال التراجع التركي».

وعن تثبيت الاتفاق الواقع العسكري ونقاط تمركز الجيش على الأرض رأى الدكتور حاج علي «أن الموقف وجهة الموقف التركي كانت تقوم على إعادة القوات المسلحة بالقوة للنقاط التي بدأت منها العملية العسكرية، وبالتالي فإن الاتفاق ثبّت الحالة الراهنة بالسيطرة على ما يقارب 1500 كيلو متر وكحالة مؤقتة للوصول إلى الموقف الطبيعي لحرية الوطن ووحدة أراضيه وخلوه من أي تمركز أجنبي أو ممارسات إرهابية كهدف أكيد للاتفاق الذي أذعن له ويعتبر محصلة لمسيرة سابقة ثمنها غالياً بدماء الشهداء ولا يمكن أن يتحوّل حالة دائمة أو بل مرحلي قبل استكمال تحرير الوطن السوري، وبالتالي كان الاتفاق حالة استدعائية مع جاهزية اليد على الزناد لتأدية الواجب والمنطق السوري الروسي منح الفرص للجهود السياسيّة لحل القضايا وتحرير الأرض لتنتج ما يمكن الحصول عليه بالقوة إما بالاستخدام وهذا ما لا نتمناه أو بالتهديد بالاستخدام كما حصل بالاتفاق مع موسكو رغم الشكوك بالتزام أردوغان كما حصل باتفاق سوتشي 2018 فوقف إطلاق النار عملية استئناس للموقف الوطني بإعطاء الفرص للحل السياسي».

مواقف غربيّة ضبابيّة

الموقف الأميركي وبالرغم من الترحيب بالاتفاق فقد عرقلت واشنطن تبني مجلس الأمن الدولي إعلاناً يدعم الاتفاق الروسي وهو ما يفسره الدكتور أحمد حاج علي أنه مبني على عاملين أولهما العداء المطلق لسورية والسعي لاستكمال الحرب على سورية بأشكال متعدّدة ومحاولة فرملة حالة الأمر الواقع الذي فرضته التحوّلات الكبرى في الأعمال العسكرية في الشمال السوري».

وأضاف «العامل الثاني هو العلاقة العضوية بين أميركا وأنقرة كأعضاء في الناتو وحالة التماهي بين أردوغان وترامب واضحة بتبنّي الإرهاب بناء على الحالة الراهنة، فإن الموقف الأميركي يراوح بأنه لن يدخل في الجانب الداعم لأردوغان ولن يعترف بأن الموقف السوري الروسي حالة مشروعة، بالتالي اعتمد على الموقف الأميركي على البراغماتية باستثمار زمن أردوغان قبل الاندحار».

ما لم ينطق به المندوب الأميركي صرّحت به السفيرة البريطانية كارن بيرس بأن هناك الكثير من الأسئلة بشأن «طريقة تطبيق الاتفاق فعلياً والجهة التي ستتحكم فيه ومن سيسيطر على ما سيحدث في غرب حلب». ما يعني استمرار المراهنة الغربية على تطورات الميدان في قلب الواقع الراهن لصالح المجموعات المسلحة المدعومة من الغرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق