حديث الجمعة

مختصر مفيد دولـة الأمـان

 

منذ عرف الناس فكرة الدولة يؤدّون لها طاعتهم ويدفعون ضرائبهم وهم يبحثون عن جواب على سؤال حول ماهية الدولة التي يريدون وتراوحت توصيفاتهم في مراحل التاريخ بين دولة تمنحهم الشعور بالقوة، ودولة توفر لهم العدالة ودولة تحقق الرفاه ودولة تحرس الحرية، وتغيّرت نظم وإمبراطوريات تحت عنوان هذا البحث.

منذ الحرب العالمية الثانية، السباق بين الدول حول مَن يثبت أنه الأقوى ومَن يثبت أنه الأغنى، والقوة والغنى سلاح ومال ومعهما علم. وكان المعيار في عضوية دائمة في مجلس الأمن الدولي تعبيراً عن الدول الأهم في العالم هو امتلاكها للقنبلة النووية، وبعد سقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفياتي تحوّل السباق نحو امتلاك الناتج المحلي الأعلى وإنتاج السلع التكنولوجية الأشد حداثة. وهكذا صار السباق الصيني الأميركي يختصر معادلة مفهوم الدولة عند البشر.

مع تفشي فيروس كورونا وتحوّله محرك السياسة والثقافة في العالم، تقدّمت الصين وتراجعت أميركا، لكن السبب لم يكن فائضاً إنتاجياً صينياً وقد توقف اقتصادها لشهور، ولا تطويراً لسلاح يتفوق على سلاح، بل لأنها بأدائها في مواجهة الفيروس منحت شعبها الشعور بالأمان، الأمان الناتج عن وجود دولة تهتم وتتابع وتعمل ليل نهار وتنجح بالسيطرة على تفشي الفيروس.

أميركا لا تزال تتقدّم على الصين بناتجها الإجمالي وبموفوراتها النفطية واكتشافاتها العلمية وجامعاتها ومصارفها وقوة جيشها ونوعية سلاحها، لكنها عندما طلب شعبها الشعور بالأمان بوجود دولة ترعاه وتهتم لأمره، لم يجدها ولا يزال البحث مستمراً، والشعب الأميركي يسأل ما نفع المال والسلاح والتكنولوجيا ما دامت القناعات الواقية مفقودة والمستشفيات غير مجهزة والمصابون بمئات الآلاف لا يجدون من يعتني بهم، والوفيات تتراكم على أبواب المستشفيات في برادات النقل.

الدولة هي أولاً وأخيراً دولة الأمان وبعدها يأتي الباقي، وهي الدولة التي يستطيع الناس الثقة أنها تسأل ماذا لو وقعت كارثة وتظهر أنها كانت مستعدّة.

ناصر قنديل

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق