الوطنكتاب بناء

أولوّيات ترامب بترصيد النقاط لحملته الانتخابية

} د. ميادة إبراهيم رزوق

تنوّعت أحداث المنطقة والعالم وتتالت وتسارعت بين أجندات التطبيع وتقليص الوجود العسكري الأميركي وتشكيل حكومة طوارئ في الكيان الصهيوني والضغط على كيان الاحتلال للمسارعة بضمّ غور الأردن والضفة الغربية، وترافق كلّ ذلك مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنّ إيران لم تعد تشكل خطراً استراتيجياً على الولايات المتحدة الأميركية.

لا يمكن فهم ذلك إلا في إطار الأجندة الانتخابية لترامب بعد خسارته العديد من الأوراق التي كان يمكن أن تدعم حملته الانتخابية، بدءاً من الفشل في طريقة احتواء تفشي جائحة كورونا إلى إرهاصات هذه الجائحة وحرب أسعار النفط على الاقتصاد الأميركي، وارتفاع نسبة البطالة بوصول عدد العاطلين عن العمل إلى 33 مليوناً، وإفلاس أكثر من 300 شركة لاستخراج النفط الصخري في أميركا، وتهديد أخريات بالإفلاس ليصل المجموع إلى 533 شركة نهاية العام المقبل في حال وصول أسعار النفط إلى 20 دولار للبرميل، وفق دراسة لمؤسسة ريستاد لأبحاث الطاقة والتي توقّعت أن يصل عدد الشركات المفلسة إلى 1100 شركة إذا وصلت أسعار النفط إلى عشرة دولارات للبرميل الواحد، في الوقت الذي تتركز فيه صناعة النفط الصخري في ولايات تصوِّت عادة للحزب الجمهوري مثل مونتانا وتكساس وأوهايو وأوكلاهوما.

يُضاف ذلك إلى فشل السياسات الخارجية للرئيس الأميركي التي أدت إلى كسر هيبة الولايات المتحدة، خاصة بعد اغتيال القائدين قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس وردّ إيران بضربة قاعدة عين الأسد الأميركية في العراق، وقرار محور المقاومة بإخراج القوات الأميركية من المنطقة، وقبل ذلك إسقاط الحرس الثوري الإيراني الطائرة المسيرة من طراز «غلوبال هوك» درة الصناعة الأميركية، ومنذ أسابيع قليلة طرد كلّ من قوات البحرية الإيرانية والصينية للمُدمِّرات الأميركية التي حاولت التحرش بالسفينة الإيرانية في مضيق هرمز، أو التي دخلت المياه الإقليمية الصينية في بحر الصين الجنوبيّ، والتهديد الروسي عالي النبرة بردّ « نووي» على أي هجوم أميركي وذلك في تعليق على تقارير بشأن تسليح البنتاغون غواصات بصواريخ من طراز «ترايدنت– 2» البالستية بعد تزويدها برؤوس نووية منخفضة الطاقة.

كلّ ما سبق وغير ذلك من فشل السيناريوات الإمبريالية العسكرية والاقتصادية والإعلامية في منطقة الشرق الأوسط، جعل ترامب يعيد ترصيد النقاط لحملته الانتخابية، بدءاً من سحب أربع بطاريات من صواريخ «باتريوت» (الأنظمة الصاروخية الدفاعية) مع طواقمها المؤلفة من حوالي 300 عسكري أميركي من السعودية وإعادتها إلى الولايات المتحدة، إلى ما ذكرته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية بأنّ مارك إسبر وزير الدفاع الأميركي يضغط لانسحاب قوات بلاده (400 جندي) من قوات حفظ السلام الدولية متعدّدة الجنسيات المتمركزة في شبه جزيرة سيناء في مصر من أصل 1156 جندي من 13 دولة، وكل ذلك في إطار خفض تكاليف العملية العسكرية الأميركية حول العالم، إضافة إلى طلب الولايات المتحدة الأميركية رفع تسعيرة حمايتها لكوريا الجنوبية إلى الضعف لتصل إلى 1.3 مليار دولار سنوياً لتمركز القوات الأميركية في شبه الجزيرة الكورية، وهذا أيضاً ما يطلبه ترامب من العاهل السعودي والعديد من الدول الأوروبية، وفق مبدأ «الأمن مقابل المال».

وضمن السياسة ذاتها في ترصيد النقاط لكسب تأييد الناخبين اليهود والمسيحيين الإنجيليين اليمينيين، استكمال تنفيذ «صفقة القرن» بعد نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، والاعتراف بها عاصمة لـ «إسرائيل»، والاعتراف بسيادة كيان الاحتلال على مرتفعات الجولان المحتلة من سورية عام 1967، وتستكمل بالتنسيق مع الأنظمة الرجعية العربية بزيادة وتيرة التطبيع السياسي والاقتصادي والرياضي والثقافي مع الكيان الصهيوني وبشكل علني، وعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر استقبال وزير السياحة التونسي، صيف العام الماضي، وفداً «إسرائيلياً»، إلى لقاء رئيس المجلس الانتقالي السوداني عبد الفتاح برهان برئيس حكومة الكيان الصهيوني بنيامين نتيناهو في شهر شباط من العام الحالي، وفتح المجال الجوي السوداني أمام الطائرات الصهيونية، مع إعلانه بشكل صريح عن سياسة التطبيع مع الصهاينة تذللاً للولايات المتحدة الأميركية لشطب السودان من قائمة الإرهاب الدولي، إلى الإعلام الخليجي من خلال المسلسلين الدراميين «أم هارون» و»مخرج سبعة» والتغريدات والمنشورات والتصريحات على منصات التواصل الاجتماعي التي تزوِّر التاريخ، وتدعو إلى التطبيع وتشوه صورة الشعب الفلسطيني، بالإضافة إلى ظهور الداعية الإسلاموي المطبع حسن الشلغومي في شهر رمضان بشكل يومي من فرنسا على قناة تونسية خاصة مدعومة من الإمارات، سعياً إلى كيّ الوعي العربي وتخريب الذاكرة الجمعية، ليكتمل المشهد مع تصريحات السفير الأميركي لدى تل أبيب ديفيد فريدمان وضغوطه لضم كيان الاحتلال غور الأردن والضفة الغربية خلال أسبوعين، ومن محاولات تغيير مهام قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان للضغط والتضييق على حزب الله.

بغضّ النظر عن نجاح دونالد ترامب في ترصيد نقاطه أو عدمه، أو فوزه أو فوز منافسه جون بايدن الديمقراطي، الذي وعد بإعادة السفارة الأميركية إلى تل أبيب ورفض مشروعية «صفقة القرن»، برئاسة الولايات المتحدة الأميركية، فإنّ ما يهمنا هو رصيد محور المقاومة في تنامي قوته وقدراته التي تزداد يوماً بعد يوم، وقد نجح في تغيير قواعد الاشتباك ومعادلات الردع التي ستكون السبب المباشر لخروج القوات الأميركية من المنطقة، أما الخطر الحقيقي فهو على وجود الكيان الصهيوني وأمنه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق