آراء ودراساتكتاب بناء

ليس ثائراً مَن يناهض سلاح المقاومة والتحرير

 

} د. جمال شهاب المحسن*

المكارثية المتجدّدة والعنصرية البنيوية الأميركية التي تظهر بأبشع صورها وبفجاجتها القصوى هذه الأيام لا يحقُّ لها أن تتهم الآخرين بقمع الحريات وانتهاك حقوق الإنسان  تحت يافطة «حماية المدنيين» وهي التي تعمل في كلّ لحظةٍ من نهارٍ وليل لخنق الشعوب وتجويعها وتخريب أوطانها بالحروب والحصار الإقتصادي وسلب خيراتها وحرق محاصيلها .. وقد توّجت ذلك بما أسمته قانون «سيزر أو قيصر» ضدّ الشعب السوري وقيادته الوطنية ومؤسّساته الشرعية واقتصاده الصامد بعد حربٍ إرهابيةٍ شنّتها منذ أكثر من تسع سنوات واستخدمت فيها كل أنواع الأسلحة وأشرسها قتلاً وفتكاً وتخريباً وتهجيراً .

إنّ أخطر ما تقوم به إمبراطورية الإرهاب العالمي الأميركية المتهالكة هو التَّعمِية والتضليل والتلاعب بالصور والكلمات والشعارات والمصطلحات الإعلامية والفكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الفنية وبثّه على شكل «مطالب وحقوق» للآخرين وهي لا تعرف سوى مصالحها الإستعمارية وحماية ربيبتها «إسرائيل» ولا تعبّر سوى عن طبيعتها العدوانية اللاأخلاقية واللاإنسانية منذ شروعها بإبادة الهنود الحمر سكان أميركا الأصليين، ولقد تبيّن ذلك في كثير من الشواهد التاريخية في سورية ولبنان وفلسطين والمنطقة كلها .

 إن الأجهزة الأمنية المخابراتية الأميركية تتفنّن في خلق الثورات المضادة كما فعلت في جورجيا وأوكرانيا وصربيا وأميركا اللاتينية .. ومن «ربيع براغ» عام 1968 الى ما يسمّى «الربيع العربي» رافعةً عبر عملائها وأدواتها المحليين المدرَّبين شعارات برّاقة فارغة من مضامينها الوطنية والإجتماعية الفعلية ..

وبرسم مَن يتبجّحون بالدعاية الأميركية المغرضة وأكاذيبها نحيلُهم الى تنديد المفوضة السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة ميشيل باشليه بالعنصريةالبنيويةوالاعتداء غير المسبوق على صحافيين في الولايات المتحدة التي يستمر فيها حراك احتجاجي واسع النطاق رفضاً للعنصرية وعنف الشرطة .

وقالت في بيان منذ أيام: «إن الأصوات التي تطالب بإنهاء الجرائم بحق الأميركيين العزل من أصل أفريقي يجب أن يتمّ الإصغاء إليها وإن الأصوات التي تطالب بإنهاء عنف الشرطة والعنصرية المزمنة والبنيوية التي تسود المجتمع الأميركي ينبغي الإصغاء إليها بعد جريمة قتل جورج فلويد الأميركى من أصول أفريقية خنقاً من قبل الشرطة «.

وهنا لا بدَّ من أن تصرخ الشعوب المقهورة في العالم كله مع ملايين الأميركيين «لا أستطيع أن أتنفس» حيث أنّ فلويد قُتل في مدينة مينيابوليس بولاية مينيوستا، بعدما طرحه شرطي أرضاً وثبّته لدقائق عدة بينما كان يضغط بركبته على رقبته، فصاح على إثرها مراراً: «لا أستطيع أن أتنفس»، قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة ..

 وهنا أنصح بالعودة لقراءة الرواية الواقعية «كوخ العم توم» التي كتبتها ونشرتها الكاتبة الأميركية المناهضة للعبودية والعنصرية هارييت بيتشر ستاو Harriet Beecher Stowe  عام 1852، وذلك لتأصيل هذه الظاهرة العنصرية ضدّ الأميركيين من أصل أفريقيفكانت هذه الرواية التي تُرجمت إلى 37 لغة صورةً لحياة الأفارقةالأميركيين تحت ذُلِّ العبودية التي أُلغيت بالشكل وصُوَريّاً ولكنها مستمرة بالفعل من خلال الممارسات اللاإنسانية السادية لشذّاذ الآفاق الإستعماريين العنصريين حكام الولايات المتحدة الأميركية.

وللذين يراهنون على غطرسة الولايات المتحدة الأميركية وقوتها نقول: إنّ محور المقاومة المتحالف مع روسيا والصين وأحرار الأمة والعالم يزلزل العالم بحقه وقوته ويحاصر حصارهم وسيزيله بالمعطيات الواقعية الصلبة من خلال الحقائق العسكرية والسياسية والاستراتيجية والوقائع الميدانية في الميدان السوري لمصلحة الدولة السورية الصامدة المنتصرةومن خلال ما رسمته بوضوح السفن الإيرانية التي اقتحمت المحيطات والبحار وصولاً إلى الكاريبي لكسر الحصار الأميركي المضروب على فنزويلا  في قلب القارة الأميركية.. ومن خلال ما أكدته وقفة العز والفخار والشرف والطهر لأبطال المقاومة وجمهورها على الحدود اللبنانية الفلسطينية في الذكرى العشرين لتحرير الجنوب اللبناني وبقاعه الغربي من رجس الإحتلال «الإسرائيلي».

وليس ثائراً مَن يناهض سلاح المقاومة والتحرير ويتحرك بأمرٍ أميركي ويرقص على وقع معزوفتي «قيصر» والقرار  1559 ضدّ مصلحة لبنان وقوته ومنعته وتلاحم مقاومته وجيشه وشعبه وضدّ العلاقات اللبنانية السورية الضاربة الجذور في أعماق التاريخ والمؤطّرة في معاهدةٍ دولية هي معاهدة الأخوّة والتعاون والتنسيق بين سورية ولبنان

ويبقى أن نشير الى أنّ مَن يعملون في «الثورة» الأميركية المضادة لا يمثّلون سوى حِفنةٍ من اللبنانيين، حاول ويحاول بعضها بكلّ وقاحة شرعنة الخيانة الوطنية وأكثر

*إعلامي وباحث في علم الإجتماع السياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق