أولىكتّاب البناء

هل يتحرّر لبنان… خاصة من الاستعمار الاقتصاديّ الأميركيّ؟

 العميد د. أمين محمد حطيط*

تنظر أميركا إلى لبنان باعتباره الحلقة الأضعف في محور المقاومة، ونظرتها هذه ليست من باب القدرات القتالية للمقاومة وهي قدرات حققت الكثير مما أزعج أميركا وأقلقها، بل من باب البنية اللبنانية والوهن البنوي في تركيبته السياسية والديمغرافية والاقتصادية وقدرتها أيّ قدرة أميركا على تجنيد  من يلزم فيه لتنفيذ المهامّ التي تخدم سياستها لا بل تمارس عبره عدوانها المستمرّ على المنطقة.

ففي لبنان تجد أميركا سياسيين يجاهرون بمواقفهم التي تصبّ في خدمة المصالح الأميركية على حساب المصالح اللبنانية، وتجد موظفين كباراً يمارسون مهامّ وظائفهم بمنظور وفهم أميركي بحت حتى وبأفضل مما تقوم به أميركا نفسها، وتجد أحزاباً وهيئات وتنظيمات تعمل في خدمة هذا المشروع الأميركي الاستعماري بجدية والتزام وحرص على النجاح يفوق ما تطلب أو تتمنى الإدارة الأميركية.

والأدهى من كلّ ذلك نجد انّ أميركا التي تتلقى السهام الجارحة في داخلها لا بل تثخن بالجراح اليوم من باب جائحة كورونا والاضطرابات الشعبية التي اندلعت تحت عنوان رفض «التمييز العنصري» في الداخل الأميركي، أميركا التي أخفقت في سياساتها تجاه الصين وروسيا، واضطرت للتعامل بواقعية بعيدة عن التهديد العسكري الجدّي مع كلّ من إيران وكوريا الشمالية، أميركا التي تآكلت هيبتها العسكرية وضاع حلمها بالأحادية القطبية في النظام العالمي المنهار، أميركا التي لا يتوقع عاقل أنها ستعود وسترمّم هذه الأحادية مهما كانت نتائج المواجهة العالمية القائمة حالياً؛ الأدهى في الأمر أنّ أميركا هذه تجد في لبنان من يتعبّد لها ويأسر نفسه في حبائل مشاريعها الكيدية والاستعماريّة والعدوانيّة، ويرى فيها الملاذ والملجأ والحصن الذي يلجأ إليه لمعاقبة شركائه في الوطن بعد أن يجنّد نفسه عندها مخبراً محرّضاً أو جاسوساً عميلاً أو مأجوراً في خدمتها.

لقد شكلت أميركا ممن يتبعها أو ينصاع لها أو يأتمر بأوامرها ما يمكن وصفه بـ «جبهة أميركا في لبنان» التي يتوزع أعضاؤها الأدوار ويتساندون في ما بينهم بحيث يحمي بعضهم بعضاً في أيّ موقع كان لأنّ تلك المواقع التي يشغلها من يحمل الهوية اللبنانية تستفيد منها أو تخدم السياسة الأميركية فيكون واجباً عليهم حمايتها. لأنهم يرون فيها محميات يمنع المسّ بها ويسلّط السيف الأميركي على رقبة كلّ مَن يفكر بهذا الأمر. وعليه نرى انّ مهامّ أعضاء «جبهة أميركا في لبنان» نوعانالأول المهامّ الأصلية المباشرة التي تخدم تلك السياسة، والثانية مهامّ احتياطية فرعية تمارس من أجل حماية الأعضاء بعضهم لبعض في مواقع الدولة. وفي ممارسة مهامهم الأصلية يطالب أعضاء «جبهة أميركا في لبنان» بما يلي:

1 ـ نزع سلاح المقاومة الذي هو مصدر قوة رئيسي للبنان للدفاع عنه أرضاً وشعباً وثروة وكياناً، وهو مصدر قلق عميق لـ «إسرائيل» وأميركا يهدّد مطامعهما خاصة في الأرض والثروة، وانّ نزعه يسهّل لأميركا وضع يدها على كامل المفاصل اللبنانية ويمكّنها من تعديل الحدود ورسم حدود بحرية وإنهاء ملف مزارع شبعا خدمة لـ «إسرائيل»، كما جاء في رؤية ترامب.

2 ـ الابتعاد عن سورية من أجل إحكام الحصار عليها خدمة لسياسة العقوبات الأميركية التي تسعّر اليوم مع بدء تطبيق قانون قيصر الأميركي الكيدي الإجرامي. يريدون سدّ الرئة اللبنانية التي تتنفس منها سورية يريدون ذلك رغم انّ علاقة لبنان بسورية هي من طبيعة تجعلها مسألة حياة أو موت للبنان هذا قبل أن ينص عليها في وثيقة الاتفاق الوطني في الطائف بأنها علاقات مميّزة وقبل أن تصاغ تلك العلاقات في 22 اتفاقية متنوّعة المواضيع لتفعليها.

3 ـ رفض إقامة أيّ علاقة اقتصادية مع العمق المشرقي للبنان من سورية إلى الصين مروراً بإيران وروسيا، ويصرّون على تضييع الفرص عن لبنان من أجل ان يبقى تحت الاستعمار الاقتصادي الأميركي الذي فرض عليه نهجاً اقتصادياً حوّل اقتصاده إلى اقتصاد ريعي وحرمه من الخدمات الأساسية ومنعه من إقامة بنية تحتية تناسب تطوّر العصر وأغرقه بالديونكلّ ذلك خدمة لاستراتيجية أميركية تقوم في جوهرها على إفقار التابع المستعمر من أجل إبقائه تحت السيطرة على أساس «جوّعه يتبعك».

لقد نجحت «جبهة أميركا في لبنان» في تحقيق ما طلب ويطلب منها في مسألة العلاقة مع سورية والمسألة الاقتصادية وفشلت في مسألة سلاح المقاومة، وسبب فشلها هنا عائد إلى انّ للسلاح قوة تمسكه وتحميه لا تخضع للدولة بشكل كلي بل تنسق معها ضمن مفهوم «التنسيق السلبي» الذي تفرضه الرغبة في عدم التصادم والاحتكاك، من دون أن يصل هذا التنسيق إلى حدّ الخضوع التامّ للقرار الرسمي اللبناني، الخضوع الذي لو حصل لتعطل دور السلاح ولكان لبنان اليوم من غير مقاومة ومن غير سلاح مقاوم، وبالمناسبة نذكر بأنّ أحد الأسباب الجوهرية التي تحول دون وضع سلاح المقاومة بأمرة الدولة هو هذا الخطر، حيث إنّ وضعه بيدها يعني حتماً تعطيل استعماله لأنه يجعل قرار الاستعمال بيد جهة رسمية يكون فيها بعض من «جبهة أميركا في لبنان»، وأن حصول ذلك يعني زوال معادلة الردع الاستراتيجي التي فرضتها المقاومة على «إسرائيل» وبها حمت لبنان ومنعت الحرب عليه.

لقد نجحت «جبهة أميركا في لبنان» في تحقيق أغراض أميركا من مسائل العلاقة مع سورية والمسألة الاقتصادية، لأنّ هذا الأمر يتطلب قراراً رسمياً ويتوزّع من بيدهم سلطة القرار أو صلاحيته بين فئات أربع: الأول خاضع مباشر للقرار الأميركي بوصفه عضواً في «جبهة أميركا في لبنان» والثاني خائف على مصالحه من ردّة الفعل الأميركي عليه انْ خالف الإيحاء الأميركي ثم يغلف خوفه على مصالحه الشخصية بالادّعاء بانه خائف على المصالح الوطنية اللبنانية، والثالث عاجز بمفرده لا يملك صلاحية اتخاذ القرار المناسب وحده. ورابع غير مكترث للصراع بذاته أو لنتائجه قادر على التكيّف مع تلك النتائج كيفما كانت. وفي هذا التصنيف يكمن مأزق لبنان، المأزق الذي يضيّق فسحة الأمل بالتحرّر من الاستعمار الأميركي الفعلي المفروض عليه والذي يصل أحياناً إلى حدّ ظهور سفير أميركا في لبنان وكأنه الحاكم الفعلي فيه.

بيد أنّ الغريب في الشأن هو فجور «جبهة أميركا في لبنان» في توصيفها لواقع لبنان حيث تقلب هذه الحقيقة وتدّعي وجود عكسها في أبشع عملية تزوير وتقليب للحقائق، فبدل الإقرار بهذا الاستعمار تطلق مقولة «الدويلة التي تحكم الدولة»، وتقصد دويلة حزب الله التي هي وهم في رؤوس أعضاء «جبهة أميركا في لبنان»، يصرحون به ليخفوا حقيقة الاستعمار الأميركي الذي هم في خدمته، ويطلقون مقولة «حكومة حزب الله» التي لو كانت حقيقة قائمة لذهبت إلى سورية بكلّ ثقة بالنفس ولفتحت الطريق للبنان للانتظام في الاقتصاد المشرقيّ وكسرت الاحتكار الأميركي لسوقه. أما الدرجة الأعلى من الفجور فتتمثل في مطالبة أميركا وجبهتها في لبنان بالإصلاح وتضع الإصلاحات شرطاً للمساعدات. وطبعاً لا يمكن لعاقل إلا أن يؤيد هذا الشرط لا بل يجعله هدفاً رئيسياً من أهداف سياسته، بيد انّ سلوك أميركا وأتباعها يخالف الطلب اللفظي، حيث إنّ النسبة الكبرى من منظومة الفساد في لبنان وناهبي المال العام هم أعضاء في «جبهة أميركا في لبنان» وتمنع أميركا المسّ بهم وتضع الخطوط الحمر التي تحميهم ويتطوّع أعضاء الجبهة كلّ في موقعه من أجل حمايتهم.

هذا هو مشهد لبنان ومأساته، ومجريات الصراع فيه، صراع شرس بين مَن يريد أن يستكمل استعماره وإحكام السيطرة عليه بنزع سلاح المقاومة، ومن يريد أن يستكمل التحرير الذي بدأ في العام 2000 بتحرير الجنوب وتصاعد في إرساء منظومة الردع الاستراتيجي بوجه العدو، ويعمل لتحرير لبنان اقتصادياً من الاستعمار الأميركي وليطهره من الفساد الداخلي الذي يرعاه هذا الاستعمار.

صراع ليس بالأمر السهل خاصة أنه دخل اليوم إلى لقمة عيش المواطن التي أقحمتها أميركا في الصراع من باب الحصار والعقوبات وقانون قيصر والتلاعب بالنقد الوطني، لكن رغم ذلك ليس الفوز فيه مستحيلاً بالنسبة للمقاومة خاصة أنّ الطرف المناهض لها عاجز كلياً، مهما حشد من طاقات ومهما ابتدع من أساليب، عاجز عن نزع سلاحها، يبقى عليها هي ان تعمل بالمتاح والمتوفر من أجل خوض معركة التحرير الاقتصادي والإصلاح في أهمّ حرب يواجهها لبنان الحديث. وهنا يبرز دور الشعب الذي عليه تقع الأعباء التي لا يستهان بها.

*أستاذ جامعيخبير استراتيجي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق