آراء ودراساتالوطنكتاب بناء

طوق النجاة

 

} طارق سامي خوري

عضو مجلس النواب الأردني

 

حين وضع المفكر وعالم الاجتماع السوري أنطون سعاده مشروعه القومي لقيام أمة الهلال الخصيب ونهوضها على امتداد جغرافيا «سورية الطبيعية»، منذ قرابة تسعين عاماً، كان بلا شكّ يتصوّر وطناً يختلف بكلّ المقاييس عن الصورة التي عليها أوطاننا اليوم. فها هو الوطن الذي تحدّث عنه وقد بات، بعد واحد وسبعين عاماً على استشهاده، وطناً ضائعاً مُشتّت الهوية على مجموعة من الكيانات السياسية القُطرية، هي أبعد ما يكون من الانتماء لهذا الوطن الكبير الذي أراده كياناً واحداً موحّداً يحمل المجد العظيم  لهذه الأمة، ولهذه المساحة الجغرافية المباركة نصيبها من الإرث التاريخي والحضاري والثقافي للعالم أجمع.

منذ البداية، وتحديداً منذ تأسيسه «الحزب السوري القومي الاجتماعي» عام 1932 حدّد سعاده أولويات حزبه: قتال اليهود، ومواجهة الأنظمة الإقطاعية والطائفية. فقد حذّر الزعيم الشهيد باكراً من خطورة المخطّط اليهودي حين قال: «ليس لنا من عدو يقاتلنا في حقنا وأرضنا وديننا غير اليهود»، وقد جاء اغتصاب فلسطين عام 1948 ليعكس تقصير الدول العربية، بل تآمرها وعجزها عن مواجهة ما كان يُعدّ لفلسطين، وليكشف عن المشاكل الداخلية التي كانت تعتري العديد من منظومات الحكم في عدد من بلدان المنطقة في حقبة ما بعد الاستعمار. فهذه الأنظمة كانت، ولا تزال حتى يومنا هذا، تحمل «العلامات التجارية» للحكم الأوليغارشي القائم على العائلة والطائفة والعشيرة، على نحو أفضى في نهاية المطاف إلى انسلاخ الهمّ القومي الشامل عن الأجندات القطرية الخاصة بكلّ دولة من تلك الدول.

أمام أعراض الضعف العام والوهن الذي أصاب جسد الأمة على المستوى القومي، طرح سعاده العديد من النظريات حول كيفية النهوض بها، على المستويات  كافة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية. وفي المبادئ الإصلاحية  الأربعة الأولى للحزب دعوة إلى إلغاء الإقطاع ومنع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء القوميين، وإزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب، وتنظيم الاقتصاد القومي على أساس الإنتاج وإنصاف العمل وصيانة مصلحة الأمة والدولة، فتنظيم الاقتصاد على أساس الإنتاج هو الحلّ الوحيد للمشكلات الجمة التي يعاني منها عدد من بلدان المنطقة اليوم مثل الأردن الذي بات اقتصاده مرتهناً للمؤسّسات المالية الدولية التي تتحكّم بالقوانين والسياسات الاقتصادية فيه، ولبنان الذي يرزح شعبه في الوقت الراهن تحت وطأة عقوبات مُقنّعة من جانب الإدارة الأميركية، فيما تبدو فرصه في النجاة من إعصار اجتماعي قادم تتضاءل يوماً بعد يوم نتيجة تبنّيه نهج «الاقتصاد الريعي» منذ عقود، خلافاً لسورية، فرغم أنها تواجه عقوبات مشابهة، إلا أنّ فرصها في المواجهة والصمود أكبر، بالنظر إلى طبيعة اقتصادها المنتج والمتنوع زراعياً وصناعياً وسياحياً وغيرها من القطاعات.

في المبدأ الخامس: «إعداد جيش قوي يكون ذا قيمة فعلية في تقرير مصير الأمة والوطن»، آمن سعاده بأنّ «الحق القومي لا يكون حقاً في معترك الأمم إلا بمقدار ما يدعمه من قوة الأمة. فالقوة هي القول الفصل في إثبات الحق القومي أو إنكاره»، وهذا ما نراه يتجسّد اليوم في الانتصارات التي تتحقق على يد  «الجيش السوري» و»نسور الزوبعة» وقوى المقاومة  في فلسطين والشام والعراق ولبنان. تلك الانتصارات التي تشكل بارقة الأمل الوحيدة وقد أعطت بعداً آخر للوجود وللصراع مع العدو الصهيوني وأدواته من القوى الظلامية.

 على مدى سنوات عمره القصير جداً، بنى سعاده رؤية قومية حديثة تجمع بين فن السياسة والفلسفة والأدب وعلم الاجتماع، وعقيدة راسخة وهبها حياته، وإنّ من خطّطوا ودبّروا ونفذوا جريمة اغتياله فجر الثامن من تموز 1949 لم يتمكّنوا من اغتيال فكره العظيم وثوابته التي لا نزال نؤمن بأنها طوق نجاة الأمة السورية من معوّقات نهوضها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق