آراء ودراسات

إنقاذ التعليم الرسمي:
لا نملك ترف الوقت

} ماجد جابر*

لم تعان معظم دول العالم خلال العقود الإخيرة ركوداً وأزمات اقتصادية كما اليوم بسبب جائحة كورونا. أزمات أفضت الى تعطل في المصالح والمؤسسات من القطاعات المختلفة، وفي تقلص عدد الوظائف وارتفاع نسبة البطالة، وتدني في الرواتب والأجور، وفي إغلاق كثير من المؤسسات والشركات أبوابها بشكل نهائي.

لبنان واحد من تلك الدول التي تأثرت قطاعاته المختلفة سريعاً بهذه الجائحة، مع فارق أنّ أزمته جاءت مضاعفة بالتزامن مع إهتزاز القطاع النقدي فيه عبر تدهور قيمة عملته الوطنية (الليرة) أمام الدولار الأميركي، وانهيار القدرة الشرائية والمعيشية لدى اللبنانيين بنسبة جاوزت 75 % حتى الآن. التدهور النقدي الحادّ انعكس سلباً على الموازنات المالية لغالبية الأسر اللبنانية، التي وجدت نفسها أمام عجز مالي غير معتاد، ما دفعها الى إعادة ترتيب أولوياتها الحياتية بشكل سريع وملحّ، لتتقدم بذلك أولويات البقاء والصحة والمسكن على أولويات أخرى، يأتي في مقدمتها التعليم، لا سيما تعليم أولادها في المدارس الخاصة.

إزاء هذا الواقع الصعب، إتجهت أنظار عدد كبير من الأهالي في مطلع العام الدراسي 2020-2021 نحو المدرسة الرسمية لاستكمال تعليم أولادهم، كخيار اضطراري وطارئ في خضم الظروف الإقتصادية القاسية، خصوصاً المواطنون من ذوي الدخل المتوسط الذين اصبحوا من عداد الفقراء، وبالتالي لن يكون بمقدروهم بعد الان تحمل اكلاف التعليم الخاص الذي كان يضم حوالي 727 الف تلميذ موزعين على 1626 مدرسة خلال العام الدراسي 2019-2020.

 الإحصاءات المبدئية والأولية لعمليات تسجيل التلامذة في المدارس الرسمية للعام الدراسي 2020-2021، تشي ان التعليم الرسمي يشهد موجة نزوح غير مسبوقة من التعليم الخاص، حيث تقوم الاف العائلات بنقل اولادها من المدارس الخاصة الى المدارس الرسمية بسبب الظروف الإقتصادية الضاغطة.

حقيقة الأمر، ان جنوح الإهالي لتسجيل اولادهم في المدارس الرسمية، بدأ رسمه التصاعدي يأخذ منحى اكبر وبشكل لافت منذ بداية العام الدراسي 2016-2017، أي قبل حدوث جائحة كورونا وانهيار الوضع النقدي بأربعة سنوات. إطلالة تحليلية على الجداول الإحصائية الصادرة عن المركز التربوي للبحوث والإنماء تبين بشكل واضح، أنّ عدد التلامذة اللبنانيين المسجلين في المدرسة الرسمية إرتفع 30861 تلميذ خلال السنوات الاربعة الأخيرة ( من 257378 ( 2016-2017 ) الى 288239 ( 2019-2020 ) بمعدل سنوي بلغ 7715 تلميذ، مقابل تناقص 5800 تلميذ في المدارس شبه المجانية ( تدنى العدد من 126378 تلميذ الى 120578)، وتناقص 9526 تلميذ في المدارس الخاصة غير المجانية ( من 511258 الى 501732 تلميذ).

مخطأ من يعتقد أن النزوح السابق والنزوح القادم المرتقب تنحصر أسبابهما ودوافعهما بتردي الإستطاعة المالية للاسر اللبنانية وعدم قدرتها على تلبية مستحقات واكلاف التعليم الخاص فحسب، وإن كان ذلك يشكل السبب الجوهري والمحوري الأول للنزوح الحالي، لكن خلف الأكمة دوافع متعددة، تبدأ من تململ واستياء الأهالي من السياسات التجارية والربحية والتسليعية التي أنتهجتها مدارس خاصة كثيرة في السنوات الأخيرة، والتي تخطت حدود المعقول والمنطق. وزاد من تفاقم الأمور ضعف أداء المعلمين وقصور التعليم عن بعد في مدارس خاصة كثيرة خلال فترة التعطيل القسري رغم تقاضيها أقساط مرتفعة، هذا فضلاً عن الخلافات المتراكمة بين المدارس ومجالس الأهل لأسباب تتعلق بالأقساط العالقة، والموازانات المدرسية الوهمية لدى عدد كبير منها، الى جانب تغييب لجان الأهل وتهميش ادوارها والتدخل في انتخابها، وغياب الرقابة اللازمة على عمل المدارس وسياساتها المنتهجة، وغيرها من الأمور التي ضاءلت الثقة بالمدرسة الخاصة من قبل اللبنانين خصوصاً في السنوات الأخيرة، في وقت كانت فيه المدرسة الرسمية تستعيد فعاليتها ووهجها وثقة الناس بها أكثر فأكثر في ظل تحسن مستوى التعليم فيها، وتحقيق نتائج ملفتة في الإمتحانات الرسمية جاوزت بها المدارس الخاصة، إضافة الى تحصيل نتائج بارزة في المسابقات العلمية والأدبية على مستوى لبنان والعالم، فضلاَ عن تطور وسائل التعليم والتجهيزات في عدد كبير منها.

نعم، الأزمة الكبيرة التي تمر بها المدارس الخاصة تظهرت ملامحها من خلال الإجراءات التي قامت بها غالبية هذه المدارس، ما يشير بشكل واضح الى خسارة هذه المدارس عدد كبير من تلاميذها. مدارس كثيرة صرفت عدداً كبيراً من معلميها وموظفيها، وقلصت الشعب التعليمية فيها. مدارس أخرى اضطرت الى إلغاء اقسام تعليمية برمتها ( القسم الفرنسي مثلاً)، واخرى أوقفت مرحلة التعليم الثانوي فيها، وغيرها من الإجراءات. كل هذا جاء في ظل عجز مدارس كثيرة عن دفع مستحقات ورواتب المعلمين والموظفين فيها بشكل كامل منذ بداية التعطيل القسري، في وقت رفض فيه غالبية أولياء الأمور حتى الان دفع أقساط العام الدراسي السابق كاملة بسبب عدم اكتماله حضوريًا، وعدم التوصل الى حلول ناجعة للخلاف القائم بين لجان الأهل والمدارس في ما يخص موضوع االقسط الثالث والموازنات المدرسية المعدلة.

في المقابل، ثمة تحديات صعبة سيواجهها التعليم الرسمي ووزارة التربية في خضم النزوح الكبير المتوقع في مطلع العام الدراسي القادم، لا تنحصر أسبابها ضمن اطار الاجراءات الصحية الصارمة التي ينبغي القيام بها للحفاظ على سلامة التلامذة والمعلمين والعاملين في المدرسة، منعاً لتسرب أي عدوى محتملة لوباء كورونا، كما يفرض البروتوكول الصحي الموصي التقيد به من قبل وزارة التربية، بل تتعداها الى تحديات أخرى قد تفتح الباب على مشكلات وازمات جديدة تتجاوز قدرة التعليم الرسمي على تحمل تداعياتها اذا ما تم التعامل معها بشكل علمي ومنهجي مدروس، ووضعت الحلول الطارئة الملحة، والخطط المسقبلية المناسبة والموضوعية لها، والبرامج الإنقاذية الفاعلة والناجعة ضمن الإمكانات المتوافرة والممكنة.

أبرز تلك التحديات يكمنفي القدرة الإستعابية للمدارس الرسمية، أي توفير المقاعد الدراسية الكافية للتلامذة الجدد الوافدة من التعليم الخاص، لا سيما في المدارس المتواجدة في المدن وخصوصاً في بيروت التي ستعاني الكثير بعد تضرر العديد من مدارسها إزاء الإنفجار الذي لحق بمرفأ بيروت، وفي بعض المدارس التي تعاني في الأساس من إكتظاظ في عدد طلابها بسبب تواجدها في مناطق إكتظاظ سكاني، كما هو الحال في الشويفات والشياح ودوحة عرمون وعرمون وغيرها من المناطق. إسيتعاب العدد الهائل من التلامذة سيدفع المدارس الى زيادة تشعيب الصفوف فيها بشكل مضاعف، خصوصا مع فرض التباعد الاجتماعي بين التلاميذ ( 18 تلميذ في الصف كحد أقصى ) في ضوء تفشي وباء كورونا، ما سيرتب أعباء جديدة من خلال الحاجة زيادة ساعات المتعاقدين بسبب توقف التوظيف في القطاع العام كما يفرض نص قانون 46. هذا الواقع يفرض ضرورة زيادة تجهيزات المدارس بالموارد المادية الضرورية ( طاولاتكراسيالواحوسائل سمعية وبصرية، وغيرها ).

تحد ثان يكمن في ضعف الإمكانات المالية للمدارس الرسمية، إذا تعاني الصناديق المالية لهذه المدارس من شح وعجز كبيرين، وتكاد تكون فارغة، وذلك بسبب عدم تحويل وزارة التربية للمبالغ المستحقة لصناديق الأهل وصناديق المدارس، في وقت كانت هذه المدارس تتكبد دفع تكاليف مستحقات المتعاقدين فيها من هذه الصناديق بدلاً من أن تكون على عاتق وزارة التربية. هذا العجز في الصناديق سيحول حتماً دون تأمين المستلزمات اللازمة لتسيير عمل المدرسة والإجراءات الصحية فيها، بدءاً من تأمين مواد التنظيف والتعقيم، مروراً بتأمين القرطاسية واحتياجات العمليتين الإدارية والتعليمية (قرطاسية، أوراقحبر، دفاتر،….)، فضلاً عن تكالف الصيانة الباهظة، وتأمين وقود لمولدات الكهرباء..

تحد أخر وملح يكمن في ضرورة تدريب المعلمين على مهارات التعليم الالكتروني،

( العمل على المنصات، إنتاج فيديوهات،…..)، إذ لم تشهد فترة التعطيل الصيفي أي خطوة في هذا الإتجاه،كل هذا يأتي بالتزامن مع الحاجة الملحة الى توفير البرامج والموارد اللازمة للتعليم عن بعد في جميع المدارس الرسمية، ومعالجة كل الثغرات التي رافقت هذا التعليم خلال فترة التعطيل القسري، سواء تم فعلياً اعتماد التعليم الهجين ( المدمج Blended ( مع انطلاق العام الدراسي، أو التوجه لاحقاً لاعتماد التعليم عن بعد بشكل كلي إذا فرضت ظروف تفشي الوباء ذلك. هذا الواقع يستدعي العمل سريعاً على توفير الإنترنت في جميع صفوف المدرسة الرسمية وتزويدها بكل الموارد اللازمة، وتأمين الإنترنت مجاناً للمعلمين والتلامذة، وبجودة جيدة، واختيار المنصات التعليمية الرقمية المناسبة التي تتيح التفاعل والتواصل بين التلميذ والمعلم بشكل فعال، من أجل تحقيق الأهداف التعليمية المتوخاة بجودة وفعالية.

لا شك أن بداية العام الدراسي 2020 ــــ 2021 ستحمل تباشير تعزيز الإنتماء الى المدرسة الرسميّة، فالأعداد النازحة بكثرة على التّعليم الرّسميّ هذا العام، تشي بأنّ هذا القطاع التّعليمي قادر على احتضان اللبنانيين في ظروفهم الصعبة، وبالتالي سيكون أمامه تحدياً صعباً لتعزيز الثقة به أكثر فأكثر.لذا يصبح لزاماً على السلطة السياسية إجتراح الحلول الطارئة لدعم التّعليم الرّسمّي الذي لا يملك ترف الوقت لمواجهة التحديات التي تواجهه في خضم الظروف الصعبة، وذلك إما من خلال اقتراح قوانين جديدة واقرارها لزيادة الموازنة المالية للمدرسة الرسمية من أجل تجهيزها بالموارد والإمكانات اللازمة من جهة، واعادة التوظيف في ملاكها من جهة ثانية، وبدء العمل سريعاً مع من يلزم لتسديد مستحقات صناديق المدارس والأهل في أقرب وقت ممكن، على ان يتزامن كل ذلك مع وضع خطة مدروسة وشفافة لمساعدة المدارس الخاصة المتعثرة، ودفع ما تبقى من مستحقات للمدارس الخاصة المجانية، وذلك تداركاً لفقدان عدد كبير من المعلمين وظائفهم، خصوصاً في ضوء الظروف القاهرة التي نعيشها.

*باحث تربوي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق